في تلك الأماكن المدفونة بالنسيان، حيث الصمت سيد المشهد، ينفذ شعاع صباحي خجول عبر ثقب المفتاح الصدئ.
يغمر عوالم الحطام والغبار بلمسة ضوء رقيقة، تُعيد الحياة للحظات، قبل أن يعود الظلام ليغطي كل شيء بطبقته الكثيفة.
تحت رف حجري متهالك، يقبع صندوق خشبي قديم، يكتظ بأدوات زراعية مهملة، لا يزال بعضها يحمل ندوب الاستخدام.
في إحدى الزوايا المعتمة من هذا الصندوق، كان هناك علبة كرتونية صغيرة تزدحم بأعواد الثقاب، صامتة ظاهرياً، لكنها تضج في داخلها بأحلام وهمسات لا تدركها أذن بشرية.
في ذاك العالم المنسي، كانت الأعواد تتحدث عن أحلامها، عن رغبتها في أن تكون أكثر من مجرد خشب صغير يحمل رأساً يشتعل. كان لكل عود حكاية، ولكل عود حلم.
أحدها كان يتمنى أن يصبح شعلة تنير عتمة العالم، ليعيد للألوان وجودها بعد أن دفنها الظلام.
آخر كان يحلم أن يتحول إلى دفء يملأ البيوت الباردة، أن يكون سبباً في زراعة السعادة بين أيدي ترتجف تحت ثقل الصقيع.
بعضهم كان يحلم بإبعاد الخوف عن طفل يرتعد في حضن الليل، أو عن عجوز هجرتها الأيام لتبقى وحيدة في زوايا النسيان. ولكن جميع تلك الأمنيات يجب عليها أن تعبر جسر الاشتعال لتحقق ما تصبو إليه.
كان في العبوة عود قديم يقص عليهم قصصاً أسطورية عن أجداده، من اليوم الأول الذي يتم انتزاعه من شجرة ليتحول في ورشة خاصة إلى عود رفيع، مع استبعاد الأعواد التالفة، ثم ينتقل للمرحلة الأهم وهي طلاء أحد أطرافه بالمادة الكيميائية العجيبة، تلك المادة التي نسميها (أم النار) وهذا هو السر المقدس لنا والذي يحوّل خشبنا نوراً أبدياً.
ولكن الخطوة الأخيرة وهي التي تقرر مصيرنا، مرتبطة باليد التي تضغط على الزناد لتحتك رؤوسنا بمادة خشنة لترتفع الحرارة بشكل جنوني ثم تستيقظ النار النائمة منذ قرون، فتحدث المعجزة المنتظرة، ويتشكل اللهب الحار الحارق والمضيء، وينتشر في الفضاء البعيد نوراً رائعاً.
ذات يوم، امتدت يد طفل صغير نحو الصندوق. كان يبحث عن نور ليبدد ظلام غرفته. اختار أحد الأعواد من الصف العلوي، وبحركة واحدة أشعله.
شعر العود بالألم وهو يشتعل، لكنه في ذات اللحظة شعر بسعادة غامرة. أخيراً، أصبح ذلك النور الذي طالما حلم به.
مرّت الأيام، وبدأت الأعواد تتناقص واحداً تلو الآخر. أصبح البعض شعلة تدفئ البيوت في ليالي الشتاء، والبعض الآخر ضوءاً يطرد الخوف من قلب طفل صغير. لكن بعضهم، في يد بشرية طائشة، أصبح ناراً التهمت الأحراش، وحولت الحقول إلى رماد.
أدركت أعواد الثقاب حينها أن الحلم بالنور ليس نهاية سعيدة دائماً. أحياناً، النور يخلّف خلفه جروحاً لا تنطفئ.
لكن رغم ذلك، كانت رحلتهم مليئة بالمعنى. كل عود عاش لحظته الفريدة، وترك أثراً يستحق الذكر.
ومع مرور الزمن، اخترع البشر أدوات جديدة أسهل لإشعال النار. بقيت الأعواد القليلة المتبقية في علبتها، مدفونة تحت الغبار.
في ذاك البيت القديم الذي بدأت جدرانه تنهار بين أحضان الطبيعة، كان هناك حلم صغير ينام في صمت. ينتظر أن يأتي يومه، أن يحظى بلحظة التوهج، حتى لو كانت الأخيرة.