حين قرأتُ ميشيل فوكو، لم أكن أبحث عن نظرية، كنت أبحث – دون أن أدري – عن اسم لذلك الشعور الذي يسكنني منذ زمن بعيد. تلك القشعريرة التي تمرّ بخفّة على ظهري كلما أغلقت الباب وبقيت وحدي، ومع ذلك، لا أشعر أنني وحدي. ذلك التوجّس الغامض من أنني مُراقب، حتى في أكثر اللحظات خصوصية.
كنت أحتاج من يهمس لي بأن هذا القلق ليس جنوناً، ولا خللاً في الإدراك، بل أثرٌ من آثار السلطة حين لا تعلن عن نفسها، لكنها تتسرّب خفيةً إلى مسام الجسد والوعي واللغة.
لم يمنحني فوكو الطمأنينة، لكنه أعطاني مفاتيح المتاهة. كشف لي أن السلطة ليست سوطاً يُرفع في يد طاغية، بل كاميرا صغيرة مزروعة في زاوية الوعي. عين مفتوحة باستمرار، لا نعرف مَن خلفها، لكننا نضبط سلوكنا على افتراض أنها تنظر.
نتكلم، نتحرك، نضحك، نصمت، وعيوننا في داخلنا تراقب إن كان كل شيء (لائقاً)، (مناسباً)، (مُرضياً)، حتى لو لم يسألنا أحد.
تعلمت من فوكو أن السجون ليست فقط جدراناً وأسلاكاً حديدية، بل عقد شائكة تُبنى من الداخل.
حين يصبح الجسد مطواعاً، والحركة محسوبة، والنظرة مترددة، حين نراقب أنفسنا أكثر مما يُراقبنا الآخرون.حين نخاف لا من العقوبة، بل من التقييم، من الرفض، من الخروج عن القاعدة، السلطة، كما يصفها فوكو، لم تعد تُملى علينا من أعلى، بل نحن من يعيد إنتاجها:
في البيت، في العمل، في الجامعة، في لحظات الحب، وحتى في طريقة جلوسنا في المقهى.
صرنا نعيش كما لو أن ثمة من يراقبنا دائماً...لأن قمة من يراقبنا فعلاً، حتى لو كان هذا الأحد هو (نحن).
ما يسميه فوكو ب(السلطة الانضباطية)، لم يعد مصطلحاً غامضاً، بل مرآة تتكشّف فيها تفاصيل الحياة اليومية. التحوّل الأكبر الذي فهمته من فوكو، هو أن القمع لم يعد يتطلّب سجّاناً.
يكفي أن نعتقد أننا تحت الرقابة، لكي نصبح قضاة وسجانين لأنفسنا. وهكذا يصير الانضباط ذاتياً، عميقاً، هادئاً... ومدمّراً. تلك الصورة التي طرحها فوكو في (البانوبتيكون) لم تفارقني:
سجن دائري، لا يرى فيه السجين السجان، لكنه يعلم أنه تحت المراقبة،
فيبدأ بضبط نفسه بنفسه.
هي ليست مجرد استعارة، بل واقع رقمي معاصر: نحن اليوم نعيش في بانوبتيكون متجدّد.
نُراقب من الكاميرات، من التطبيقات، من تعليقات الآخرين،
لكن الأخطر: من ذواتنا نفسها. حتى في أكثر لحظاتنا (حرية)، نتصرّف ضمن الإطار.
نبتسم ابتسامة محسوبة للكاميرا، نكتب منشوراً نحرص فيه على التوازن، نحرر انفعالاتنا، ثم نعود وننقّحها حتى لا تُساء قراءتها. فوكو جعلني أرى أن السلطة لا تفرض فقط ما يجب فعله،
بل تُصمّم تصوّراتنا عما هو (طبيعي)، (سوي)، (جميل)، (جدير بالحب)، وما هو شاذ، مزعج، زائد عن الحاجة. الرقابة لم تعد طارئة، بل تحوّلت إلى جزء من الذات.
أصبحنا نخجل من أنفسنا إن لم نكن منتجين بما يكفي، جاذبين بما يكفي، متفاعلين بما يكفي، حتى في لحظات الراحة نحسّ بتأنيب الضمير... لأن (الزمن ليس وقتاً للراحة)، ولأننا نعيش تحت ضغط الحضور الدائم، والعمل المستمر، والجاهزية التامة.
لماذا أشعر بالذنب حين لا أكون منتِجة؟
لماذا أعتذر إن نمت طويلاً؟
لماذا أقول لنفسي (أنتِ ضعيفة) حين لا أستطيع مجاراة إيقاع اليوم؟
كل هذا لم يعد مجرد توتّر فردي، بل هو تعبير عن نظام سلطة صارخ، يتحدث بلغتي أنا.
فوكو لم يكشف بنية سياسية فقط، بل بنية وجودية. فضح كيف تسللت السلطة إلى التنفس، إلى العادات، إلى اللغة. حتى الحب لم ينجُ:
حين نحب، نطالب الآخر أن (يناسبنا)، أن (يعدل من نفسه)، أن (يكون أفضل). حين نسعى إلى قولبته بالشكل الذي يرضي غرورنا ويشبع عقدنا.
كأننا نمارس عليه دور السلطة بحب، نعيد إنتاج النظام داخل العلاقة.
حتى الرفض بات خاضعاً للسلطة:
لم نعد نجرؤ على قول (لا) ببساطة،
بل نخشى أن نبدو أنانيين، أو سلبيين، أو (غير متعاونين).
حتى الحزن يجب أن يكون (أنيقاً)، حتى لا نصغر بعيون الآخرين.
صار الألم يتطلّب تنسيقاً لغوياً لكي يُتقبّل.
نعيش في زمن أصبح فيه المرئي أخطر من الواقعي، والحقيقي يُفحص دائماً من منظور الانطباع الذي يُحدثه. كل شيء محكوم بشبكة تقييمات صامتة:
لبسك، نبرة صوتك، عدد متابعيك، نوع الأغاني التي تستمع لها، طريقة ضحكتك، بل وحتى عدد الخطوات التي تمشيها في اليوم!
إن أخطر أنواع السلطة، كما يوضح فوكو، هي تلك التي لا تشهر سلاحها، بل تقنعك أنك من اخترتها. هي التي تدفعك إلى جلد ذاتك إن خالفتها، وتدفعك إلى معاقبة غيرك لأنه لا يشبهك في انضباطك. فوكو لا يدعونا للتمرد المباشر، بل إلى اليقظة: أن ننتبه حين تتحدث الذات بلغة النظام، حين نخجل من اختلافنا لا لأنه خطأ، بل لأنه مرئي. أن نتساءل: لماذا أخجل من بطء خطواتي؟
لماذا أطلب من الآخر أن يشبهني لأطمئن؟
من الذي أقنعني أن الصمت ضعف، وأن الخوف عيب، وأن التعب خيانة؟
هذا ما يجعل فكر فوكو مقنعا بالنسبة لي:
لأنه ليس موجهاً فقط للسلطة السياسية، بل للسلطة التي تسكن داخلنا،
التي نمارسها على أنفسنا يومياً، بوعي أو دون وعي.
لقد جعلني فوكو أرى وجهي وأنا أرتّب غرفتي بطريقة (مقبولة)،
وأنا أعيد كتابة رسالة كي لا يُساء فهمها، وأنا أراقب عدد مرات ظهوري على الإنترنت، وأقارنها بالآخرين.
لم أعد أرى الجلّاد فقط في الخارج، بل فيّ أنا.
ورأيت أنني أشارك في صناعتي كسجين ومراقب في آن واحد.
كل هذا الإدراك لم يكن سهلاً.
كلفني مواجهة، وصراعا عميقا بين ذاتي القديمة وأناي الجديدة...
بين ما كان، وما يفترض أن يكون....
لكنه منحني أول خيط حقيقي نحو التحرر:
أن أعي، أن أتأمل، أن أتوقف لحظة وأتساءل:
هل هذا أنا... أم انعكاس ما طُلب مني أن أكونه؟
إن الحرية لا تُمنح، الحرية تُنتزع، لا من السجّان فقط، بل من داخلنا نحن.
من كل تلك الأصوات التي تتحدث باسم (المنطق)، و(المعقول)، و(اللياقة) والمفروض والواجب.
فوكو لم يكن فقط مفكراً في السلطة، بل كاشفاً لحقيقتها حين تختبئ في أفعالنا الصغيرة، وفي ضمائرنا التي تعتقد أنها (تفعل الصواب).
ولذلك... فإن أكثر ما غيّره فوكو فيّ،
ليس فهمي للسلطة، بل فهمي لنفسي!