مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

هاليداي ورقية حسن.. زوجان جمعتهما اللغة

ليس من اليسير على أيِّ باحث في علم اللغة أو أيِّ متتبع لمحاطه أنْ يتجاوز ما قدَّمه مايكل هاليداي وزوجه رقية حسن، للدرس اللُّغوي الحديث من مؤلفات دفعت بهذا العلم قدماً، حين وجهت البحث في اللغة وتحليلها إلى محيطها الذي نشأت فيه وهو المجتمع، وأسست لمفاهيم جديدة في اللغة وأنظمتها، وتعليم اللغات.
هاليداي.. النشأة والإنجازات
ولد مايكل ألكسندر كيركوود هاليداي في ليدز بإنجلترا سنة (1925م) في أسرة تُعنى بالعلم والبحث في اللغة، إذْ كان والده مديراً لإحدى المدارس، وقام بعد تقاعده بدور أساسيّ في جمع المادة اللهجية الخاصة بشمال إنجلترا في كتاب بعنوان (مسح عام للهجات الإنجليزية).
وقد كانت اهتمامات هاليداي في البداية باللغة والأدب الصيني، اللذين درسهما في جامعة لندن، قبل أن يتَّجِه إلى علم اللغة، ولذا بدأ دراساته العليا في الصين أولاً، ثم في جامعة كامبريدج بإنجلترا، حيث حصل على الدكتوراه في اللغويات الصينية في عام 1955م.
أمَّا عن مشوار هاليداي المهنيّ، فقد بدأ بوظيفة محاضرٍ مساعدٍ في اللغة الصينية في كامبردج، ثم أخذ يتدرج بشغل عدة مناصب في جامعات مرموقة، مثل: أدنبرة، وكوليدج لندن، وإنديانا، وستانفورد، وإلينوي، وإسكس. وفي عام 1976 انتقل إلى أستراليا أستاذاً في علم اللغة، ورئيساً للقسم في جامعة سيدني، حيث بقي حتى تقاعده في عام 1987.
‏وقد لقي نشاط الرجل وعمله الدؤوب في الدرس اللغوي تقديراً من المؤسسات العلمية والبحثية، فحصل على عدة شهادات، منها: الدكتوراه الفخرية من جامعة نانسي بفرنسا عام 1969، والأستاذيَّة الفخرية في عام 1986م من جامعة سنجابور، وحصل على ذات الشهادة من جامعة سيدني، حيث كان يعمل عام 1987، وفي أمريكا يحصل عام 1981 على جائزة دافيد راسل للبحث المتميز في تعليم الإنجليزية من المجلس الوطني لمعلمي الإنجليزية بأمريكا.
رقية حسن.. من الهند إلى سيدني
أما عن رقية حسن فقد ولدت في 1931 في الهند، وشقَّت طريقها في التعليم، حيث أظهرت ميولاً في دراسات الأدب الإنجليزي، وكان لأسرتها فضل دعمها، خصوصاً أخيها الذي كان يدرس الأدب الإنجليزي، حتى تخرجت في عام 1953 في إحدى الجامعات الباكستانية إثر انتقال أسرتها إلى باكستان في تخصص اللغة الإنجليزية والتعليم والتاريخ، ثم تابعت دراستها في الأدب الإنجليزي، حتى حصلت على الماجستير من الجامعة الحكومية في لاهور، لتعيَّن في قسم اللغة والأدب الإنجليزي في كلية الملكة ماري في لاهور.
ثم سافرت بعد ذلك إلى إسكتلندا لتحصل على الدكتوراه بعد حصولها على منحةٍ دراسية من القنصلية البريطانية، وذلك بعد حصولها على شهادة الدبلوم في اللغويات التطبيقية من جامعة إيدنبرغ. بعد ذلك يتاح لرقيَّة حسن أنْ تعمل في مركز الأبحاث الاجتماعيَّة اللُّغوية، مع باسل بيرنستين، وقد كان لعملها في هذا المركز كبير الأثر في مسيرتها البحثية.
غير أن المحطة الرئيسة في مسيرة رقية حسن العائلية والبحثية كانت عند التقائها بمايكل هاليداي في إسكتلندا حيث تزوجا عام 1967، وذهبَا للعمل في جامعة سيدني، ليثمر هذا الزواج عمليّاً وبحثيّاً عن مجموعة من المؤلفات، منها ما اشتركا فيه سوياً، وهما:
- التماسك النصي في اللغة الإنجليزية، عام 1976م.
- سياق اللغة والنص: عناصر اللغة من منظور اجتماعي سيميائي، عام 1985م.
ومنها أعمال أخرى فردية أخرى لكليهما، وكلها أسهمت في دفع مسيرة البحث اللغوي، وعرَّفتْ بها في الدرس اللغوي الحديث.
النص والسياق
قدَّمَ هاليداي ورقية حسن مفاهيم جديد عن النص والسياق، أفادَا فيها ممن سبقهما في الدرس اللغوي، وعلى رأس هؤلاء أستاذُ (هاليداي) العالمُ الإنجليزي المعروف (فيرث)، وقد اُستثمرت هذه المفاهيم في كثير من الدراسات، ومنها العربية في علم اللغة النَّصي وتحليل الخطاب.
فالنَّص عندهما لا يُعدُّ وحدة نحوية أوسع من الجملة، وإنما هو وحدة دلالية، وحدة لا من حيث الشكل، بل من حيث المعنى، ويقرران أنه بإمكان أي شخص أن يميِّز بإحساسه لدى سماعه أو قراءته لمقطع من اللغة إذا ما كان هذا المقطع يمثل نصَّاً أو مجرد جملة غير مترابطة، لكنهما يريان أنه لا بد من توافر معالم لغوية يمكن اعتبارها مساهمة في تحقيق الوحدة الشاملة، وإعطاء هذا النسيج ما يميزه عن اللانص، وتتمثل في: الإحالة، والاستبدال، والحذف، والوصل، والاتساق المعجمي.
لكنَّ هذه المعالم أو العوامل اللغوية لا تعمل وحدها في تحديد خاصية النص، بل هناك دور كبير لعوامل أخرى، وهو ما أُطلق عليه المقام أو سياق المقام، فالمفاتيح اللغوية والمقامية قلّما تؤخذ بعين الاعتبار لتحديد حالة النموذج اللغوي.
فمن الناحية اللغوية يجب مراعاة أشكال الربط التي سبق الإشارة إليها، وتعرف بالاتِّساق، أمَّا من الناحية المقامية، فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار كل ما يتعلق بالمحيط من خلال الأسئلة الآتية:
- ماذا يحدث؟
- ما هو دور اللغة؟
- بمن يتعلق الأمر؟
وهكذا يتجلَّى النص في نسيج له مظهران: داخلي وخارجي، والقارئ أو السامع لا يفصل بينهما لأن هذا التمييز لا يعنيه، على عكس اللغوي الذي يهتم في دراسته بالتمييز بين نوعين من العلاقات:
- العلاقات داخل اللغة، وهي صور المعنى المحقق بواسطة النحو والمفردات.
- العلاقات الموجودة بين اللغة والمعالم المميزة لمادة المتكلم والسامع، أو الكاتب والقارئ، أي المحيط الاجتماعي والأيديولوجي.
وفاتهما
وبعد رحلة علمية عامرة بالإنجازات رحلتْ رقيَّة حسن عن عالمنا في 14 يونيو 2015، ولم يعمّر زوجها هاليداي طويلاً بعدها، حيث وافته المنية في 15 أبريل 2018م، بعد أنْ قدما للمكتبة اللغوية العديد من المؤلفات الفريدة في بابها، والتي تمثل مراجع أساسية في الدرس اللغوي النَّصي وفي تحليل الخطاب، ناهيك عن تعليم اللغات.
ذو صلة