مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

الفن الغائب عن روايات الواقع الاجتماعي وروايات الفانتازيا

لا توجد روايات جادة وروايات غير جادة، المهم هو مستوى الرواية الفني، سواء كانت رواية واقعية اجتماعية أو رواية خيال ورعب تُسمى فنتازيا، والذي يُخرج روايات الفنتازيا من عالم الأدب بحجة أنها خيال مبالغ فيه وغير واقعية وغير جادة، يشبه الذي يستنكر على الصحفي أو الشاعر أو الفنان التشكيلي أو الطبيب أو المهندس أن يكتب رواية، ويشبه الناقد أو الكاتب الذي يعتبر فنّ القصة القصيرة شيئاً صغيراً ويعتبر الرواية شيئاً كبيراً، بغض النظر عن المستوى.
ليس المهم نوعية هذه الروايات واتجاهاتها وفئاتها، المهم هو المستوى، القيمة واللغة والأسلوب، كل الروايات جادة بمختلف أشكالها وأنواعها، والمهم هو مستوى العمل الأدبي فنياً وموضوعياً لغةً وأسلوباً وأفكاراً، سواء كانت روايات واقعية اجتماعية أو ما تُسمى روايات فنتازيا التي تتناول الواقع اليومي بطريقة غير واقعية تبالغ في الخيال وتركز على مشاهد الخوف والسحر، أو روايات جريمة أو خيال علمي، أو السريالية الغامضة والمعقدة ما فوق الواقع في تركيزها على العقل الباطن.
هناك من يكتب رواية الواقع الاجتماعي، وهناك من يكتب رواية الإثارة والخوف والجن والسحر، هناك كاتب يكتب الرواية الواقعية بهدوء وعمق، وهناك من يكتب هذه الرواية بلغة ضعيفة وبطريقة شبه تقليدية دون مراجعة ودون تجديد، وفيها تكلّف وإثارة مفتعلة، وهذا يستطيع أن يكتب رواية كل عام.
وروايات الخيال والرعب أيضاً هي بمستويات متفاوتة، ومثل هذه الكتابات في العالم لها قرّاء يفضّلون هذا النوع من الكتب السريعة، وربما لا يفضلون كثيراً روايات الهدوء واللغة الرفيعة. يقول الكاتب جودت هوشيار عن الأدب الاستهلاكي: (الأدب الجماهيري أو الاستهلاكي الخفيف مطلوب في كل مكان وزمان، ويلبي حاجة من يقرأ للتسلية وتمضية الوقت من دون إرهاق الذهن بالتفكير والتأمل. ومثل هذا الأدب هو الرائج اليوم في عصرنا، وهو يحتل صدارة لائحة الكتب الأكثر مبيعاً).
رواية الفانتازيا والرعب والأساطير
وفي هذه المرحلة الأدبية دخلت رواية الفانتازيا والرعب والأساطير بقوة وكثافة تختلف عن السابق، في تنافس إعلامي وجماهيري مع الرواية الواقعية الاجتماعية العريقة، بعد انفتاح أفق الإعلام الاجتماعي والثقافي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لصالح الرواية الخيالية الجماهيرية الخفيفة والاستهلاكية، التي تلبي حاجة قارئ يريد أن يستمتع بكتابة فيها إثارة وتشويق وجن وأساطير وخوف وخيال كبير.
وفي زمن وسائل التواصل تغيرت الأحوال، وصار القارئ والناقد الجديد هو الأساس، انتهى دور النقد التقليدي وتراجع حضوره الإعلامي بعد غياب الصحف الورقية وصفحاتها الأدبية، وانتهت مرحلة الصحف والعلاقات التي تهتم بكاتب دون سواه، فإذا حلّقت روايتك في الآفاق وحققت الذيوع والاهتمام دون دعم وندوات وتوصيات جوائز فهذا هو الوصول الأصلي والتحقق الحقيقي. في ظل هذا الحضور النقدي الجديد، لنقد المراجعات في مواقع ومنصات النت، بحيث أصبح الكاتب والقارئ المتابع ناقداً أيضاً للنص الأدبي ومشاركاً قوياً في عملية النقد، وهذا ما نوّع القراءات.
الرواية الواقعية الاجتماعية النمطية المتكررة
والسائد الآن في العالم العربي هو الرواية الواقعية الاجتماعية النمطية المتكررة في موضوعاتها ولغتها وطريقة تعبيرها، التي حفظناها من شدة تكرارها في الغالب، ولكنها أيضاً بمستويات تتراوح بين روايات جيدة أو متوسطة المستوى، وهذا هو الأغلب، وهي بحاجة إلى تجديد في لغتها وأسلوبها. هذا يكشف لنا أن الجدل الذي يدور بين بعض النقاد حول أدب الواقع وأدب الخيال والرعب، هو جدل يميل إلى المناكفات الأدبية الشخصية، وليس جدلاً نقدياً جاداً له قيمة ومعنى، لأن هذا النقد لم يقدم رؤية نقدية جادة حول رواية خيال ورعب واحدة على الأقل وتقييم مستواها فنياً وموضوعياً. هناك ناقد بالغ في مديح تجربة رواية الخيال والرعب، وناقد آخر بالغ في رفض التجربة، دون الانتباه إلى تداخل الأنواع والأجناس الأدبية دون حدود صارمة، وأصبح هناك رواية للجماهير وللنخبة في وقت واحد، رواية فيها واقع، ويومي، وخيال، وفانتازيا، في نفس العمل الروائي الواحد، رواية فيها واقعية وفانتازيا في نفس الصفحة، وحققت مبيعات وجماهيرية عالمية. رواية كافكا على سبيل المثال جمعت الواقع اليومي والخيال والسخرية والكوابيس، وأغلقت الباب على من يظن أن هناك رواية واقعية وأخرى فنتازيا، وقالت إن المهم هو مستوى النص الأدبي.
مستوى الفن والموضوع
وربما أهم ملاحظة نقدية على تجربة رواية الفانتازيا والخوف والرعب، على سبيل المثال، هي تشابه الموضوعات في مختلف الروايات وكذلك اللغة المبالغ في تباسطها بحيث تحولت إلى لغة مباشرة لا تحمل أية قيمة فنية أو أدبية رفيعة، كأنها لغة توصيل معلومة في خبر صحافي متعجل، ولكنها سهلة بحيث يستطيع جمهور هذه الرواية قراءة الصفحة الواحدة في ربع دقيقة وليس في ثلاث دقائق مثلاً، وبهذا يستطيع إنهاء الرواية في نصف يوم وليس في ثلاثة أيام، وهذا هو المطلوب من كتب الفانتازيا كما يريد معجبوها، ومن أهم الملاحظات أيضاً هي الغزارة المبالغ فيها في الكتابة والنشر، والنص الأدبي الروائي المعاصر يحتاج إلى التأني والهدوء والمراجعة والحذف لهدف تكثيف وتعميق النص الأدبي. والمشكلة أن هذه الملاحظة الفنية والنقدية مقبولة عند بعض النقاد، حين ينشر ويطبع كاتب الرواية الواقعية الاجتماعية بكثرة دون الاهتمام بالمستوى، وقد يعتبرون هذه الغزارة سمة إيجابية وليست سلبية، حتى لو كتب وطبع روايات متوسطة المستوى، وهنا تناقض في الرؤية النقدية.
سنوات طويلة والتجربة النقدية لدينا لا ترى في النص السردي سوى الموضوع، بمبالغات نقدية في تأويل النص وتفسير موضوعاته الواضحة والوعي الذي كتبه، دون اعتبار لإمكانات وقدرات وأسرار فن الكتابة ولغتها، التي تستطيع تحويل موضوعات عادية ومألوفة إلى موضوعات غير عادية، ودون اهتمام بالأسلوب المتجدد والقدرات الفنية التي تغني النص وترفع مستواه الفني، من نص موضوعي تقليدي، يدعي الفهم والمعرفة ويصف ما حدث ويفسر ما حدث، إلى نص أدبي رفيع يطرح علينا الأسئلة، ولا يفهم ما يحدث حوله.
وسائل التواصل الاجتماعي والثقافي
وربما من أجمل إيجابيات هذه المرحلة الأدبية الجديدة، أن وسائل التواصل الاجتماعي والثقافي، تساهم الآن في وضع الكتاب والمكتبات ودور النشر بالقرب من القارئ، وهذا ساعد القارئ على الاختيار وعلى تحول القراءة إلى فعل يومي، ورفع معدلات مبيعات الكتب الأدبية المتميزة، وضعت الكتب أمام الناس بكل فئاتهم ومستوياتهم، وصاروا يتابعون هذه الإصدارات ويتعرفون منها على عناوين الكتب، وهذا ما غير الصورة النمطية عن الكتب ومعارض الكتب وحولها إلى اهتمامات جماهيرية عامة، لاحظناها في كثافة حضور الأسر والعائلات إلى معارض الكتب في السنوات العشر الأخيرة، في مرحلة ازدهار للرواية السعودية والعربية، التي تقدمت بطموح فني كبير ومبدع ومختلف ومتجدد، وذلك بعد ظهور جيل عربي وسعودي جديد، راكم قراءات متنوعة على مدى سنوات طويلة، وصار يكتب الرواية في الغالب بلغة ممتعة، فيها رصد لليومي بلغة وأسلوب ورؤية عفوية وبسيطة وعميقة، وأصبحت المستويات مرتفعة، بعد تجارب عقود طويلة من تراكم قراءات وتجارب كتابة لأجيال متواصلة، وصار لدينا نماذج روائية رفيعة، وكل ذلك بمتابعة جادة من قارئ جديد ووعي جديد يتابع كل جديد، وله رؤية نقدية جديدة. وهذا الكم بكل أنواعه ومستوياته، في الإنتاج الأدبي الروائي، والقصصي والشعري أيضاً، هو الطريق، من وجهة نظر فنية، إلى الكيف القليل المبدع والمتميز.
زمن الإبداع وليس زمن مشاهير التفاهة
وإذا كان هناك كتاب ونقاد يشتكون بمبالغة، أنه زمن مشاهير التفاهة، فهذا غير صحيح، لأنه في كل زمان ومكان يوجد أدب وفن بمستويات رفيعة ومتوسطة وضعيفة وتجارية المستوى والمحتوى، في كل مكتبة من مكتباتنا العربية سوف تجد كتباً عربية أو مترجمة بمستويات تتراوح ما بين رفيع، وجيد، ومتوسط، وضعيف. في القصيدة والقصة والرواية والنقد وغيرها، هذا أيضاً موجود في أدب كل أمة وفي كل مرحلة من مراحلها، وسوف تستمر هذه المستويات متجاورة إلى الأبد، لهذا من الأفضل أن يذهب ضوء مراجعاتنا النقدية إلى الكتب الرفيعة والجيدة، نكتب عن مكامن قوتها وجمالها ومتعتها وعن مكامن ضعفها، لتعميم الجمال. وهنا نتذكر أن هذه المرحلة الجديدة هي مرحلة ندوات الشريك الأدبي وندوات معارض الكتب النقدية، مرحلة القارئ الجديد والناقد الجديد الذي لا يجامل، مرحلة المراجعات النقدية الموجزة والحديثة، الواضحة والشجاعة.
ذو صلة