مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

مرثية قريــة آفلــة

العزاء الأخير
في عزاء الشيخ زهوان أخذت أرمم أطلال القرية وخرائبها من صورها العالقة بذاكرتي، إذ لم يبق في القرية معمور سوى المسجد، رممه الشيخ زهوان، حين تنسك، واتخذه بيتاً ومصلى حتى مات في إحدى زواياه وحيداً، وأقيم عزاؤه في صوح المسجد.
أجلس بين شهود العزاء الذين لا أعرف أكثرهم، تعلق بصري بجدار المسجد الذي قضى أبي تحته، وعلى إثر تلك الفاجعة غادرت مع أسرتي إلى المدينة.
تذكرت السبرة، والورد، ونبوءة المرأة التي لا يكاد صوتها يسمع، وفكرت في نهاية زهوان، والقصص التي تروى عن افتتان الفتيات به، لما أوتي في شبابه من عنفوان وفتوة وجاذبية، والقرية حينذاك على عهدها القديم، ثم مالت شمسها نحو المغيب بموت إنسانها الأخير، زهوان.
سبرة
استمر هطول المطر متصلاً ثلاثة أيام، لزم الناس بيوتهم، وتغير نظام حياتهم، اجتمعت أسرتنا في حجرة كبيرة تتوسط البيت، وحولنا أكوام الحطب الذي استنقذناه من المطر، تحلقنا حول الصلل نستدفئ بناره، وكلما فاجأنا تسرب الماء من السقف سارعنا إلى وضع إناء تحته، حتى انتشرت الآنية في أرجاء البيت، وشكل وقع القاطر إيقاعاً متجانساً مع صوت المزراب.
بدا أبي أكثر تسامحاً معنا، يحذرنا من البرد، وينهانا عن التعرض للبلل، وأسقط المهمات المنوطة بنا خارج البيت، فلا رعي، ولا حماية للمزارع، ولا ورود للبئر، وأمي وأخواتي يتعاون على الطبخ والتحضير، ونشر ما تبلل من الثياب والفرش. ولا أحد يزجر القطط التي تشاركنا الاصطلاء، وحين نسمع انهياراً من جهة المزارع نتزاحم على النافذة، نفرح حين يكون الخرم في مزارع الآخرين، ونأسف إن كان في مزارعنا، كنا سعداء بالسبرة التي تبدو آثارها كآبة على وجه أبي، وهو يردد: (الله يقدى لنا قدنا)، ورغم البرد فقد كنا نشعر بدفء البيت، ودفء الاجتماع، ومتعة الحياة، ونحن ننام ونصحو بلا متاعب ولا مسؤوليات.
صحو
أيقظنا أبي فإذا الجو صحوٌ والسماء صافية، فاضطرب النظام الذي عشناه في كنف الوالدين، والصلل، وصوت القاطر، والباب الموارب، وكلفنا بمهام كدنا ننساها، فأخرجنا الغنم إلى السفح، وملأنا منابذ البقر والدواب بالعلف، وأمرتنا أمي أن نفرغ الأواني التي ملأها القاطر.
نهض أبي فاحتزم، وتصمد غترته، وأخذ عصاه، وخرج فتبعته وهو يتحسس طريقه بين الزرع، يرصد الأضرار، ويعد الخروم التي ثلمت ثمايل المزارع، وقد تغيرت بعض المعالم، وانهار سورٌ حجري يحول بين بيتنا والطريق، قال أبي لأحد الجيران:
- تباركت الرحمة.
- قال بصوت ساخر: «أسمعت الله لا هي رحمة».
- استغفر أبي ضاحكاً..
يقف أبي ملياً أمام الخروم، والأسف يبدو على وجهه، مررنا برجل يضرب على سطح بيته بمدماك خشبي، ليسد الثقوب التي تسرب منها الماء، حياه أبي وهو يجيل نظره في المزارع، ومضينا، أضع قدمي على أثر قدمي أبي، فللمزارع حرمتها، وأخشى أن أخطو في مكان محظور فيزجرني.
الرجال منتشرون بين مزارعهم، وعلى سطوح بيوتهم، أو مع مواشيهم، وكأنما خرجوا انتقاماً من حبسة الأيام الثلاثة الماضية، كنت مزهواً فلا أحد من أبنائهم معهم، شعرت بالامتنان لأبي، ورأيتني ذا شأن كواحد من هؤلاء الرجال.
صفرة الورد
انتهى المزارعون من ترميم مزارعهم، واكتست الأرض بالخضرة، وامتلأت جنبات القرية بالورد، لم يكن الورد غريباً على القرية، فهو ضمن أطياب تأخذ أماكنها المميزة في مداخل البيوت، ودروبها، تعني بها النساء، فلا بيت في القرية بلا أحواض، تتنوع فيها الأطياب، ويبدو الورد بينها كالنجوم.
ولكنه انتشر بعد السبرة حتى ملأ ساحات القرية، وطرقاتها وجاداتها، والدمن، وسفوح الجبال المحيطة بها، وأطراف المزارع، لم يبق في القرية موضعٌ لم تظهر فيه صفرة الورد.
لم يرحب المزارعون والرعاة بالورد، فهو لا يثمر، ولا يعلف، ولا تأكله الأغنام، حتى النحل لم نرها تمتص رحيقه.
حينما صعدت برفقة إخوتي الجبل القريب من بيتنا بدت لي القرية مكسوة بالورد، فتجاورت صفرة الورد وخضرة العشب، في منظر بديع، وكنت ورفاقي نصنع منه عصائب نزين بها رؤوسنا، ثم توجست من الورد حين سمعت امرأة بالكاد أسمع صوتها تقول لجمع من النساء: هذه النبتة نذير شؤم.
- قالت أخرى: لم يحدث هذا من قبل، وكأنما أمطرت السماء بذور ورد أصفر.
ثم خف توجسي حين سمعت زهوان يقول لأخي الأكبر، وقد كانا صديقين في الظاهر، وغريمين في الحقيقة، يتنافسان على إعجاب الفتيات، سمعته يقول: (ينبت الورد حيث انبثقت لحظة سعادة في قلب محب، موعد غرام، لقاء حبيبة، وصلٌ بعد جفاء، ولادة أمل، ابتسامة إعجاب).
- قال أخي: تظن الناس مثلك، لا يشغلهم إلا العلاقات الغرامية، وكأنك لا تعرف أشقياء قريتنا الذين لا يعرفون إلا الرعي، والحرث، والحصاد، والخصام.
فقاطعه زهوان: لا تغرك أقنعة الجد والوقار، فتحتها قلوبٌ جربت الحب، وأجسادٌ اقترفت الخطايا، ثم إن كثيراً من الأجيال تعاقبت في هذه القرية.
لم يعترض أخي وكأنه قارب الاقتناع بكلام زهوان.

العزاء الأول
في عزاء أبي تشاكى الناس اختفاء بعض النباتات التي تتغذى النحل على رحيقها، ورأى آخرون أن النحل ستصبح بلا قيمة.
ثم تحدثوا عن الهدم الذي حدث في جدار المسجد، قال أحدهم: «إن السبرة هي التي قوضت الجدار الذي انقض على المؤذن»، قال آخر: «إن المسجد قديمٌ فلا عجب أن تؤول بعض أجزائه للسقوط»، قال آخر: «إنما أراد الله أن يختم للمؤذن بالشهادة، فمن مات بالهدم فهو شهيد»، وتحدث آخرون عن ضرورة ترميم المسجد، واقترح أحدهم أن يتولى أحد إخوتي وظيفة الأذان التي أصبحت شاغرةً بعد وفاة أبي، قال أخي الأكبر: «إن ذلك غير ممكن لأننا سننتقل جميعاً إلى المدينة»، ثم عرض على أحدهم شراء مواشينا، وجاء في اليوم التالي لمعاينتها، وتثمينها، وكان ذلك آخر عهدي بالقرية.
إضاءات من خارج النص
- صوح المسجد: فناء المسجد، وهو جزء من المسجد غير مسقوف.
- السبرة: مطر الليل الممتد حتى صباح اليوم التالي.
- الصلل: موقد للتدفئة، يكون في وسط البيت.
- القاطر: نقط الماء المتسرب من السقف.
- الخروم: واحده (خرمٌ)، وهو هدمٌ يقع في جدران المدرجات الزراعية.
- (الله يقدى لنا قدنا): دعوة بأن ينزل الله المطر على قدر حاجة الناس، بما ينفعهم ولا يلحق بهم ضرراً.
- المنابذ: واحدها (منبذ)، وهو موضع مخصص لعلف البهائم.
- تصمد: أدار شماغه على رأسه.
- الثمايل: واحدتها (ثمالة)، وهي جدار المدرج الزراعي.
- أسمعت الله: نوع قسم، وكأنه يشهد الله على ما سيقول.
ذو صلة