ثنى جسده الصلب متناولاً بيديه الخشنتين حجراً أزرق اللون وضعه بإحكام في موضع محدد، ناوله الملقِّف حجراً استطالِيّاً آخر بعد أن هُذِّبت أطرافه الزائدة بإزميل حديدي. وصل ارتفاع المدماك قامةَ رجلٍ تقريباً. من يشاهد جمعان وهو واقف فوق الجدار يُخيَّل إليه أن صقراً ارتقى رأس تلة. ثوبه حائل اللون بأكمام ممزقة تُظهِر عروقاً بارزة من كفيه وساعديه اللذين يوازنان استقامة الجدار الحجري. الشمس في سمت السماء، ورياح جافة هبّت لتثير الغبار الذي كان عالقاً في الأحجار المردومة لتشكل فيما بعد بناءً زاهياً. مسح جمعان جبينه ودعك عينيه من جراء غبار لحق بهما، وما إن رفع أصابعه حتى تَبَدّى عن بُعد صحنٌ فضيٌّ تحمله زوجة صاحب المنزل، به طاستان مملوءتان بالحقينة والمُعَرَّق، وبجوارهما طاسة سمن صغيرة وقطع من الخبز الدافئ.
انحدر جمعان من فوق المدماك كصخرة، سبقه الآخرون في جلسة دائرية. ثمة رائحة عبقت أجواء المكان انبعثت من الخبزة السمراء لتزداد شهيتهم. الأيدي الصلبة تصنع خفساً مجوّفة لتبتل في المُعَرَّق الساخن وتستخرج قطع اللحم الصغيرة واللذيذة. إناء مصبوغ بلونين متناغمين الأبيض والأحمر يحمل في جوفه الشاي الأحمر المحلّى بالسكر، وثمة فناجين حوله تصطكّ ببعضها كحراس أمناء ونغم مألوف يظهر كل يوم. سكبوا الشاي في بطونهم وحمدوا الله وشكروه. الأباريق الفضية المليئة بالماء ليست ببعيدة عنهم، رشّوا أيديهم ووجوههم وأرجلهم، وافترشوا الأرض لأداء صلاة الظهر جماعة. ما إن سلّم الإمام حتى التفت إلى الجدار الماثل أمامهم، لينهض الجميع، كلٌّ في موقعه. صعد جمعان على الجدار مرتقباً أحجاراً مهذّبة من الملقِّف عطية، الذي يتكرر صعوده وهبوطه حاملاً على ظهره أحجاماً من الأحجار يخفف من ثقلها خيشة سميكة ارتداها صبيحة ذلك اليوم.
كان جمعان ينظر إلى الأحجار وكأنها كائنات حية، يتحسسها بأنامله، وقبل أن يضع الحجر يسمّي بالله ليكتمل بناء البيت بعد شهرين كاملين. زُيِّنت نوافذه وأبوابه والزافر بنقش بديع، نافذته تطل على مساحة الوادي الأخضر، والزافر يحمل البيت على هامته. ودقون من الحجارة الاستطالية زُيِّنت واجهاته الأربع، وجدران داخلية خُلِّبت بالطين وصُبغت بالشيدة، وطُليت ببوية خضراء في المواقع السفلى. وفناء واسع يترقب رجال القرية لأداء العرضة الشعبية. تشكلت علاقة وجدانية بين الباني والمنزل الحجري، نظراته كانت تكشف عن ذلك، يمرر أصابعه بشيء من الود للأحجار التي شكّلت بناءً محكماً.
أولم صاحب المنزل بثورٍ ذبحه ابتهاجاً بالبيت الجديد، وحتى يعشي أهل القرية الذين ساندوه وعاونوه في طينة السقف. وُزِّعت الصحون المليئة بالرز واللحم الناضج في ساحة البيت، والتأم الضيوف في أشكال دائرية، وما إن فرغوا حتى كَثَروا بالخير، ليشق صوت الزير فضاء المكان بقرع مرتب بعصوين نحيفتين يمسكهما ناقع الزير بقبضته القوية. لحظات وصفوف العراضة تشكلت في وضع دائري، والمزلف يرتب حركاتهم، ومع كل قفزة ينظر جمعان تارةً إلى المنزل بحميمية بالغة، وتارةً إلى قدميه اللتين يدكّ بهما الأرض مع قرع الزير.
توسّط الشاعر المكان لينشد بطَرْق العرضة:
سلام يا بيت له حَدّه وجدري
من كبر حوشه ما نِجي من جالٍ في جال
وله مصاريع جداد وزافرينا
الله يرحم من بناه وجاب سامه
حصاه من الغوقة ومن الجنش دقونه
ردّدوا المحراف الأخير وتحركوا بانتظام، واستمر الشاعر يلقي القصيد والأجساد ترتخي وترتفع بنشوة مع الإيقاع. ارتخى ضوء الأتريك كمؤشر لانتهاء الكيروسين. مسح الضيوف باقي الدسم من لحاهم وشواربهم، وكثّروا بالخير، منصرفين في ظلمة المكان إلى منازلهم المتناثرة في سفح الجبل.