مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

من أنت؟

هديل الهضاب
بينَ الظِّلالِ… وتحتَ ضوْءٍ لا يَميلْ،
يمشي السؤالُ على دُرُوبٍ مِنْ سَليلْ.
تختارُهُ الريحُ، ثُمّ تُخفي أثرَهُ،
فَيظُنُّهُ العابرُ فِكْراً.. وهو سَيلْ.
يا أيّها الوجهُ الّذي ما لاحَ إلّا لِيتوارى،
مَن أنتَ؟
أم أنّكَ صَوتٌ عادَ مِنْ صدرِ الدّليلْ؟
يُقسمُ الوقتُ مَنامَهُ بينكَ وبيني،
فأبقى أراكَ… ولا أراكَ… كأنّني أعمى وكيلْ.
وتقولُ لي:
(خُذ من صدايَ طريقَكَ الأولْ،
واتركْ ورائي ما يَفيضُ من الرحيلْ).
فأمشي…
ولا أدري أأمشي نحوَ ما قد كان،
أم نحوَ ظلٍّ لم يزلْ في الصمتِ طفلاً مستحيلْ.
أُصغي لخطوي،
فأسمعُ الخطوَ لا يأتِي،
بل ينسابُ كالحرفِ الّذي يهربُ من آخرِ سطورِ الإنجيلْ.
والليلُ -يا صاحبي- نافذةٌ لا تُفتحُ إلّا
حين يضيعُ المفتاحُ بين أصابعِ التأويلْ.
وأراكَ تبتسمُ الآن،
لكنّي أُدركُ أنّ ابتسامَكَ
ليس ضوءاً…
بل شراراً ينعكسُ في ماءٍ عليلْ.
وأدركُ أكثر…
أنّ ملامحَكَ لُغزٌ يكتُبُني،
وأنا لُغزٌ يقرؤهُ مَن في الفكرةِ يميلْ.
يا أيّها الغائبُ الحاضرُ في روحي،
هل كنتَ حقيقةً؟
أم أنّكَ وهمٌ… جاءَ كي يُصقِلَ وعْيي بالمسيلْ؟
لا تجبْ…
فالجوابُ طريقٌ ضيّقٌ
لا يليقُ بمن عشقَ التيهَ،
ولا بمن اعتادَ أن يُشعلَ الأسئلةَ قِنديلاً
في ممرّاتِ المستحيلْ.
وتمضي…
ويَمضي معكَ اسمي،
كأنّكَ بابٌ فُتحَ كي يعبرَ الوقتُ منه،
ثم أغلقَهُ الظلُّ بلا دليلْ.
فأعودُ أسألُني عنكَ،
فلا أجدُ إلّا صدى يردّدُ:
مَن أنت؟… أم مَن أنا؟
في مرآةٍ انشقَّ نصفاها
بين وهمٍ…
وبين ميلادٍ طويلْ.
ذو صلة