كان شاباً أنهكته الحياة، ومزّقته الحاجة، وأرهقه النفاق وخبث الطَويّة وسوء الأخلاق. طرق أبواب الرزق، فلم يجد إلا الصّدّ والخذلان وعملاً براتب ضئيل يقيه شرَّ التسول ومدّ اليد للناس. بحث عن الصدق في وجوه الناس، فلم يجد سوى أقنعة زائفة تُخفي وراءها أنياب الطمع والفساد والتوحش. ضاقت الدنيا واسودّت في عينيه، حتى بدا له الجنون ملاذاً، فقرر أن ينسلخ من عالم العقل، ويرتدي رداء السذاجة والهبل والخَرَس.
أشفق عليه الناس، وتحسروا على شبابه وعقله الذي ذهب، وألقوا باللوم على كل ما عداهم. في البدء، كان الأمر بالنسبة له تجربة وهروباً، استراحة من ضنك الحياة ومتطلباتها، لكنه سرعان ما وجد فيه مخرجاً، فصار يبتسم بغباء، يُحدّق في الفراغ، يرقص في الشوارع، بل تعرّى غير مرّة في الساحات. لم يغلب أو يتعب في تحصيل طعامه وشرابه وملابسه، فمن السهل أن يتدبر أمره في البيوت التي كان كثير منها لا يُغلق دونه تعاطفاً ومواساة.
مرت السنوات، واكتشف الوجه الآخر لعالم الهبل. لم يكن الناس يتحرجون أمامه في الكلام أو الفعل، لم يبالوا بوجوده ككيان يشعر ويفهم ويراقب، خصوصاً أنه أخرس. ففُتحت له الأبواب وكُشفت له الأسرار وهُتكت الأستار، وعرفَ كثيراً من خبايا وخفايا النساء والرجال وفضائحهم وحقيقتهم دون أقنعة.
رأى ألسنة تلهج بالتقوى في العلن وتستحق اللعن في الخفاء، ونساءً يُظهرن الرّزانة والتحفظ ويُحكن الخطيئة خلف الأبواب، ورجالاً تُضرب بهم الأمثال في النزاهة وهم يغرقون في مستنقعات الرشوة والخداع، وكباراً يُحسب لهم ألف حساب يركعون عند أقدام غانية لعوب، وأبناء وبنات أُسر كريمة يتعاطون المخدرات ويسرفون في شرب المسكرات ويقترفون المحرمات. صار مرآة ترى كل العيوب، ولا يراها أحد.
ضاق صدره واختنق، عندما أدرك الحقيقة القاسية، أنّ عالم التمثيل والمظاهر والحرمان الذي فرّ منه، أرحم من الحقيقة العارية التي تعيش بلا أقنعة، لقد فرَّ من رائحة قذرة إلى القذارة نفسها، ومن الرمضاء إلى النار.
ذات مساء، وقف أمام مرآته المكسورة في غرفته البائسة، وحدّق في ملامحه التي باتت غريبة حتى عنه. (كفى!) صرخ في وجه الانعكاس، قرَّر أن يستعيد نفسه، أن يصرخ في الناس: (أنا لست أهبلَ!)، لكنه حين فتح فمه، لم يجد الكلمات. لم يجد صوته. أصابه الذعر، حاول الكلام، فلم ينطق إلا كلمات مبهمة، وجملاً متقطعة مفككة، تصحبها تأتأة. فقد لسانه، رحل بلا عودة.
سخروا حين أخبرهم أنه عاقل، ولكنه كان يتظاهر. (الأهبل لا يمكن أن يعود عاقلاً!)؛ قالوا ذلك وتركوه لمصيره. صاروا يضحكون عليه ويتندرون بحالته. حاول أن يقنعهم، لكن دون جدوى، فقد كُتب عليه أن يعيش أهبل طيلة حياته.
أُغلقتْ دونه الأبواب، وسُدّتْ في وجهه السبل، توجسوا من لسانه وإن كان صدئاً متآكلاً، خافوا قُربه، فادعاء العقل بعد الجنون خطر. بحث عن عمل، أي عمل يسير يقتات منه، فقوبل بالطرد والسخرية، فانسحب إلى هامش الحياة، إلى بناية مهجورة، يتدثر ببقايا ملابس مهترئة، ويقتات مما تتكرم به نساء بدل التخلص منه، وإن لم يجد فمما تلقيه الأيدي في الحاويات.
وذات مساء شتوي قارس، افتقدته امرأة مسنة، أرادت أن تمنحه بقايا عشائها. وجدته متجمداً بين عراءين، مُلقى كدمية مكسورة. عيناه تُحدّق في الفراغ، حيث لا أحد، لا شيء.