مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

قيس الجنابي: الجامعات لا تخرج نقاداً بل متخصصين

حوار/ عذاب الركابي: العراق


الناقد الأكاديمي العراقي الدكتور قيس كاظم الجنابي والكتابة؛ فعل كونيّ، وهي أداة شفّافة للبحث عن الذات، بل شفرة الذات المبدعة الباحثة عن ذاتها.
والنقد لديه ذو أرضية شاملة، خليط بديع من التاريخ والأنثروبولوجيا والأسطورة، وهو يعمل عمل المبضع حين يزيل الزوائد والتشوهات عن النص الأدبي الإبداعي.
والكتابة النقدية لديه ليست لعبة كلمات أو لهو استعارات وأراجيح خيال؛ بل موقف موضوعي حقيقي. والكتابة الحقيقية ليست موقفاً إنسانياً وحسب، بل ملجأ خرسانة يتحصّن به، حامياً نفسه وفكره وكتاباته من عواصف النفاق الثقافي.
كانت لنا معه وقفات حول الكتابة والنقد والإبداع، وتفاصيل أخرى في هذا الحوار:
حدثنا عن بدايتك مع المغامرة/ الكتابة، إذ كانت الطريق المضيء لفكّ شفرة النصوص الشعرية والنثرية السرديّة.
- يشير الناقد السعودي عبدالله الغذامي إلى أن «الكتابة عمل مضاد، من خلال مسعاها إلى تجاوز كل الآخرين ومحاولة نفيهم، بواسطة اختلافها عنهم وتميزها عما لديهم، كما أنها عمل يتضاد مع الذات الكاتبة، من حيث أن الكتابة الإبداعية هي ادعاء كوني يفوق الذات الفاعلة، وتمدّد من فوقها متجاوزاً إياها وكاسراً ظروفها وحدودها». وهذا يعني أن الكتابة فعل كوني، أي خلق أو إعادة خلق جديدة. وهذا السؤال ربما يحيل بصورة ما إلى بداياتي الأولى، وكالعادة الناقد لا يصبح ناقداً إلا بعد أن يتسلح بثقافة خاصة، تحصيل في البحث والدراسة. والجامعات لا تخرج نقاداً، وإنما تخرج متخصصين أفضلهم يسير بالإبداع مثل حصان العربة.
بداياتي كانت البحث عن ذاتي أدبياً، بين الشعر والقصة والمسرحية، ولكني لم أكتب الشعر، وإنما كتبتُ بعض المسرحيات ثم القصص، كنت حائراً بين الأجناس الأدبية، الشعر جاء مع صدمة الحداثة وقراءة (محمد الماغوط) و(أدونيس)، وخيبة أملي بعدم وجود مسرح حقيقي، ولكن الجنس الذي كتبته أولاً بجد هو القصة القصيرة.
النقدُ والناقدُ المتهمانِ أبداً؛ لماذا يفسرون كلمة ناقد بشكل خاطئ؟ ما رأيك بكل هذه الاتهامات، رغم ما فيها من إيقاع إنشائي مُستَفِز؟ كيف تردّ؟ وما دفاعك من وجهة نظر ناقد كبير؟
- النقد شغل إبداعي، ولكل شغل مشغل وأدوات وتصورات. أما مقولات هؤلاء فهي الأخرى ذاتية، فإذا كان الشعر يرمم الحياة، كما أعتقد؛ فإن النقد يعيد ترميم المنطق والعقل مثلما يرمم الإبداع.
النقد هو المبضع الذي يزيل الزوائد والتشوهات عن النص الأدبي، وهو الذي يحدّد أهم التيارات، وينمّي القدرات، ويرفع الأسماء ويخفضها.
هل استطاع الناقد العربي الحفاظ على المسافة بين النظريات والمصطلحات الغربية وبين مفهوم النقد لدى قدامى النقاد العرب كالجاحظ وابن سلام والجرجاني.. وغيرهم؟ أليس هؤلاء هم الأقرب في رؤاهم إلى طقوس وروح وجماليات النص العربي؟ ماذا تقول؟
- الناقد العربي، وقع في فوضى ترجمة المصطلحات الجديدة، ونموّ التيارات الأدبية وتقليعات الحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الفائقة، والموجات المتتالية. بعض النقاد مثل (جابر عصفور) له خطوات متوازنة بين الحداثة والتراث، وكذلك (الدكتور عبدالله إبراهيم)، أما نقاد المغرب العربي فهم في الغالب صدى للناقد الغربي (الفرنسي خاصة).
قام (رولان بارت) بقتل (المؤلف)، وتبعه (رونان ماكدونالد) بـ(موت الناقد)؛ أليست الكلمات حياة الحياة؟ وكل حرف وكلمة وجملة تمد لسانها ساخرة من الموت؟ والكلمات آخر من يموت؟ ماذا ترى؟ أي بورتريه حزين قاتم هذا للناقد؟!
- تعد طروحات الناقد الفرنسي (رولان بارت) حول (موت المؤلف) مقدمة لطروحات نقدية تالية لها، مثل (موت النقد) و(موت الناقد) و(موت الأدب) والأخير كتاب لـ(ألفن كرثان)؛ كل هذه طروحات مجازية، وليست حقيقية، ذلك أن فكرة موت المؤلف تعني فيما تعنيه النظر إلى النصّ المنتج بعيداً عن حياة مؤلفه والمؤثرات الذاتية للمؤلف على النصّ، وهي محاولة لفصل النص عن مبدعه، باعتبار النص مجهول المؤلف، كما كان كتاب (ألف ليلة وليلة) مجهول المؤلف. وقديماً وصلتنا ملحمة (جلجامش) مجهولة المؤلف، وهي تعالج لغز الموت والخوف من النهاية المحتومة للإنسان، فالموت هنا موت مجازي.
ما مدى ارتباط الإبداع والفن والنقد معاً بمفهومي (السيمولوجيا) علم الأنساق والدلالة والرموز، و(الإثنولوجيا) علم الأصول والأعراف؟
- لكل ناقد أو باحث تأسيساته، التي لها أثرها عليه، فبعض النقاد، تأسيساتهم فكرية أيديولوجية، وبعضهم تراثية، وبعضهم الآخر أنثروبولوجية (فلكلورية) تنهل من الأسطورة جذورها وصبواتها القرائية، وبعضهم بنيوية؛ ولكن (السيمولوجيا) و(الأثنولوجيا) لهما أثرهما في الكتابة النقدية لدى عدد من النقاد، ومنهم ناجح المعموري.
وبالنسبة لي تأسيساتي تراثية عربية وفلكلورية، بحكم دراستي للأسطورة اليونانية في المرحلة الثانية في الجامعة من قبل أستاذي الراحل الدكتور ناصر حلاوي، والأدب الشعبي على يد أستاذي قصي سالم علوان في السنة الرابعة، فأصبحت ثقافتي عربية تراثية وأنثروبولوجية.
النقد اصطلاحاً: تحليل وتقييم النصوص من خلال بنيتها الداخلية؛ ما الذي يعنيه (النقد الودود)؟ هل أنت ناقد ودود مع النص والناص معاً؟
- بصريح العبارة أنا أكتب النقد بطريقة غير ودية، وقد وصفني أديب صديق من الحلة بـ(الناقد المرعب)، هكذا قالها لي أمام جمهور من الأدباء. كان الأدباء يخشون من كتابتي عنهم، ولا يهدونني أعمالهم لأنني لا أمدحهم ولا أجاملهم. الكتابة عندي موقف موضوعي حقيقي.
هناك من يقول مستعذباً حالته: أحببتُ الكتابة لأنني أشعر وكأنني أدخل مكاناً آخر؛ هل الكتابة تمنح المبدع والكاتب ملجأ ومأوى آمناً إلى هذا الحد؟ وما تضاريس هذا الملجأ؟
- الكتابة بعض الأحيان اندماج في موقف أو حدث ما، نوع من التماهي في لعبتها المخادعة، لعبة الحياة المتعددة الأوجه. أنا شخصياً الكتابة تمتص الكثير من توتراتي النفسية المحيطة بي، الكتابة ملجأ من الخرسانة أتحصن به لكي أجنب نفسي العلاقات السيئة والمناكفات والجدل العقيم، فأنا احتمي بها من الوسط الثقافي الموبوء بالنفاق والمصالح.
ليس للنقد وظيفة أيديولوجية، وهو ميثولوجي ووظيفته جمالية؛ ما موطن الجمال في النص النقدي؟ من استوقفك في تنظيره من النقاد عراقياً وعربياً وعالمياً، بكل موضوعية؟
- النقد ليس موقفاً أيديولوجياً، ولكنه انتماء إلى موروث ثقافي (وطني أو قومي أو عالمي) مهما اختلفت مشاربنا، انتماء إلى لغة ثقافية وتراث أدبي وتاريخي وفني، انبثاق من قعر الرماد إلى جذوة الفعل والعطاء والوجود. وموطن الجمال في النص النقدي، مع أنه يمثل القدرة على التشخيص الموضوعي للرؤى والمواقف وتحليل النص بحميمية خاصة؛ في الانتماء إليه، أو في تقييمه وتقريبه لكي ينتمي إلى مبدعه وناقده.
بطبعي أنا أميل إلى الاطلاع باستمرار والقراءة الجديدة في النقدية العربية المعاصرة، في الشعر والقصة والرواية. في بداياتي تتلمذت بحذر شديد على طروحات وقراءات النقاد العراقيين والعرب والعالميين، في العراق كان هناك عبدالجبار داود البصري وباسم حمودي وفاضل ثامر وياسين النصير وداود سلوم ومحسن الموسوي وعبدالاله أحمد وعلي جعفر العلاق.. وآخرون. قرأت كلّ الأجيال التي سبقتني والتي سبقتها، ولكني مزجت بينهم حسب قدرتي ولم أقلد أحداً منهم. عربياً قرأت سيزا قاسم وإحسان عباس وجابر عصفور والغذامي وغالي شكري وعبدالقادر القط، وقبلهم طه حسين والعقاد، ومن المغاربة سعيد يقطين ومحمد عابد الجابري وحسين الواد.. وآخرين. كما كنت أتابع ما يترجم في بلدان المغرب العربي، خصوصاً طروحات نقد السرد الحديثة، ولما وصلت إلينا طروحات دريدا وبارت وفوكو، وإليوت قبلهم؛ كنت من المتابعين لها مع ما كان يكتب عن الفنون التشكيلية والتيارات القريبة منها كالسريالية والدادائية والتكعيبية والانطباعية وتراسل الأجناس.
تزعجني كتابات ما بعد الاحتلال الأمريكي ذات النكهة الطائفية والتسقيطية التي تصنف الأدباء حسب طروحات الإسلام السياسي الطائفي، كالاستهانة بالرصافي، ورفع مستوى بعض الأدباء التافهين بالإعلام لأسباب مدفوعة الثمن.

ذو صلة