مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

الفرق بين الهوس والمهووس

لا شك بأن (المهووس) عبارة عن مصطلح يفضي إلى التحقير، حيث يوصف به الشخص الذي يكون له معتقد ثابت يؤمن به ويدافع عنه، في حين أنه يقابل بالرفض من قبل المجتمع الذي يعيش فيه. كما أن الشخص (المهووس) أحادي التفكير ودجماتي متمركز حول ذاته، فهو يرفض كل شيء يتعارض مع معتقده، سواءً أكان علمياً أم ثقافياً، حتى إنه يسخر من الرأي الآخر لأنه يطبق قاعدة (لا أُريكم إلا ما أرى). ومن هذا المنطلق فالمهووس غالباً ما يكون ذا نقاش بيزنطي وعقيم، أي حوارات غير عقلانية؛ لأنه يخضعها لنرجسيته أولاً وأخيراً، وقد يكون الشخص مهووساً بشكل عام في كل اتجاهاته الاجتماعية، وقد يكون مهووساً في اتجاهات معينة كالمهووس بالسيطرة، أو بالحب، أو بشخص ما، أو بالحيوانات، أو مهووس بالألعاب أو غيرها. وتماشياً مع ذلك، فإن الشخص المهووس على الرغم من سلبياته الظاهرة، والتي تؤدي به دائماً إلى العزلة والانطواء وضعف العلاقات الاجتماعية؛ إلا أنه قد ينجح أحياناً إما بمحض الصدفة أو لتنازل الآخرين. ولا جديد حينما نقول بأن وسائل التواصل الاجتماعي سهلت كثيراً بروز الأشخاص المهووسين، نظراً لما قدمته العولمة وآلياتها من اختراقات وانتشار وسهولة ترويج لكل سلوك سواءً أكان إيجابياً أم سلبياً. ولا بد من أن أُشير هنا إلى بعض السمات والخصائص النفسية التي يتسم بها الشخص (المهووس)، ومنها:
1 - النرجسية الكاملة، من حيث تمجيد أنفسهم وما لديهم من قدرات وإمكانات، في مقابل التقليل من شأن الآخرين وما يملكونه من مهارات وقدرات.
2 - الشخص المهووس يتسم بالكذب والمراوغة والإنكار، فهو لا يعترف بالخطأ مهما كان حجمه، وغالباً ما يرفع من قيمة نفسه وأهمية ما يقوم به من أعمال حتى ولو كانت صفرية.
3 - يتسم أيضاً بحب التملك والأنانية، ولا يراعي مشاعر الآخرين، بل لا يلقي لهم بالاً، ولا يشعر بالمسؤولية تجاه الغير.
4 - عادة ما يعاني الشخص المهووس من الفقر العلمي والأكاديمي، حيث يعتمد دائماً على معتقداته بما فيها من معارف وتجارب وخبرات شخصية.
5 - يمارس ثقافة الادعاء المعرفي، حيث ينسب لنفسه ما ليس له، سواءً كانت أدبيات أو معارف أو مؤلفات، خصوصاً ما يتعلق بطرحه وثقافته.
6 - الشخص المهووس دائماً ما يؤمن بثقافة المؤامرة وسياسة القمع لأفكاره ومعتقداته، فهو يعتقد بأنه محارب ومنبوذ.
ومن جهة أخرى فإن الشخص المهووس قد لا يصل إلى حد الاضطراب، فقد يتكون سلوكه بناءً على الثقافة أو العادات أو التقليد والمحاكاة، أي إنه (سلوك مكتسب) من البيئة الاجتماعية والمجتمع المحيط، يكوّن لديه معتقد متجذر يبني عليه افتراضاته، وعلى خلاف ذلك الشخص المصاب (باضطراب الهوس).
ويبقى السؤال المطروح: هل يوجد فرق بين (الهوس والمهووس)؟ ونقول: نعم، هناك فرق، بل لا بد من التأكيد على وجود فرق كبير جداً بينهما (كاضطراب نفسي وكسلوك)، حيث إن الهوس من الاضطرابات الوجدانية (المزاجية)، يعانى فيه المصاب من مزاج ونشاط مرتفعين وتسارع بالأفكار والضحك بشكل غير اعتيادي، كما أنه يتفاوت في شدته من الهوس الخفيف إلى الهوس الكامل مع أعراض الذهان أي (هلاوس وأوهام).
وللهوس عدة تعاريف منها أنه: (حالة من الانفعال أو ارتفاع المزاج بشكل غير طبيعي). وفي هذا الإطار فإن الهوس اضطراب نفسي غير معروف الأسباب، ولكنه يعود إلى مجموعة من العوامل العضوية والنفسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية كالجانب الوراثي ومدى استعداد الشخص للإصابة بهذا الاضطراب، وكذلك التعرض للإحباط المتكرر كالفشل في تحقيق هدف ما ومن ثم الدخول في صراعات نفسية داخلية، بالإضافة إلى الآثار الجانبية للأدوية النفسية أو الاعتمادية النفسية والجسمية على المخدرات، وغالباً ما يعقب حالة الهوس حالة اكتئاب، وهو ما يسمى بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وهو عبارة عن حالة نفسية يعاني فيها المصاب من تغيرات وتقلبات مزاجية شديدة ومختلفة، سواءً أكانت نوبات مزاجية غير طبيعية مرتفعة أم نوبات مزاجية غير طبيعية منخفضة، وأحياناً يوجد خليط من أعراض الهوس والاكتئاب في نفس الوقت، ولذلك يسمى باضطراب الهوس الاكتئابي، وهذا النوع من الاضطراب يؤثر على أقل من 1% من أفراد المجتمع، كما أنه نادر الحدوث قبل سن النضج، إلا أنه يصبح أكثر شيوعاً خلال مراحل الحياة الاجتماعية المختلفة. وبطبيعة الحال فإن المصاب بالهوس ذو نشاط مرتفع وحديثه سريع ومتواصل بلا توقف وصوته مرتفع أي أنه ثرثار، وهذا ما يسمى بضغط الكلام، كما أنه ينتقل من موضوع إلى آخر وبشكل غير مترابط، وهذا ما يسمى بتطاير الأفكار، وهو بذلك عكس المصاب بالاكتئاب تماماً، إذ يكون حديثه بطيئاً وبصوت منخفض مع ضعف النشاط.
ولعله من المفيد أن أوضح الفرق بين أنواع الاضطراب الوجداني ثنائي القطب والاكتئاب الرئيس، حيث أن اضطراب ثنائي القطب من النوع الأول يحدث بوجود نوبة هوس مع أو بدون نوبة اكتئاب، بينما اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني يحدث بوجود نوبة هوس مع نوبة اكتئاب، في حين أن اضطراب الاكتئاب الرئيس يحدث بوجود نوبة اكتئاب فقط، وتفسيراً لما سبق فإن اضطراب الهوس له عدة أنواع، منها:
1 - هوس الشهرة، وفيه يرتبط المصاب بالمشهورين خصوصاً الفنانين منهم، فيقوم بتقليدهم في كل شيء تقريباً.
2 - هوس الشراء، وفيه يجد المصاب متعته بالتسوق وبشكل مبالغ فيه جداً، حتى أنه قد يشترى ما لا يحتاجه ولا ينفعه بسبب رغبة داخلية قهرية.
3 - الهوس الشبقي، وفيه يتوهم المصاب بأن لديه حبيباً مبهماً يتابعه ويراقب سلوكياته وتصرفاته.
4 - هوس السرقة، حيث يسرق المصاب أي شيء.
5 - هوس نتف الشعر، وهذا النوع منتشر لدى النساء أكثر، وفيه تشد المصابة شعرها بسبب وبدون سبب، مع عدم القدرة على التحكم والتوقف، ومن ثم الشعور بالندم على ذلك السلوك.
6 - هوس إشعال الحرائق، وفيه يكون المصاب معبراً ومنفذاً لحالته النفسية السلبية، ولذلك يجب الأخذ في الحسبان بأنه عند الكشف عن الشخص المصاب باضطراب الهوس فإنه يتم من خلال معرفة الأعراض النفسية والعلامات الظاهرة كالسرعة في الكلام والنشاط الزائد والتذمر والشعور بعدم الارتياح والشعور بالقلق والتوتر وعدم القدرة على النوم، بالإضافة إلى الحساسية المفرطة وعدم الاتزان الانفعالي، كما أن المصاب قد يعاني من ضلالات سمعية وبصرية.
واستخلاصاً لما سبق فإن هذا الاضطراب له طرق علاجية ناجعة، فإذا كان المصاب يعاني من الهوس الخفيف أو الحاد والمزمن؛ فلا بد من العلاج الدوائي كمضادات الاكتئاب والليثيوم، وهو مثبت الحالة المزاجية حتى لا تتفاقم المشكلة لدى المصاب، على أن يكون العلاج الدوائي متزامناً مع العلاج النفسي المعرفي السلوكي، وهو مهم جداً لأنه يساعد المصاب على فهم حالته والتعايش معها، وبخاصة أن بعض الحالات لا يحتاج المصاب فيها للعلاج الدوائي كالهوس الخفيف.

*أخصائي ومعالج نفسي عيادي وجنائي
ذو صلة