مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الشعر الكردي بين القديم والحديث

في اللغة الكردية العديد من اللهجات أهمها الكرمانجیة الشمالیة والكرمانجية‌ الوسطی والكرمانجیة الجنوبیة والكورانیة. وتنقسم كل واحدة من هذه اللهجات الرئیسة إلی عدة لهجات محلیة. اسم اللغة الكردیة بلغة الكرد هي كرمانجي، وتنقسم الكردیة إلى ثلاثة أقسام:
القسم (الأول) اللهجة الشمالیة: وتعرف باسم الكرمانجیة
القسم (الثاني) اللهجة الوسطی: وتعرف باسم السورانیة
القسم (الثالث) اللهجة الجنوبیة: وتعرف باسم الكرمنشاهية
لهجات الكرمانجیة الرئیسة
الكرمانجیة الشمالیة:
وهذه اللهجة ینطق بها معظم الكرد في تركیا وسوریا وشمال كردستان العراق وأكراد خراسان والحدود الشمالیة الغربیة لإیران، وتنقسم إلی اللهجات المحلیة التالیة: البایزیدیة، الهكاریة، البوتانیة، الشمدینانیة، والبهدینانیة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأقاليم الكردية التي تتحدث بهذه اللهجات متصلة جغرافياً باستثناء الكرد في خراسان، وذلك لأنه تم ترحیلهم من كردستان إلی خراسان في زمن الملوك الإیرانیین. وعدد الناطقین بهذه اللهجة أكثر من عدد الناطقین بأية لهجة أخری.
 الكرمانجیة الوسطی:
وجرت العادة علی تسمیتها خطأً بالسورانیة نسبة إلی (إقلیم سوران) الناطق بإحدى اللهجات المحلیة للكرمانجیة الوسطی، ویعود سبب ذلك إلی غزارة النتاج الأدبي الكردي بهذه اللهجة، وتنقسم الكرمانجیة الوسطی إلی اللهجات المحلیة التالیة: الموكریة، السورانیة، الأردلانیة، السلیمانیة، والكرمیانیة.
یقطن الناطقون بهذه اللهجة إقلیماً متصلاً في وسط كردستان العراق، وینقسم الناطقون بهذه اللهجة بین إیران والعراق.
الكرمانجیة الجنوبیة:
وتسمی اللوریة نسبة إلی (إقلیم لُرستان) الناطق بإحدى اللهجات المحلیة لهذه اللهجة. تنقسم الكرمانجیة الجنوبیة إلی اللهجات المحلیة التالیة: اللورية، البختیاریة، المامسانیة، والكلهورية.
ویقطن الناطقون بهذه اللهجة في إقلیم متصل، مقسم بین العراق وإیران.
اللهجة الكورانیة:
تختلف هذه اللهجة عن باقي اللهجات بكون الناطقین بها مُبعثرین ولا یقطنون في إقلیم متصل، فقسم منهم یقطن المناطق الواقعة قرب حدود انتشار الكرمانجیة الجنوبیة والوسطی والكرمانجیة الجنوبیة، قرب منابع نهر سیروان (دیالي)، وقسم منهم یقطن قرب حدود انتشار الكرمانجیة الشمالیة والكرمانجیة الجنوبیة، ویقطن قسم آخر منهم بین الرافدین الرئیسين لنهر الفرات في تركیا، كما یقطن قسم منهم في منطقة قونیا جنوب أنقرة، وهم یشكلون أغلبیة الكرد في منطقة قونیا، تنقسم هذه اللهجة إلی اللهجات المحلیة التالیة: الكورانیة الأصلیة، الهورَمانیة، الباجلانیة، والزازائیة.
الشعراء الكرد.. لمحة تاريخية
فقي تيران:
ولد الشاعر الكردي (فقي تيران) سنة 1302 في قرية (مسكي) التابعة لمنطقة (جولمرك) في تركيا حالياً، حيث اشتهر بأشعاره المدافعة عن الفقراء، ولم يكتب للملوك والأمراء. وكانت أشعاره منتشرة بين عامة طبقات المجتمع؛ لأنه يعتمد على لغة بسيطة وسهلة، كان يفهمها الجميع. كان فقي تيران في قصائده منفتحاً على الشعوب الأخرى أيضاً، حيث كان ينادي إلى المساواة والأخوة بين الشعوب. توفي فقي تيران سنة 1375.
الملا أحمد الجزيري:
عاش 1570 - 1640 ميلادي، وهو كاتب كردي وشاعر صوفي. ولد في جزيرة بوطان، جزيرة ابن عمر. وكانت إمارة بوتان الأكثر تأثيراً في تاريخ كردستان، في الوقت الحاضر تقع الجزيرة في مقاطعة شرناخ جنوب شرقي تركيا. وبسبب موقعها الجغرافي كانت مركزاً مهماً للثقافة الكردية، أنشئت فيها أول مدرسة للشعر الكلاسيكي الكردي في اللهجة الكرمانجية، والملا الجزيري هو الممثل الرئيس لهذه المدرسة، وهو ممثل للشعر الكلاسيكي الشرقي ككل.
في شعره ليست هناك حدود واضحة بين الحب البشري والإلهي. والقارئ غالباً ما يتساءل عمّا إذا كان شعره يقصد به محبة الله، أو سلمى - يقال إنها ابنة أو أخت أمير الجزيرة التي أتت بالنيران على قلب الشاعر.
كان مكانه المفضل لإنشاد قصائده مقبرة قريبة من الجزيرة، يتردد عليها الملا لإنشاد قصائده هناك، وتعرّفت امرأة لزمان ومكان الملا فكانت تذهب وتلصق عجينة الخبز على الشاهد الذي يتكئ الملا عليه آن إنشاده، هذا لأن درجة عشقه وولهه كانت تجعل الشاهد ساخناً ليكون ملائماً للصق الخبز عليه، هكذا تتداول قصته في مقدمة عمله الرائع (العقد الجوهري).
أحمد خاني:
شاعر وأديب كردي، وهو صاحب الملحمة الشعرية مم وزين، ويعتبر أحمد خاني واحداً من كبار الأدباء الذين أنجبتهم الأمة الكردية طوال قرون. ولد أحمد خاني في مدينة بايزيد الواقعة في كردستان تركيا سنة 1651، وتلقى خاني علومه الابتدائية في الكتاتيب والجوامع على أيدي شيوخ زمانه، ثم في المدارس التي كانت متوافرة آنذاك في المدن الكبيرة، مثل تبريز وبدليس، حيث ظهرت فيه علائم النبوغ مبكراً، وهو لم يتجاوز الربيع الرابع عشر من عمره. زار أحمد خاني مدناً كثيرة، مثل إسطنبول ودمشق، كما زار مصر أيضاً، وكان خاني يتقن عدة لغات كالعربية والفارسية والتركية، بالإضافة إلى الكردية لغته الأم. وكانت تلك اللغات هي اللغات السائدة في المنطقة، فانكب خاني عليها جميعاً، وعرف معانيها، ثم التفت إلى الأطفال فوضع قاموسه الكردي/العربي الذي خصهم به، وأسماه (الربيع الجديد للصغار)، وذلك عام (1094هـ - 1682م)، بهدف تسهيل عملية التعلم، وتذليل المصاعب فيها. توفي أحمد خاني في مسقط رأسه بمدينة بايزيد سنة 1707م
شيخموس حسن، جكر خوين:
هو شاعر كردي ولد في عام 1903 في قرية هيسار الكردية القريبة من مدينة ماردين التركية، داخل الإمبراطورية العثمانية آنذاك، والآن هي في جنوب شرق تركيا. في عام 1914، مع بداية الحرب العالمية الأولى؛ أصبح مع أسرته لاجئين حين فروا من بطش الأتراك إلى مدينة عامودا بالقرب من مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا. درس جكر خوين اللاهوت، وأصبح رجل الدين في عام 1921. وفي عام 1946 انتقل إلى القامشلي. وقد اعتقل وسجن في دمشق في عام 1963 لنشاطه السياسي. وفي عام 1969 انتقل إلى كردستان العراق، حيث شارك في قيادة الانتفاضة الكردية من قبل مصطفى البارزاني. وفي عام 1973 ذهب إلى لبنان حيث نشرت له على نطاق واسع من الدعاية مجموعته الشعرية الأولى (من أنا). وفي عام 1976 عاد إلى سوريا، ولكن بعد ثلاث سنوات، وعمره 75 عاماً لجأ إلى السويد، حيث نشر هناك عدة دواوين شعرية، وقد تُرجمت العديد من دواوينه إلى العربية. توفي في السويد سنة 1984، ودفن في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا في باحة منزله.
الشاعر شيركو بيكه س:
ولد في العام 1940 بمدينة السليمانية، وهو نجل الشاعر الكردي الكبير فائق بيكه س الذي كان أحد الشعراء الكرد المشهورين والمناضلين الوطنيين.
انضم إلى الحركة التحررية الكردية في العام 1965، وعمل في إذاعة (صوت كردستان)، كما التحق ثانية بالثورة الكردية عام 1974، وبعد انتكاسة الثورة أبعده النظام البعثي إلى الأنبار، وبقي في ناحية بغدادية ثلاث سنوات. عاش في المنفى من العام 1987 إلى العام 1992، في السويد، ثم عاد إلى كردستان في العام 1991، وانتخب في أغسطس 1992 نائباً في أول برلمان لكردستان العراق. تسلَّم بعدها منصب وزير الثقافة في أول حكومة تشكَّلت في إقليم كردستان.
وقد اختيرت قصيدة له مع نبذة من حياته، حيث تُدرس في كتاب عن الأنطولوجيا في كل من الولايات المتحدة وكندا للمرحلة الأولى من الدراسة المتوسطة منذ العام 1988.
أخذ الشاعر شيركو بيكه س دوراً بارزاً في الأدب الكردي الحديث، وقدم عنصراً جديداً في الشعر الكردي. ترجمت أعمال شيركو بيكه س إلى اللغة العربية والسويدية والدانماركية والهولندية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية. في عام 1987، حصل على جائزة (توشولسكي) لنادي القلم في ستوكهولم، وفي العام نفسه حصل على جائزة الحرية من مدينة فلورنسا.
نشر الشاعر الراحل باللغة الكردية منذ إصدار أول ديوان له عام 1968، أكثر من ثلاثين مجموعة شعرية، وتضم هذه الدواوين القصائد القصيرة والطويلة والنصوص المسرحية والقصص الشعرية.
وفي عام 2001 منح جائزه بيره ميرد للشعر في السليمانية، وحصل في عام 2005 على جائزة العنقاء الذهبية العراقية.
توفي في العام 2014 في السويد.
من الشعر الكردي
من خلال السطور التالية سنحاول تسليط الضوء على قصائد عدة شعراء أكراد، ممن تقع مواطنهم ضمن أراضي الأكراد في سوريا، وهم:
من الشعر الكردي الحديث
حسن حليمة:
من مواليد عامودا 1975، يكتب الشعر باللغة الكردية من بداية التسعينات، يترجم من وإلى الكردية. مؤخراً بدأ العمل بإخراج الأفلام القصيرة في مدينة عامودا شمال شرق سوريا.
أحلام القش اليابس
هكذا، يعبق الريح برائحة خيال الغائبين
أحلام القش اليابس ولون التراب، يمكثان فوق ظل أشباحهم
يؤلمني الطوفان الجاثم فوق الأرض
صراع الطبيعة مع نفسها، توشّحت الجدران به
أغدو عبد صوت دمدمة أقدامهم
أخفي أمر اشتياقي لهم، بسيطرة الغرور علي
وددت الخيبة، لئلا التحق بالغائبين
آن اقترابهم من تذوق طعم هالة قمرهِم
ظهور أشباح بلا لون، تنمو في زوايا الأسلاك الشائكة، تنتظر غيابها..
اصمتوا ما هذا الصوت؟
ليَنَم حبلُ الغياب
هكذا تفقد الخطوات نُبلها، رويداً رويداً
في ماء بريق العيون..
المسافرون والأشباح فيه مارون
يغسلون هيئتهم وخطاياي
أسترق النظر لما حولي، ربما أجدكم
عودوا، لقد اشتقتكم..
أردلان عبدو
من مواليد عامودا 1986، درس المرحلة الابتدائية والإعدادية في عامودا، أنهى دراسة الأعمال في جامعة تشرين في اللاذقية، هاجر إلى فنلندا عام 2011.
يضيف أردلان: «كان لوالدي الأثر الكبير في تقدم كتابتي على المستوى الشعري من خلال تشجيعي على المضي في هذا الطريق». في العام 2010 أصدر هو ومجموعة من أصدقائه كتاباً بعنوان  (Landika Hesta - أرجوحة الأحاسيس).
هذا الصباح
هكذا كادت تسقط أصابعي من يدي
تذكرتُ كل الأشياء التي أسقطتها
أجل، في هذه الجغرافية لو أردت السير في الطريق
ستتعثرُ كثيراً، تُسقِط الكثير من الأشياء
هذا الصباح صوت العاصفة كان يشقُّ مسمع الكون
مثل أغلب الأحيان..
في الوحدة كنتُ أُرمى
أفكر بلا شيء
موجات الأفكار في تصادم
أردتُ كما اعتدتُ القول (هذه المرة لن أنجو)
تساقطتْ الكثير من الأشياء
تفتّحت شفاه الجروح من جديد
مقيدٌ باب الأحلام
كل هذا، واللهاث لفّ الاشتياق، الموت مشدوه يحدق بعينيّ
كأنه يود إخباري بشيء..
لم يحن وقت الاشتياق بعد، وددتُ إخبار الموت بشيء..
لكني نظرتُ إليكِ وقلت: (حُسْنُكِ لم يترك للأشياء حُسناً)
نظر الموت إلينا نحن الإثنين
ابتسم
وغادر
- جوان قادو:
من مواليد عامودا 1980، أنهى دراسته من جامعة دمشق قسم علم النفس، مقيم حالياً في ألمانيا ومتفرغ للكتابة. له مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (Marên Kor) (الأفاعي العمياء)، وأخرى لم تطبع بعد بعنوان: (خلسةً بداخلي أنشدتُ - bi dizî min di Dilê xwe de stira).
يترجم من وإلى الكردية والألمانية:
  1
نقطة دماء تيبست على خرزة
الخرزة التي شدت لخيط فخ
الفخ الذي اصطاد أبي الحناء
2
العصفور الأسود ذو المنقار الأصفر
تهادى على الشجرة
الشجرة التي أسقطت آخر ورقة للخريف
3
الورد لا يعرف مدح نفسه
ولا يعرف الجَفاء
كامل مصدره من البهاء والعبق دون مقابل ينثره حوله
الورد لا يعرف التكبر أو الحقد..
صامتاً في الظل وفي الظلام ينبتْ
الورد لا يعرف النفاق أو الفراق
الورد النابت فوق الجبل تزيّن بكل زينة
عن النفايات والمزابل رفع رأسه
4
في أثرنا خلف الفهم
أضعنا جمال كل الأشياء
يجب أن ننظر لغضبنا وكأننا ننظر لصحراء
وأن ننظر لأنفسنا مثل شجرة وحيدة في منتصف تلك الصحراء
 5
مطلبنا بعد كل خطأ هو أن نَعتَبِر من خطئنا ذاك
لكن هذا بحد ذاته خطأ.. لأنه لولا الخطأ لن نفكر أن نفهم من أخطائنا
من الخطأ تعلموا..
لا يكفي ألا أخطئ لأكون سعيداً.. ما يهم ألا يكون هناك شيء يهمني..
والآن إذا ما كنت أرتكب خطأً
فهو أني أتحدث عن ذاك الخطأ، وحسب..
6
خلسة، على دراجة
أنشدت أغنية بداخلي.. أحببتُ أغنيتي كثيراً
بسرعة تناسيتُ أغنيتي، بذلتُ قصارى جهدي لأتذكرها
لكن عبثاً..
خلسةً..
بداخلي أنشدتُ..
- ريبر يوسف
من مجموعته: حجلاً أعبر الحقل
أمشي في الظلام
اعتدتُ الأمر
أغمض عيني
لأميَّز دمدمة أقدامي
***
أنتَ عاجزٌ عن رؤية الأشياء الصغيرة في المنظار
الأصوات التي تسمعها
تعود لِمَن جاوركَ جلوساً
لا لِمَن يقطن وراء الحدود
***
في غرفتي
قطتنا، تُطارد الذبابة
تحتمي الذبابة بي
لتختلِط خطواتي وخطوات الذبابة
***
لو أني لم أكتب عن أولئك الأطفال في القصيدة تلك..
أكنتِ ستسألين عنهم؟
***
تَصدُق والدتي آن تقول: «إن الشِّعر فراغٌ»
وحدي، ألحَظُ الفَراغ ذاك كثيراً
***
في مكانٍ بعيدٍ من هنا
شخصٌ في غرفة ما
يسكن الطابق السادس
هو يعلم أنك مُنهَمِكٌ بِهِ
واسعةٌ جداً عيناه
***
في القطار تتخبط الجهات كلها
تخال أن الدُّوري الذي حلَّق من خَلف الفتاة
سرقَ شيئاً ما من ذاكِرتك
***
يسير القطار عبر الظلام
سيمكث الظلام حتى بعد مرور القطار
لا يُفسد القطار الظلام
الآن قطار يسير على خاصرتي
الظلام وحده يَسمَعُ صوتهُ..
***
استمع
هذا الصوت ليس ما يسمعه الشجر
عندما يكون وحيداً
استمع
هذا ليس بصوت!!!
***
أنا أيضاً آن يحل الليل
أتغيَّر
تُرى
ماذا يغدو اسمي آنذاك؟
ذو صلة