مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

الشاعر سيف الرحبي لـ(المجلة العربية): الموت في الوطن العربي يغذي نفسه

 
ينسج الشاعر العُماني سيف الرحبي نصوصه بخيوط متعددة، تنسلُّ من مرجعيات مختلفة، تشمل الجغرافيا الشاسعة التي تجول بها، والفضاء البصري السينمائي الذي أثر به منذ صغره، والتاريخ الذي يشغله قراءة وبحثاً.
وبالرغم من انشغال الشاعر العُماني في الصحافة الثقافية، والكتابة، والقراءة؛ إلا أنه لم يغادر منزلةَ الشعر، فهو أحد رواد قصيدة النثر، بيد أن الرحبي في نصوصه الشعرية تحرر من ضوابط النظريات، فهو لا يلتزم بمسبقات معرفية، ويحاول أن يبدأ من كتابة الصفر.
«المجلة العربية» حاورت الرحبي، وفتحت معه ملفات متنوعة في الشعر، والثقافة، والذاكرة، والتاريخ. وفيما يلي نص الحوار:
 
- البدايات هي عتبة التمهيد لدخول عالم سيف الرحبي الشعري؛ فهل لك أن تضيء تلك الفترة المترسبة في الذاكرة البعيدة؟
في هذا السياق كتبتُ أكثر من كتاب، وأكثر من نص، حاولت أن أضيء ما أصبح بعيداً ونائياً، على صعيد الطفولة الأولى. والطفولة في عُمان هي فزيولوجية، حيث ولدتُ في الداخل العُماني تحديداً، في قرية سرور، التابعة لولاية سمائل.
وحتى الكتاب الأخير (شجرة الفرصاد) في سيرة الطفولة والمكان؛ حاولت أن أضيء ما استطعت من تضاريس تلك الفترة، المتعلقة بالطفولة الزمنية العُمرية، والطفولة الثقافية أيضاً، حيث نشأنا في بيئة تقليدية، نمطية قبلياً، ودينياً، وشعرياً، على نمط بيئات عربيّة كثيرة، كان الشعر حاضراً في عُمان، بصورة كبيرة جداً، وهو ربما كان (سيد الكلام)، كما يعبر الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وهو بالمناسبة من أصل عُماني، رحل لاحقاً إلى البصرة، فكان الشعر حاضراً أكثر من فنون القول الأخرى بطبيعة الحال، لم تكن هناك قصة، لم تكن هناك رواية، ولا مسرحية، ولا تلفزيون، ولا شيء، كان هناك فقط الشعر إلى جانب مناحي الحياة الفقهية، والنثرية الدينية.
حاولت أن أضيء خط المعرفة بدءاً من الكتاتيب في القرى حتى العاصمة مسقط، ومطرح في تلك الفترة، والتي أضحت نائية وبعيدة، وضمن ذاك البُعد الواحدي المهيمن، الذي لا يوجد فيه تعدد، على نمط التعبير الثقافي، والديني، والسلوكي، بالتأكيد الواحد يتأثر فيه وهو طفل، وإذا كان عنده هجس بدئي بكتابة، أو شعر، فلا بد أن تكون معطيات ذلك الجو الصارمة  والمسيطرة؛ هي التي تملي عليه هذه القراءة، وتملي عليه هذه الكتابة البِدْئيّة.
ومن هنا كانت كتابة الشعر المقفى والموزون، وهو أبرز ما يمكن معرفياً أن نتكلم عنه، فكانت عُمان تملك إرثاً كلاسيكياً، في هذا المجال، إرث شاسع من الشعراء، منذ قديم الزمان، منذ الستالي وما قبله، وحتى أبي مسلم البهلاني، وهو شاعر كبير، عاش في الشرق الأفريقي، وله قصائد ملحمية وصوفية بالغة الأهمية على صعيد الإنجاز الفني والإبداعي، وأيضاً خالد بن هلال الرحبي، عاش في أفريقيا، وفي شعره تجديد على صعيد الوزن والقافية التقليديتين، بالمعنى النمطي، وهناك شعراء آخرون كعبدالله الخليلي.
وعليه، كانت البيئة التقليدية للشعر العُماني غنية وخصبة، وأيضاً بارتباطها كانت تحضر أسماء شوقي والبارودي، والأسماء التي كانت قارة ومستتبة في الذاكرة العربية أكثر من غيرها، خصوصاً بالنسبة لبلدان لم تشهد تماساً مع مراكز الثقافة العربية في تلك المرحلة مثل عُمان، فلم نكن نعرف إلا نادراً عن المغرب، وسوريا، والعراق، إلا بعض الشعراء المصريين المهيمنة أسماؤهم على الذاكرة الثقافية العُمانية، والعربية، والتي هي انبثاق لهيمنة الذاكرة السياسية أيام جمال عبدالناصر، وصعود القومية العربية.

- كيف تنظر إلى منجزك الشعري، منذ حروفك الأولى، وحتى آخر ما كتبت، هل ترى أن هنالك منعطفات وتحولات في المبنى والمعنى؟
استتباعاً لما سبق، أصدرتُ كتابي (القاهرة وزمن البدايات)، كانت الولادة الثقافية الثانية في القاهرة، لها علاقة بالطفولة والمراهقة والتكوين الأولي، وبخاصة على مستوى الشعر الحديث، والتّماس مع الثقافة العربية الحديثة، والثقافة العالمية أيضاً. وأضأت خلال ذلك الكتاب، وغيره من النصوص؛ تلك الفترة الطلابية، والثقافية، وذلك في إطارها الملتبس في القاهرة.
فيما بعد مع كتابة الشعر الحديث، وهجر القافية والتقليد، نتيجة التأثر بالبيئات الجديدة، في القاهرة، وبلاد الشام، والعراق، والبلدان المغاربية؛ تشكل مركب اللغة الشعريّة والأدبيّة بثقافاته المختلفة، فكان ذلك الولد الذي كنته، في هذا السياق، فكرياً، وسياسياً، وشعرياً.
الكتابات اللاحقة، لها أدواتها التعبيرية، وهي تنضج وتتطور مع الزمن والثقافة والأحداث التي تشكل منعطفات في الحياة العربية، وهي أحداث مع الأسف مأساوية، على الأغلب، وتراجيدية، دمرت النمو الطبيعي للتاريخ العربي، أو صيرورة التاريخ باتجاه الحضارة الحقيقية، والحداثة الحقيقية، فما شهدناه حتى على صعيد الحداثة الأدبية، والشعرية، والفكرية، هي ضرورية كانت وحاسمة، لكن لم نشهده على الجبهة الأخرى، جبهة الإنتاج التكنولوجي، الصناعي، الابتكار العقلاني، فهذه المجالات، كانت أي حداثة حقيقية وصحية، تتضافر في سياقها كمركب حضاري واحد.
في تجربتي الشخصية، الإبداعية والشعرية، من فترة إلى أخرى، ومن كتاب إلى آخر، من مرحلة زمنية إلى أخرى؛ أحاول إنضاج هذا التعبير، دفعهُ إلى أفق أكثر قرباً من ذاتي، مما أريد أن أعبر عنه من الآلام البشرية العاتية، يبقى الخيار الأدبي والجمالي، لا تطرأ عليه انعطافات بالمعنى الجذري، لأن هذا المفهوم فضفاض جداً، لكن تطرأ عليه إنضاجات، كما يطرأ عليه بحث دائم في أعماق الحياة، وكل ما هو جمالي، وكل ما هو إنساني، وأخلاقي أيضاً، أخلاقي معبر عنه بالأداة الأدبية، والشعرية، وليس بأداة الفكر والمقالة.

- أثثت قصيدتك في فترة مبكرة بالبحر، فأنشدت قصيدة حب إلى مطرح، فيما رسخت البيئة الجبلية مكانها في نصوصك، بيد أن الصحراء بقيت مهيمنة فيما تكتب، فكيف تنظر إلى المكان وخصوصيته في تشكيل منجزك الأدبي؟
من ناحية الطفولة والتكوين الأولي بالنسبة لي في (سرور)، وهي تبعد حوالي 70 كيلومتراً عن مسقط؛ كانت أرضاً جبلية، والبحر بعيد عنها، خصوصاً في وسائل تنقل تلك الفترة.
وعندما انتقلنا إلى مطرح، وهي بندر أو قرية، ومجازياً تعد مدينة، ملاصقة لمسقط، والبحر جزء أساسي مكون لهذا المكان؛ حاولت التعبير عنه، فكانت- بالنسبة لي- الحياة على ضفاف هذا البحر، أو قريب منه؛ هي نوع من التغير على صعيد المزاج، والمناخ عن المكان الجبلي، الوعر في الداخل.
حاولت التعبير عن الطبيعة العُمانية بمثلثها الأزلي المخيف: الجبل، والبحر، والصحراء، وربما الصحراء تحضر أكثر، سواء كمسمى، أو مناخ، وجو، ورموز، واستعارات، ولا شعور فردي، وجمعي.
ربما الصحراء هي المرجع اللاشعوري الأقوى ليس في الذاكرة العُمانية، والجزيرة العربية، وإنما في الذاكرة العربية بصورة عامة، لذا، يمكن أن نعتبر الصحراء رمزاً لهذا الشعور الجمعي، في أنحاء الناطقين باللغة العربية، بدرجات متفاوتة، ومن هنا ربما، حضور الصحراء، بشكل أكثر إلحاحاً، من حضور حيوات الطبيعة الأخرى.
عموماً، منذ الصغر تسحرني أنا الصحراء، ففي الطفولة، كنا نسمع عن الربع الخالي، الذي ترك في ذاكرتي هالة من الغموض، والأشباح، والرعب الجواني تجاه هذا المكان الذي لا يبعد عن قريتنا إلا حوالي 150 كيلومتراً، لذلك هنالك علاقة شخصية، أكثر ارتباطاً بالشعر والأدب الذي يصدر عن هذا الوعي الغامض في قراءته للمكان، وأنا أقرأ هذه الطبيعة -أو أحاول- قراءةً وجوديّة روحيّة.

- مؤخراً، عاد نص الرحبي إلى البحر، والمرافئ، فهل هي رغبة في ترحال دائم، أم البحث عن فضاءات جديدة؟
البحث دائماً عن فضاءات جديدة، سواء على صعيد الأمكنة التي تتبدل باستمرار، أو على صعيد البحث في اللغة، والمعرفة؛ دائما هناك هذا الطموح، وهذا البحث، كي لا يتأسن الواحد، ويتخشب في مكان واحد، فهناك دائماً ذلك النزوع للانفلات من أسر المكان الواحد، الذي هو ضيق مهما كان اتساعه، من هنا تأتي الأماكن المتغيرة حافزاً للكتابة، والنضارة، والتجدد كما عبر قديماً أبو تمام.
في ديواني الأخير (بين بحر عُمان، وبحر الصين/ سألقي التحية على قراصنةٍ ينتظرون الإعصار)، فهنالك إلحاح لمسميات البحر، والماء، والخصب، فكأنما هنا حوار، غير معلن عنه، بين جفاف الصحراء المهيمن على المكان، والذاكرة، وبين المياه الغائبة، وبين المطر المنتظر، ربما هذا واقع موجود على صعيد الطقس والمناخ، لكن أيضاً تستطيع أن تأخذ البعد الرمزي في تفسير الأمر بارتباط الجفاف واليباب بالتخلف، والنضوب الحضاري والأخلاقي والروحي، وأن الماء هو رمز انبعاثي، وهو رمز تموزي استخدمه الشعراء التموزيون، وورد في الأساطير القديمة. الماء هنا هو الحلم بالحضارة، والتقدم، والحضور الروحي والأخلاقي للفرد، للشعب، للأمة.

- ثمة مشهدية عالية في نصك الشعري، حوار وشخصيات وأحداث؛ هل أثرت السينما ومشاهداتك البصرية على منجزك الإبداعي؟
هنالك فضاء تعبيري في النص المكتوب تتحاور فيه عدة أشكال لتصل إلى صيغة مدمجة، تشكل هذا النص. ربما ما ذكرت موجود في نصوصي، من الشعر والنثر، والحوار المسرحي، إلى المشهد الحسي ببعدهِ السينمائي، فأنا كشخص متأثر بالسينما منذ الصغر، وكنت مشاهداً جيداً للموجات السينمائية الكبرى، في تاريخ السينما العالمية، الإيطالية تحديداً، تلك الموجة الجمالية والفكرية العظيمة، التي جسدها دسيكا، وفليني، وبازوليني، وأنطونيوني، حتى برتلوتشي، مروراً بسينما العالم بصورة عامة. كنت مشاهداً منذ فترة مبكرة لها، وحتى اليوم، رغم أنه الآن ضعفت سطوة هذه السينما العظيمة، لصالح الاستهلاك التجاري وغيره، ومع ذلك بقيت هناك أسماء ما تزال تنتج أفلاماً جيدة.
وهذا التكوين الحسي، السينمائي، المشهدي، الذي تشكل لدي منذ الصغر؛ أثر في النص الكتابي، لذا تلمس هذا البعد في كتاباتي. وهناك مشهد الطبيعة الملحميّة في عُمان والجزيرة العربية المنفتح على لا نهائية الأزل والغموض.

- القارئ لنصوصك يلحظ أن هنالك سطوة للتاريخ في ثنايا ما تكتب؛ هل ترى أن الشعر، وقصيدة النثر تحديداً، وبما تحملهُ من خصوصية قائمة على التكثيف والإيجاز في بعض المعايير؛ قادرة على هضم وتوظيف التاريخ وحمولاته الثقيلة؟
الكتابة بصورة عامة متورطة بالتاريخ، لا يمكن حتى في الفن الخالص، الصافي، وهي كلمة ملتبسة، إلا وتكون مخترقة بالتاريخ البشري، والمأساوي، على نحو من الأنحاء، وبخاصة نحن في العالم العربي، أمام هذه الأحداث الدموية، الجسيمة، منذ احتلال فلسطين، من قبل الصهيونية والرأسمالية المتوحشة، واقتلاع شعبها، وما تبع ذلك من مآسٍ وتراجيديات، وصولاً إلى المشهد الحالي، في الحرب العدوانية في سوريا، وبلدان عربية أخرى. وفي ظل هذا التوصيف، يكون التورط في التاريخ أكبر، وأعمق. فالكتابة في النهاية مهما كانت فن القول، بالمعنى الجمالي، والرمزي، والاستعاري؛ لابد لها أن تكون مخترقة بالتاريخ، وبالإنساني. وعلى العكس، حين يكون المشهد يجسد الشقاء البشري، على هذا النحو، أنت لست بحاجة إلى استعارات ورموز، كي تعبّر عن هذا المشهد، مشهد الشقاء، والرعب نفسه، يقودك إلى سلسلة من الابتكارات اللاشعورية، على صعيد الأدوات: الاستعارية، والرمزية، والفنية، دون أن تفكر فيها، لأن المشهد الكارثي القائم الآن، يتجاوز المقولات السابقة حول الالتزام السياسي وغيره، إلى أفق أكثر تعبيراً، وعمقاً، عن هذا المشهد القيامي الذي أتمنى أن لا يستمر طويلاً، وأن ينبثق ضوء، في هذا الأفق المعتم.

- يبدو من تجربتك، أن نصوصك متنوعة، في شكلها ومضمونها، كما أنك لا تتقيد باشتراطات الأسلوب، بل تذهب أحياناً نحو التجريب، رغم سمات نصك المعروفة لقارئها؛ فإلى أي مدى يعد هذا دقيقاً؟
أنا أكتب بهذه المجالات كلها، لأن التعبير في النهاية ليس محدوداً بسقف، وقرار، البحث حر على صعيد التعبير الأدبي، تكتب بالشعر، بالنثر، بالنقد الانطباعي، الذي يكتبه شاعر وكاتب، وليس الناقد الأكاديمي والاحترافي التقني.
هذه كلها فضاء للتعبير، عن المعضلة الذاتية، والعربية العامة، والإنسانية الشاملة، يحتويها فضاء التعبير هذا.
أنا ممن يحاول أن يقرأ في حقول، نظرية، وفكرية، وفلسفية، وأدبية مختلفة. لكني لحظة الكتابة، على وجود هذه الرواسب، من المرجعيات القرائية؛ لا ألتزم بمسبقات معرفية، فلا ألتزم تنظيراً، مفهوماً، وأحاول أن أبدأ من كتابة الصفر، لتأخذ مسارها في طرقات، معتمة، مجهولة، وإلى أين تصل؟ لا أعرف، لكن في النهاية ثمة بحث، ثمة نوع من المجازفة، أو المغامرة، يحملها هذا النص، ربما من هنا تأتي تلقائية الكتابة، أكثر من وقوعها في إطار ذهني، مقولب، ويتسم بالبرود، والعقلانية

- لماذا تعود في نصوصك بمختلف أجناسها، من شعر، ونثر، وسرد، ومقالة، إلى استحضار الماضي، ومخزون الذاكرة؛ هل المسألة تتصل بعمر المؤلف وعامل الوقت، أم مجرد حنين إلى ما مضى؟
أعتقد أن العودة إلى الذاكرة تتشكل منذ البداية، لكن مع العمر تزيد الإحالات المرجعية إلى الماضي، ويزيد استفزاز الذاكرة، والذكريات الكامنة والنائمة في الأعماق، لتظهر في سياق التعبير الأدبي، ربما تزيد لكنها هي موجودة منذ البداية، في النهاية الكتابة تحمل الحنين إلى الماضي، والماضي دائماً محفز مهما كانت قسوته، أو جماله، سواء أكان الماضي الشخصي، أم التاريخي، والموروثات، وأيضاً الماضي البشري. فكلما تحدثنا عن شيء ماضٍ تتحفز حيوات مجهولة بالنسبة لنا، لكنها محفزة أدبياً وتعبيرياً وشعرياً، لتتواشج مع الراهن، بمعطياته وحيواته، وتخلق سيرة هذا النص، الذي نكتبه في اللحظة الراهنة.
الكتابة بصورة عامة، في الأدب والفن، مخترقة بالحنين إلى الماضي، بمستويات مختلفة، من ذاتي، وقومي، وبشري، أحياناً نَحُنُّ إلى العصور الحجرية، رسوم الأسلاف الأوائل، في الطفولة البشرية رسوم الكهوف، والجبال. أحد علماء النفس، بعد فرويد، كارل جوستاف يونغ قال: «أحلام الإنسان المعاصر ربما تتعانق مع أحلام إنسان الكهف»، فالكائن البشري به الكثير من الألغاز والغموض، يتواشج إنسان المدينة الحديثة في نيويورك، مع إنسان العصور الأولى، بخيط من المشاعر، أو اللاشعور الجمعي المشترك.

- تستخدم في نصوصك المختلفة، وحتى في حوارنا هذا، اقتباسات من ثقافات شتى، وهذا يطرح سؤالين: الأول حول علاقة المثقف بالقراءة، وتوظيف ما يقرأ فيما ينتج؛ والثاني إن كان ذلك يشير إلى جانب لديك يتعلق بالبحث والتقصي؛ هل تمثل القراءة حالة بحث دائمة لدى الرحبي؟
القراءة بالنسبة لي حجر الأساس بصراحة، الكتابة تأتي لاحقة على القراءة، قراءة مرجعيات مختلفة، كتب مختلفة، بعصور وأزمنة مختلفة، أنت تعيش الراهن لكنك تعيش كل طبقات التاريخ والزمان عبر القراءة، والكتب، التي خلفها الأسلاف المبدعون.
والقراءة كما عبر الأرجنتيني بورخيس، أكثر جمالاً، لأنك تستطيع أن (تقرأ كل ما تريد، لكنك لا تستطيع أن تكتب ما تريد)، الكتابة عصية في هذا السياق، القراءة أكثر مجالاً للحرية، حرية الانتقاء، والاختيار، في زمن الإكراه والتسطيح الذي نعيشه في (الميديا).
بالضرورة، إذا كان الكاتب لا يملك الفضول البحثي، والقرائي، والهاجس الوجودي في القراءة؛ أعتقد أن حصيلة الكتابة تأتي مسطحة، ولا قيمة لها. لكن أيضاً هنا القراءة على أهميتها، في تكوين الكاتب، في مساعدته على مواجهة الزمن، والواقع؛ تبقى أهمية كيفية هضمها، واستثمارها في النص الكتابي، الشخصي، هذه المسألة تُطرح، وفي النهاية القراءة، ليست استعراض عضلات في الكتابة بـ(أنا قارئ كذا)، هنا المهم القناة الهضمية للقراءة مسألة أساسية جداً، في استثمارها لمرجعيات مختلفة لكي تثري، هذا الصوت الشخصي، فبقدر ما هو صدى لقراءات مختلفة، بقدر ما هو نص فردي هاضم ما قرأه، وقادر أن يشق مجراه، الذاتي والخاص، في خضم هذه الإنجازات الإبداعية الكثيرة.

- يلح مؤخراً هاجسُ الموت، على نص الرحبي، ويوشحه بمسحة من السواد؛ فهل أسهمت الحالة العربية الراهنة على ترسيخ هذا القلق؟ وهل ثمة حالة من الثنائية بين المبدع والحزن؟
حالة الموت الجماعي العربي السائدة الآن تغذي هذا الهاجس، لكن في النهاية هنالك استعداد ذاتي، يهيمن ويلح أكثر مقارنة بين كاتب وآخر، ربما هذان العاملان متواشجان، بالنسبة لي شخصياً، وبالنسبة لكتابتي، ودائماً ما أحاول التخفيف من حِدّة هاجس الموت، والفناء، والغياب، بقراءة فلاسفة يعطونك ما يشبه الوصفات الطبية، للتخفيف من ثقل هذا الهاجس، مثل أبيقور الذي لديه الكثير من المقولات في هذا الصدد، مثل قوله مخاطباً الموت: اِعلم أنني قاتلت ضدك/ ضد هجماتك السرية والعلنية/ لكن حين يحين أوان رحيلنا عن هذا العالم/ سنرحل باصقين عليه/ مرددين أنشودة نصر مجيد/ لقد عشنا حياة طيبة.
هذه المقولات تخفف. والموت أيضاً مكمل للحياة، فتخيل أن تعيش زمناً طويلاً، فهذا شيء مرعب أكثر من الموت، فالموت هو نهاية طبيعية وحتمية، وكما يقول ابن حزم في (طوق الحمامة): قال الفراق أخو الموت، قال، لا: الموت أفظعُ من الفراق. فنحنُ في كل الغيابات والفراق في حياتنا، منذ الطفولة، الأهل، العائلة، الأصدقاء، الناس الذين أحببتهم؛ تأتي لحظة الموت فتكون أنت ناضجاً، لكي ترحل، لكن أيضاً كما يعبر التوحيدي (هذه العاجلة محبوبة).

- عملت في الصحافة الثقافية وما زلت، فإلى أي مدى تصح مقولة إن الصحافة تحدُّ من إنتاجية المبدع، أو تقيد قدرته على الإبداع؟
الصحافة اليومية تشغل، لكن بالنسبة لحالتي أنا فالمجلة الفصلية لا تأخذ مني كثيراً، رغم أن مشاكل الصحافة خارج الوقت الذي تبذله، تتعلق بالبيروقراطية، وعلاقتك بالقارئ، والكاتب، فهذه تشغل، وأحياناً تورثك المرارة، لكن في النهاية يستطيع الكاتب الذي حتم عليه قدره العمل في الصحافة، كمورد رزق، أن ينظم وقته، وقت للإبداع، وقت للكتابة خارج العمل الصحفي.
الصحافة ممكن أن تكون عاملاً إيجابياً، قد تثري الكاتب، لاسيما في البدايات، حين تقرب الكاتب من اللغة اليومية في الصحافة، والأحداث اليومية، فتسهم بذلك في تكوين حصيلة أفضل للكتابة.
وأتصور أن هنالك شعراء كثيرين في تاريخنا العربي المعاصر عملوا في الصحافة، واستطاعوا أن يستثمروا المهنة لصالح لغة إبداعية، غير منقطعة مع اليومي.

- ما بين العدد الأول لمجلة نزوى، وصولاً إلى عددها الأخير، تكون المجلة قد أنجزت مسيرة من العطاء؛ كيف تقيمها، وهل استطاعت المجلة أن تحقق أهدافها الثقافية؟
إذا حققت المجلة مسيرة من العطاء، هذا يعني أن الجهد الذي بذلناه، لم يذهب سدى، وهذا شيء يريحنا نوعاً ما. ومن الطبيعي أن مجلة في أجوائنا، انطلاقاً من الجو العُماني، وإن كانت ذات فضاء عربي وعالمي عبر الترجمة؛ تُحَمِّلكَ عبئاً إضافياً، بمعنى أن مجلة تصدرها في فرنسا، أو لبنان، أو مصر، أو العراق، أو سوريا، أو الجزائر؛ أقل مسؤولية؛ لأن تلك الأماكن شهدت تأسيس مجلات منذ ثلاثينات القرن الماضي.
في عُمان، ومناطق أخرى من الجزيرة العربية، لم تحرث الأرض جيداً، فيأتي ارتطامها الطبيعي والحتمي بقيم قارة وثابتة في الثقافة والتصور والسلوك، فهنا يكمن عبء إضافي، وأتصور أن العمل ضمن هذا المناخ يحتاج جهداً أكبر، وأتمنى بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة للمجلة، أن تكون قد أدت دوراً ما، محلياً، وعربياً.

- بحكم عملك في نزوى رئيس تحرير، فقد راجعت وقرأت النتاج الأدبي لعدة أجيال عُمانية؛ فما هي توجهات هذه الأعمال في الشعر والسرد؟
هنالك تقلص للتصور التقليدي الضيق للكتابة، ولا أعني هنا (القديم)، لصالح فضاء أكثر رحابة، فمنذ أواخر الثمانينات، والتسعينات، صارت هنالك أصوات جديدة تنشأ في الشعر، تواكب إنجازات الشعر العربي المعاصر، وهذا تمثل أيضاً في أصوات أخرى في الرواية، والنقد الأدبي والأكاديمي.
وهنالك محاولات بحث من قبل شباب في الجامعة، والمؤسسة الأكاديمية، تحاول أن تواكب النتاج العُماني نقداً، وأرشفةً، ومتابعة. ففي فكل فنون القول الحديثة في عُمان؛ تستطيع بعد البحث أن تجد نتاجاً تمسك به، بحثاً، نقداً، قراءة، وهذا كله يدل على ثراء المشهد الثقافي في عُمان، وأنه يتطور.

- وأنت المُحب للموسيقى، المستمع لها، كيف تنظر إلى دار الأوبرا السلطانية؟
الموسيقى بالنسبة لي مثل القراءة في الأدب والفلسفة، هي معين روحي، متجدد، ولا ينضب. ومن هنا تأتي الأهمية لشخص مثلي محب لهذا الحقل الفني الخلاق، أن أسعد بمؤسسة، عالمية مثل الأوبرا. وأتمنى أن تنشِئ معهداً للموسيقي، يتعلم فيه عُمانيون وغيرهم، فن الموسيقى بالمعنى الأكاديمي، فتكون المؤسسة قد أدت دوراً أكبر في هذا السياق، وأنشأت أجيالاً أيضاً وليس فقط مجرد مستقبلة لصنوف الموسيقى المبدعة في العالم، هذا يمكن أن يكمل دورها.

- شاركت من قبل في أمسيات شعرية في الخليج، ومن ضمنها في المملكة العربية السعودية، فكيف تقيم تفاعل الجمهور وتجاوبه؟
منذ زمن بعيد لدي صلات بالجو الثقافي والصحفي بالمملكة العربية السعودية، أتذكر أنني راسلت كثيراً من الصحافة السعودية من الرياض لليمامة، بالإضافة إلى المجلات التي راسلتها عندما كنت أعيش خارج عُمان، فمنذ تلك الفترة المبكرة بدأت علاقتي بالأوساط الثقافية والصحفية في السعودية، والأكاديمية أيضاً، مطلعاً على إنتاجها، والكثير منهم أصدقاء على الصعيد الشخصي.
الجو الثقافي في السعودية الذي نتحدث عنه منذ زمن، وهو يتسع، ويثري، ويضيف للثقافة، ليس في الخليج، وإنما في العالم العربي بصورة عامة، سواء على الصعيد النقدي، والروائي، والشعري.
حقول المعرفة والثقافة عموماً في السعودية لا تفتأ تتطور، وتعزز حضورها أكثر في مشهد الثقافة العربية.
المُفاجئ في زياراتنا الكثيرة والمتعددة إلى الرياض، وجدة، اتساع دائرة القراء السعوديين، ومتابعتهم لمختلف الكتاب والمثقفين العرب، وغير العرب، وقلما تجد في بلد عربي هذه المتابعة القرائية، وأحياناً يذكرونك بقصائد وكتب وأشياء أنت نفسك الكاتب تكون قد نسيتها، متابعتهم دقيقة وجادة.
في هذا السياق، أذكر مرة كرمت في الإثنينية- جدة، ففوجئت بذلك الاحتفال الكبير الذي حضرهُ أدباء، وكتاب، وأكاديميون، والدراسات التي ألقيت من قبل أناس لا أعرفهم، وليسوا من الأصدقاء الذين نرتبط معهم بصلات ما، وإنما هم دارسون، وأكاديميون، قدموا دراسات وبحوث، بالغة الأهمية، وهذا دليل على جدية الجو الثقافي ومتابعته المستمرة.

- كيف تقيم التفاعل بين مثقفي الخليج، هل ثمة تواصل، أم أن الحال لا يختلف كثيراً عن الحالة العربية؟
لا اختلاف في الحالة العربية، كما يقول نزار قباني (كلنا في الهم شرق). في الخليج العربي هنالك تواصلات فردية، وبخاصة في ظل انتشار الإنترنت والتواصل الإلكتروني، يوجد تواصل أفضل، لكن على الصعيد المؤسسي، أعتقد أن هنالك تقصيراً كبيراً. وهذا الحضور المشترك يقتصر على حضور رسمي، وديكوري بسيط، إذ يجب أن يتعمق حضور الثقافة أكثر، والمثقفون الحقيقيون أكثر، وكذلك في مجالات الفن والمسرح، يجب أن يكون الحضور أكثر جدية.

- ما تقييمك للصوت النسائي للمرأة الخليجية؟
الصوت النسائي لمبدعات في الجزيرة العربية حاضر كثيراً مثل الرجال، وأكثر، ونحن منذ بداياتنا الإبداعية هنالك سيدات عظيمات يكتبن، ظبية خميس، ميسون صقر، حمدة خميس، فوزية رشيد، فوزية أبو خالد، رجاء عالي، ليلى العثمان، سعديّة مفرح، نجوم الغانم. وفي عُمان تجد أسماء كثيرة: عائشة الدرمكي، عائشة السيفي، هدى الجهوري، سعيدة بنت خاطر، الدكتورة فاطمة الشيدي. وفي السعودية هنالك العشرات أيضاً.
الصوت الإبداعي الثقافي من الأستاذة الجامعية الناقدة، إلى الشعر، إلى الأدب، إلى السينما، والرواية؛ حاضر بإلحاح وبشيء من الكثافة.
وإلى اليمن، هنالك سيدات يكتبن بشكل ممتاز بكل حقول الإبداع، والثقافة، والنشاط الحقوقي والإنساني، أتصور أن هذه المسألة أصبحت من البداهة في مكان.
 
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة