شغف به المغني المصري بعد انتشاره أولاً بالعراق، وقبل غنائه الأدوار والموشحات، كذلك كان تمهيداً في الوصلات الغنائية التي كانت تضم موشحات ومقاطع موسيقية ثم دوراً تختتم به الوصلة، يوضح د.سمير الجمال أن غرض الموال السلطنة وإظهار براعة المغني في الارتجال، حيث يحاك غناء على النغمة التي وضعت للوصلة، كما كان يصلح في هيئة لحنية يختص بها مذهب منفرد في الغناء تستهل به الألحان تمهيداً للدخول في جنس نغم الدور. كلماته أزجال تعتمد على ألوان البديع كالاستعارة والطباق والتورية، يذكر قسطنطين رزق في كتابه (الموسيقى الشرقية والغناء العربي) أن (المواليا) كلمة فارسية معناها (يا سادة)، و(المواليا) أفضل من الشعر، لأنها الأقرب تناولاً للمعاني، وهي أشبه بالأفرنجي، من حيث عدد الشطرات، وتفوقه لما بين أجزائها من الارتباط، وما تجري عليه من التناسب وسمو الخيال ورائع الجمال. والموال طبقاً للباحث التونسي محمد بو ذينة في كتابه (الموال في الغناء العربي) منظومة على غرار الموشح المخمس، ينطوي تحتها الغزل وذكر ابنة الكرم ووصف المعشوقة الحوراء العينين إلى آخر الأوصاف الرائعة والأغراض السامية والتصورات المغرية والطرائق الشرقية التي جرى عليها أساتذة الفن من أسلافنا النوابغ، مما يعذب وروده على الأسماع ويطلق نفس المطرب من عقال السأم. ومنه (المربع) الذي يتألف من أربع شطرات، ومنه (المخمس) أو (الأعرج) من خمس شطرات الموال، أما الموال (المرصع) فيتألف من ست شطرات، ويتكون الموال (النعماني) من سبع شطرات. أما من ناحية اللحن والأداء فالموال عند الناقد والموسيقار محمد قابيل استعراض لما يلم به الملحن من مقامات وتظهر في الانتقالات اللحنية في الموال، ويؤدى بارتجال ليظهر القدرات الصوتية للمطرب. ومن التقاليد في الغناء العربي أن يبدأ المطرب غناءه بموال، وأحياناً يختار مواقع أخرى من لحن الأغنية الكلاسيكية ويؤدي مواله، ويوجد في تراثنا الغنائي عدد كبير من المواويل المستقلة المسجلة، منها 17 موالاً لمحمد عبدالوهاب مثل: (أشكي لمين الهوى)– (اللي انكتب ع الجبين)– (سبع سواقي). ولعل أكثر الأنواع شيوعاً (الأعرج). وللموال أكثر من شكل، فهناك (الوصفي) لحدث أو حالة، وموال (التتر) الذي يستخدم مقدمةً لمسلسل إذاعي أو تليفزيوني (4)، أما الموال (الأحمر) فيروي حكاية بطلها حبيب وحبيبة، أو رجل وصديقه، ويمكن أن يتعرض هذا اللون من المواويل إلى قصص الخيانة أيضاً، ومن أمثلته: (اللي الخيانة في دمه ما يصونش يوم غالي، بالرخص يوم يشتري لو باع يبيع غالي)، أما الموال الأخضر فهو موال يغنى في الأفراح والمناسبات السعيدة ليشيع جواً من البهجة والسعادة. وجاء في الموسوعة العربية السورية للباحث حسني الحريري أن موال (الواو) تبدأ أبياته كلها بحرف الواو. وقد يحتوي الموال على أكثر من مقطع على نفس النظم المفرد: ثلاثي– خماسي– سباعي، أي 3 أو 5 أو 7 شطرات أو الزوجي: رباعي– سداسي– ثماني ، أي 4 أو 6 أو 8 شطرات، وتتنوع القوافي، بحيث تكسر رتابة القافية الواحدة، ويمكن أن تختلف القافية داخل المقطع الواحد، كما يمكن تكرار قافية بعينها في نهاية كل مقطع، إما مشابهة لختام المقطع الأول أو مختلفة عنه. ومن الناحية الشعرية فالموال غناء بالعامية يستخدم اللغة الدارجة الواردة في ألوان المقابلة اللفظية كالجناس والطباق والصور البلاغية القوية كالتورية. يتألف الموال الرباعي (المربع) من أربع شطرات يدخلها الجناس اللفظي، وقد تتحد قوافيها جميعاً مثل:
وحق يا بدر.. تغريبك وتغريبي.. لا تتبع النفس تغري بك وتغري بي..
خلي المقادير تجري بك وتجري بي.. وتنظر الناس تجريبك وتجريبي..
الموال المخمس (الأعرج)، ويتألف من خمس شطرات، يدخلها الجناس اللفظي، الأشطر الثلاثة الأولى بقافية واحدة، وتختلف قافية الشطر الرابع، ثم يختم بشطر أخير من جنس القافية الثلاثية الأولى، وهو أكثر المواويل استخداماً، ونموذجه:
ما حد زيي على خله إن ضنى حاله
والحب الآخر على ربنا حاله
يا أهل المودة انظروا اللي انمحى حاله
أنا عملت ايه اتجازى بدا كله
الله يجازى قليل الأصل بأفعاله
أما الموال النعماني فيتألف من سبعة أشطر، تتحد قافية الأشطر الثلاثة الأولى، وتتحد أيضاً في قافية أخرى الأشطر الثلاثة التي تليها، ثم يختم الموال بشطر أخير من قافية الأشطر الثلاثة الأولى، ونموذجه:
الحب من الحب خذ مني على خاطره
وفصلت أراضيه واتعطف أنا بخاطره
تيه يا رشا بالجمال اللي أنت أهل له
وارحم متيم من أجلك فات أهلاً له
يفرح وينسر لما تقول أهلاً له
يا حب واصل ولا تسمع كلام واصل
خلي العذول يقول: آه لان له
وغناء الموال فن قائم بذاته، يحتاج إلى دراسة عميقة، ودراية بعالم المقامات، وإلى قدرات صوتية تطريبية كبيرة، فكان بالنسبة للمطرب مرآة لمعاناة الروح بوجهيها القائم والمضيء. ويتميز الموال عامة بأن ينظم في وزن البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن)، ونادراً ما تخلو مناسبة دون أداء المغني لموال قصصي، مثال: أدهم الشرقاوي، حسن ونعيمة، وشفيقة ومتولي، بهية وياسين، وموال الطير.. وغيرها، ويختلف الموال القصصي بطول عدد أبياته يصل أحياناً إلى 400 بيت، والفنانون المحترفون هم أشهر من يحفظون هذا النوع من المواويل، وغالباً ما يصاحب غناء الموال القصصي الموسيقى كعنصر أساس لبنائه، تعبيراً لمختلف المواقف التي تعكس الصورة العامة التي يرسمها الموال. ويصاحب الموال القصصي آلة فردية كالناي، أو الكولة، أو الأرغول، أو المزمار. ولم تكن للمصاحبة أهمية في أداء الموال، وإنما كانت تستخدم فقط تمهيداً لطبقة المقام. وكان العازف يستهل الموال بمقطوعة موسيقية تعرف باسم (الدولاب)، وتقوم بعزفها مجموعة آلات التخت، إذا ما كان مصاحباً للمطرب. ثم تبدأ آلة منفردة بمصاحبة المغني، تترجم ما يؤديه وترافقه، والآلة عادة ما تكون القانون أو العود، تنضم باقي الآلات إليها في اللزمات الموسيقية. كان التخت في بداية ظهوره يضم أربع آلات: العود، القانون، الناي، والإيقاع. أضيف إليه آلة الكمان. يؤكد د.محمد عمران أن الموال كان بداية كل مطرب، بدءاً من جيل الشيخ المسلوب وعبده الحامولي ومحمد عثمان، ثم الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي فصالح عبدالحي- فتحية أحمد- عباس البليدي- عبدالغني السيد- فريد الأطرش- إبراهيم حمودة- كارم محمود- محمد قنديل. وكان المطرب يتوسط فرقته الموسيقية (التخت)، بإشارة منه يعزف القانونجي تقاسيم مقامية يختارها المطرب للبدء في الليالي والموال، وعندما يتسلطن المطرب يقف ليبدأ غناءه بأداء بعض الليالي، ومنه ينتقل إلى الموال. والموال غناء فردى حر لا يتقيد بأزمنة وإيقاعات، وإن بدأ المطرب غناءه بمقام موسيقي فإنه يتفنن في التنقل إلى مقامات أخرى بطريقة تمكنه من العودة إلى المقام الذي بدأ به، ولأن الأصل في الموال هو الارتجال النغمي فإن الموال قد يغنى بلا مقامات ولا يشترط غناؤه من نفس المقام كل مرة. وتتنوع أغراض الموال، أما (الليالي) فنوع من الموال يغنى فقط بكلمة (ياليل) أو (يا عين)، ليس الغرض منها التغني بالكلمات بل الطرب كاستعراض ارتجالي فوري لإمكانات المطرب الصوتية وحسه النغمي ومعرفته بالمقامات وانتقالاته بينها. طور المصريون الموال فخففوا قواعد نظمه بالاكتفاء بالجناس الناقص بدلاً من التقيد بالجناس التام، وتبديلاً جوهرياً في بنية الموال بإضافة شطرة خامسة إليه من قافية مختلفة عن الشطرات الأربع الأخرى وسموها العرجة، بهدف الخروج عن القافية الأصلية، وفي الموال الخماسي تسمى الشطرات الثلاث الأولى البادية أو المطلع وتسمى الشطرة الرابعة السند أو الردفة أو العرجة بينما تسمى الشطرة الأخيرة باسم القفلة أو الطاقية، كان لإضافة الشطرة الخامسة للموال الخماسي المصري دور كبير في تطور فن الموال ككل سواء في مصر أو خارجها، فقد ظهر الموال السداسي بجعل القافية الرديفة تتكون من شطرتين بدلاً من واحدة أو بجعلها شطرة واحدة بينما تكون الشطرات الخمس الأخرى من قافية واحدة. ولد الموال السباعي في مصر أولاً بتطوير الموالين الخماسي والسداسي، ثم انتقل في رحلة معاكسة للعراق فازدهر هناك وسمي بالزهيري نسبة للملا جادر الزهيري شيخ الناظمين في ق 12 هـ. ينقسم الموال السباعي المصري عدة أقسام:
1 - الموال السباعي الأعرج
2 - الموال السباعي الأعرج المضاعف.
3 - الموال السباعي أو النعماني، ويعتمد على تقنية الإتيان بكلمات ومعانٍ مختلفة (التزهير)، أما الموال الثماني المصري فيأتي بضم ثماني شطرات بقافيتين متداخلتين، ومثله التساعي الذي غالباً ما يأتي على شكل رباعيتين ثم غطاء يتبع الرباعية الثانية، ومن حيث الأغراض فالموال المصري ينقسم بطريقة أخرى مهما اختلفت شطراته، وهى:
1 - الموال الأبيض: ما لا يحوي أية صفة أدبية أو فنية من تجنيس أو غيره.
2 - الموال الأخضر: موال غزلي عامة إضافة لموالات البوح والحنين والعتاب.
3 - الموال الأحمر: موال السياسي في رؤية الرافعي إضافة للشكوى من ضياع القيم عند د.نبيلة إبراهيم. ينقسم غنائياً: مقدمة موسيقية – الليالي (ياليل يا عين)– الفواصل الموسيقية المنفردة– غناء الموال– الختام. منذ القرن 19م اعتادوا بدء الوصلات الغنائية بغناء الموال لتركيز المقام الذي تغنى منه الوصلة، وبرع في ذلك عبده الحامولي وصالح عبدالحي، وفي أوائل ق 20 م طرأ على فن الموال بعض التطور، فظهرت أشكال جديدة منه مثل الموال الموقع أي بمصاحبة إيقاع مرتجل وغير مرتجل. وإذا كان الجناح الأرستقراطي قد فتح وعيه في مصر على الموسيقات الأجنبية وعالمها الواسع بما طور ذوقه ونقحه بكثير من الروافد الإيجابية الخلاقة فإن الجناح الشعبي قد ربطه بالتراث القومي فتشربه بتروٍ، مثل كثير من عمالقة تطوير الموسيقى وإثرائها بروافد الغناء الديني الصوفي أمثال أمين المهدي عازف العود الأول في زمنه، والشيخ درويش الحريري أقوى مبدعي التلحين العصري النابع من أصول دينية، والشيخ علي محمود المبتهل الأعظم الذي يعتبره الدارسون أهم الروافد المؤثرة في الغناء الحديث، فمن عباءته خرج الغناء الحديث يطرق سككاً ومقامات غير مسبوقة، وفتحت إبداعات عبدالوهاب في فن الموال الباب لزيادة وانتشار أعداد محترفي أداء الموال، فحظي بقدر كبير من الاهتمام، فأثريت جمله وأفكاره اللحنية كما اصطحبوا في أدائه الآلات الموسيقية الشعبية المتنوعة، وأصبح للموال عند المحترفين مجالات للتجويد تظهر قدرات المغني الصوتية والموسيقية من ناحية، ومن ناحية أخرى أصبحت هذه الإمكانات تقدر وتطرب للبراعات التي تتم فيه، ومن ثم فقد اتسعت المجالات والمواقف التي يؤدى فيها الموال، فصرنا نجده لا يؤدى كفقرة مستقلة فحسب، وإنما أصبح من الصور الشائعة الآن لأداء الأغنية أن يسبقها المغني بموال، وأن ينتقل لأداء الموال أثناء أداء الأغنية.
ملوك الموال
ظل الموال مرتجلاً إلى أن جاء محمد عبدالوهاب الذي لم يكتف بتلحين الموال، بل لحن أيضاً الليالي. ولا ينكر أحد فن الموال في عهد عبدالوهاب الذي كان سيد المطربين جميعاً في هذا اللون من الغناء.. فقد كان أكثرهم إبداعاً فيه تلحيناً وأداء وصوتاً. أدخل عبدالوهاب على قالب الموال (الارتجال المقيد) أي المحكم، مما ألزم كل من يؤديه بالتقيد بما هو محدد في السياق اللحني والمقام المحدد، ولا يندرج هذا النوع من الموال تحت مسمى (الموال المرتجل). ومن بين ما غنى محمد عبدالوهاب من مواويل: كل اللي حب اتنصف، واللي انكتب على الجبين، وفي البحر لما فتكم في البر فتوني، وأمانة يا ليل تقول للفجر يستنى، واشكي لمين الهوى والكل عزالي، وسبع سواقي بتنعي.. إلى موال (لك يا زمان العجب) إلى آخر تلك السلسلة الذهبية من مواويله التي لم يسبق لها مثيل، ولم يجيء بعدها ما ينافسها. واشتهر المطرب صالح عبدالحي بموال كان يؤديه في الثلاثينات والأربعينات في إذاعاته الأسبوعية، وكان في كل مرة يتصرف في لحن الموال مع نقله من مقام لآخر، تقول كلمات هذا الموال:
فيك ناس يا ليل يشكو لك مواجعهم
بالله يا ليل ما تبقاش تواجعهم
جريت يا ليل على الخدين مدامعهم
باتوا سهارى بطول الليل نواحين
من خوف يا ليل لا يطول المدى معهم
كان ومازال الموال الخماسي مفضلاً عند المطربين، ولعل آخر مطربيه محمد عبدالمطلب، حيث كان صوته في شبابه سليم المقامات واسع المساحة قوياً. فكان الموال لعبته المفضلة لتمتعه بطول النفس، يقول الناقد الفني الراحل كمال النجمي: (عبد المطلب كان بلا جدال من ملوك الموال، فلم يعد بين المطربين الجدد ملك ولا أمير ولا وزير، ولا حتى عمدة أو خفير..). ورغم أن الموال غناء رجالي تفردت بغنائه منيرة المهدية تقليداً للرجال. وممن اشتهر بغناء الموال الشعبي، وبرع فيه: محمد الكحلاوي، محمد العزبي، محمد رشدي، شفيق جلال، خضرة محمد خضر، محمد طه، بدرية السيد (بدارة)، متقال قناوي، أحمد عدوية، ومن مشاهير المغنين في الوطن العربي: وديع الصافي الذي اشتهر بمدرسته الغنائية، صباح فخري، لطفي بوشناق، ناظم الغزالي. يرتبط الموال الآن بالغناء الشعبي كفن أصيل. أما اختفاؤه من الغناء التقليدي فيعود لصعوبة أدائه، وعدم تنمية قدرات الدارسين له بالمعاهد والمؤسسات الموسيقية.
يبقى أن نؤكد أن الموال مازال بحاجة إلى مزيد من الجهد والدرس الجاد الذي يكشف عن تلك العلاقة بين الشكل الشعري بالموال وبين هذا الشكل الغنائي المعروف بنفس الاسم. وهناك لون من الموسيقي تؤدى على الآلات الموسيقية أداء منفرداً، يعرف بالتقاسيم يعتمد بناؤه الموسيقي على الخصائص التي يعتمد عليها البناء الموسيقي للموال، فهل إذا ما صاحبت هذه التقاسيم الألفاظ والعبارات تغير اسمها وأصبحت موالاً؟ الأمر يحتاج دراسة أخرى.