يعكس فولكلور صعيد مصر مفاهيم مجتمعية لها مضمون درامي ضارب في عمق الثقافة الشعبية، فالبطل الشعبي (ابن النيل) يكون دوماً في مواجهة (التحدي) لتحقيق الانتصار للذات وللجماعة في آن. وكل جماعة من قرية أو مركز لها (ممثلها) وبانتصاره يكون التتويج لاستحقاقها هذا النصر.
تعد لعبة التحطيب إحدى (الظواهر) الشعبية في صعيد مصر، فهي جزء أساس من تقاليد الريف المصري، وإحدى المهارات التي يتعلمها الشاب في الصعيد. كما يمثل هذا (السامر الشعبي) جانباً جوهرياً من (فولكلور) ذلك المجتمع العاكس لعاداته وتقاليده وفنونه وآدابه. وللتحطيب مضمون درامي كثيراً ما يتم استحضاره من السير الشعبية كـ(السيرة الهلالية)، يعلي من شأن البطولات الشعبية ومظاهر الفروسية، وارتباطهما في الوجدان الشعبي بالخير والفتوة والشجاعة والشهامة.
فـ(أيقونة الفارس الممسك بالسيف) فوق حصانه تمثل عنصراً فكرياً وفنياً من عناصر موضوعات التراث والمأثور. فللحصان الحلاوة في المولد عند الأولاد شهرة عروسة المولد عند الفتيات. والوشم أيضاً لا يخلو من صور الفرسان فوق الحصان، كـ(أبي زيد الهلالي)، و(الزناتي خليفة)، وغيرهما من أبطال الملاحم الشعبية. أما الأدب الملحمي والمأثورات الشفاهية فإنهما يعمران بألوان التخيل باستخدام عنصر الحصان الملاصق، والملازم لمفهوم الفروسية.
وتتباين رقصة أو لعبة التحطيب من محافظة صعيدية لأخرى، بل داخل المحافظة نفسها. ويبرع ويجتهد اللاعبون (للانتصار) لمحافظتهم، باعتبارها (بلد التحطيب الأولى). فطابع الحركات الفولكلورية الاستعراضية بالعصا في المنيا وأسيوط يأخذ سمة السرعة، والتداخل العميق. أما التحطيب في المراكز داخل المحافظة الواحدة فيختلف في قوة اللعبة تبعاً لقربها أو بعدها من الجبل. فكلما بعد المركز عن نهر ووادي النيل، وقرب إلى الجبل اتسم بالعنف نظراً لقسوة الجبل، وشظف العيش فيه. وبينما يكاد يكون التحطيب عاملاً مشتركاً بين محافظات الصعيد. لكن اللعب، والرقص بالعصا تشتهر بها عائلة (النزاوية) في محافظة سوهاج. حتى سميت الرقصة باسم رقصة (النزاوي).
وتنعقد أهم حلقات التحطيب في الموالد الكبيرة بصعيد مصر.. كمولد سيدي (عبدالرحيم)، وسيدنا (العارف بالله)، وسيدنا (أبي العباس)، وسيدي (الحجاج). ويقوم لاعبو المحافظة التي ينعقد فيها المولد بدعوة لاعبي المحافظات الأخرى، فيجتمعون. ويعلن، لمدة أسبوع أو اثنين، عن (رفع العصاية من بعد العصر حتى المغرب).
وعصا التحطيب هي عنصر أساس في هذا الفولكلور. وكان الراقصون قديماً يستخدمون (الشومة الغليظة) (العصا الغشيمة أو شوم محلب، أي شومة مكسورة بالقوة من شجر الدوم). لكنها لم تعد مستخدمة الآن كونها تسبب ضرراً. ويستخدمون بدلاً منها عصا من الخيزران (يبلغ طولها ما بين 160-180 سم). أما الإمساك بها فيختلف من شخص لآخر. فالبعض يترك نحو قبضتي يد من طرفها كي يستطيع التحكم بها. وهناك من يمسكها باليدين من أحد طرفيها، ويقبض الكفان على العصا إحداهما فوق الأخرى. أو قد تمسك العصا باليدين من طرفيها. وعند قيامه بصد هجوم من خصمه؛ فيكون ممسكاً بها بعد قبضتي يد من طرفيها الأيمن. أما اليد اليسرى فتكون ممسكة بالعصا على مسافة تسمح له بالتحكم فيها (أوسع من مسافة الكتف قليلاً).
وتبعاً للمناسبة، ودوافع وظروف التجمع، ووجود فرقة موسيقية يطرأ تعديل وتنوع في شكل الفرجة، والعرض الفولكلوري. ففي الاحتفالات والأعراس يكون الطابع الاستعراضي هو الغالب تعبيراً عن السعادة والبهجة بالمولد أو العرس. وثمة دوافع للتجمع متعددة: تجمع عشوائي أو مفاجئ أو أسري على سبيل التسلية. أو ربما تحدياً بين صديقين. فهي تجمعات غير منتظمة مسبقاً، ويكون (الطابع الصراعي) فيها هو الأغلب. أما في حالة وجود فرقة موسيقية ينصب السامر الشعبي ليؤثر في بعض اللحظات المهمة، مثل فتح الباب. وكذلك تؤثر الموسيقى في الحركات نفسها، فتأخذ الطابع الاستعراضي.
ويبقى أن اللعب بالعصا كصورة من صور التعبير الشعبي له أصول قديمة عميقة منذ مصر الفرعونية، إلى يومنا هذا. فكرياضة للشجعان ظهرت هذه المبارزة بالعصي، و(انتشرت بين طبقات شعبية، بين الفلاحين في الريف البحري والقبلي وأنشئت لها مدارس لتعليم فن المبارزة، ثم مارستها الطبقات العليا في صورة مبارزة بالسيف). ولو أن (هيرودت) لم يسجل كتاباته إشارات لحوادث مؤسفة (قاتلة) نتيجة تلك المباريات التي كانت أشبه بمعارك غايتها النيل من الخصم بإصابته بضربات مؤثرة أو غير مؤثرة.
أما التحطيب الحالي فتعدل شكله، بتغير وظائفه. فله بالأساس وظيفة ترفيهية وترويحية واحتفالية فلكورية. لكن يبقى علامة على الفتوة، وسمة للتحلي بالقوة في الدفاع عن النفس. ففي محافظة أسيوط يبدأ التحطيب بالسلام. ثم يقول اللاعب: (ساه أي: ابدأ). ثم يلفان ثلاث أو أربع لفات، وبعد ذلك يلتحمان. وعندما يجد الجمهور أن أحد اللاعبين قد فتح أكثر من باب، وأنه أرهق يدخل لاعب آخر ويقول (ساه أو سو) أي: هات العصا. ويتوافق اللاعبان مع ضربة العصا الأولى، ثم يستمر التحطيب (ارتجالياً) ويتسم بالقدرة الفردية والمرونة والإبداع في ابتكار الضربات. كما لا تغيب عنه صفتي الثقة والخبرة. وهذا الفلكلور يحترم التقاليد المختلفة للجماعة، فالكبير يبدأ اللعب، ولا يجب التكبر عليه في أثناء اللعب لأن الكبير أكثر خبرة.
فبعد التحية.. هناك حركات استعراضية (يتفق اللاعبان على طولها أو قصرها لإمتاع الجمهور)، ثم جوهر اللعبة في حركات الرش، وفتح الباب. وقد يدخل اللاعب مباشرة في التحام مع الآخر ليفتح الباب. وليس الهدف من اللعب هو العنف، بل الإمتاع. لذا فتعادل اللاعبين هو أفضل خيار.
ويكون للمجموعة الموجودة من اللاعبين، والأصدقاء حول الدائرة دور (وقائي/ تأميني) مهم. فعندما تتأجج حماسة اللاعبين، ويدخلان في (مشاحنة حقيقية) قد تؤدي لأذى أحدهما أو كلاهما. عندئذٍ يتدخل هؤلاء ويأخذون العصا (بكلمة سو) ليوقفوا المشاحنة. وإلا فسينقلب اللعب إلى مبارزة حقيقة.
البرجاس.. التحطيب من فوق ظهور الخيل
التحطيب من فوق ظهور الخيل (الأصيلة المدربة على أداء الرقصات على أنغام المزمار) مازال محتفظاً بكيانه حتى الآن في صعيد مصر (كما في الدلتا). ويعتبر إحدى ثمرات (التزاوج الفولكلوري) بين ثقافة البدو (الخيل ورقصاته) وثقافة الصعيد (التحطيب). وكثيراً ما تقام حلقات لرقص الخيل، والتحطيب ابتهاجاً بالاحتفالات الدينية، أو بذكرى مولد من الموالد، أو للاحتفال بجني المحصول، بإقامة زفة عرس. حيث تقام حلبة الرقص والتحطيب في مكان متسع. وعلى أنغام المزمار البلدي أو الصعيدي يتبارى الفرسان والخيالة في إظهار مهارتهم في استخدام العصا مع المرونة، والليونة، والتوافق الموسيقي. ويتفننون في أساليب الكر، والفر، والنزال. كما يعتمد ذلك على ذكاء الفارس، مدى تمكنه من حصانه، والسيطرة عليه، وتفاهمه معه.
وطريقة التفاهم مع الخيل وقيادتها تشمل الاستعانة بالأرجل في الضغط على الحصان في أماكن مدرب عليها لتغيير خطواته. وكذلك طريقة شد، إرخاء اللجام، وكذلك جلوس الفارس على الحصان، وتغيير مركز ثقل جسمه عليه.
وعلى الجانب الآخر تتضح مدى طاعة الحصان لفارسه في تأدية كل ما يتطلب منه بمرونة، ورغبته في الرقص والأداء. وقوة تحمله عند الاحتدام والنزال. وللخيل أشكال مختلفة من الرقص يحددها ميول الحصان، وتكوينه، واستعداده، وتقبله للمران على نوع معين من التشكيلات المتعددة الإيقاعات.
والتحطيب فوق الحصان يأخذ كثيراً من قواعد التحطيب في الحلقة على الأرض. ذلك أن البرجاس لا يعتمد على حركات الأرجل إلا بالوقوف وشد الساق عند توجيه الضربة من على السرج فوق الحصان. أما حركات اليدين، والرش الأمامي والخلفي، وغير ذلك من الحركات، فموجودة بنفس الطريقة والشكل. وفي محافظة قنا تسمى (الطردة)، ويستخدمون فيها جريدة نخل طويلة، ويطارد فيها الفارسان بعضهما في مكان متسع. ويحاول أحدهما لمس الفارس الآخر بالجريدة حتى يعد فائزاً.
رقصة الكف
يشار إلى أن سامر البدو بأصوله وقواعده البدوية أصبح له أشكال ومسميات عديدة من مكان إلى آخر، ومن محافظة صعيدية لأخرى. فرقصة الكف (إحدى رقصات السامر) تسمى في أسيوط (المواوية)، وفي المنيا (السحجة)، وفي الفيوم (الكفافة). وسميت أيضاً بثروة الكف، أو كف العرب؛ لأنها تتم على إيقاع تصفيق الأكف.
وهي رقصة جميلة يشترك فيها الكبار، والصغار، والرجال، والنساء. ويقدمونها للتعبير عن مشاعرهم في الأفراح، والمناسبات السعيدة، كتحية للعروسين، والعائدين من الحج، وفي حفلات الختان. وتؤدى هذه الرقصة على إيقاع مصحوب بالغناء. وتتميز رقصة الكفافة بسهولة خطواتها، وبالأداء الجماعي المنظم، وإن كانت تتطلب مرونة في الجسم، وتوافقاً بين إيقاع دبيب القدمين، والتصفيق بالأكف، والغناء. والأغنية إما فردية من المطرب وإما جماعية، وأحياناً تكون فردية وجماعية في هيئة كورس وقائد الكورس. وفيها يقف مجموعة من الرجال على شكل قوس، ويتراوح عددهم بين سبعة وعشرة أفراد، وعلى الجانب الأيسر من هذه المجموعة يقف أحد المغنين. وعلى الجانب الآخر يقف أمامهم بقليل رجل يمسك بدف.
ويشترك في الأداء سيدة أو فتاة، ويبدأ الرجال بالرقص كمقدمة. ثم يبدأ جوهر المضمون الدرامي للرقصة بدخول فتاة أو سيدة للرقص أمام الرجال، حيث يظهر (البعد الغزلي) في الرقصة. وتتم مغازلة الفتاة هنا بحركة القرب، والابتعاد المتبادل بين الفتاة، وقوس الرجال الممتد يميناً ويساراً، ويختلف تصفيق الراقصين، فقد يقوم كل منهم بتصفيقة واحدة منتظمة أو بتصفيقتين. وعند الرقص ينثني الجزء العلوي للجسم قليلاً إلى الأمام، وتكون الرجلان مفتوحتين، وتتقدم إحداهما قليلاً إلى الأمام، في حين تكون الركبتان مثنيتين قليلاً، وترفع القدم الأمامية، ويدق بها على الأرض مع كل تصفيقة. وفي هذا الوضع يحمل الراقص ثقل جسمه على الرجل الأخرى الخلفية. ولكن هذا الوضع لا يدوم كثيراً، إذ سرعان ما يتغير عندما تتحرك المجموعة جهة اليمين وجهة اليسار على الجانبين. وتكون الرجلان مفتوحتين قليلاً وفي وضع متواز. ويتقدم الراقصون بخطوات قصيرة إلى الأمام مع تحريك الذراعين من الخلف إلى الأمام وثني الكوعين وهز الكتفين، وتواصل المجموعة الرقص، وتغير أوضاعها بأن تقف في وضع أمامي. وتقدم مجموعة الراقصين ما يسمى بالخانة، وهي عبارة عن (الكوبليه) الأول من الأغنية. وهو (كوبليه) ثابت محفوظ بشكل جماعي، وعليه يرتجل المطرب الأغنية.
وكما يوجد في دلتا مصر طائفة (الغوازي) (الراقصات المحترفات بالأجر في الأفراح) بسنباط بمحافظة الدقهلية. توجد هذه الطائفة، أيضاً، في محافظتي قنا وسوهاج (كغوازي أولاد مازن). ويتشابه رقص الغوازي في دلتا وصعيد مصر. فعندما يحتفل بعرس، أو بميلاد طفل، أو في الموالد المتعددة.. إلخ تتم الاستعانة بهذا النوع من الرقص الشعبي في مصر. ويقام ذلك الاحتفال في فناء الدار، أو أمام الباب في الطريق. وعلى أنغام المزمار ترقص (الغوازي/ العوالم) بالصاجات (آلة إيقاعية معدنية تشبه آلة الكاستنيت الإسبانية، تشبكها الراقصة في إصبعيها.. الوسطى والكبيرة) في مجموعات ثنائية أو رباعية. كذلك يلعبن ويرقصن بالعصا. وفي أثناء رقصهن يتابعن حركات بعضهن البعض. وهن يبالغن في تزيين ثيابهن (الفاخرة) وإبراز حليهن (المتنوعة). وكان (محمد علي باشا)، والي مصر قد نفى الغوازي إلى الصعيد، وبخاصة (إسنا)، مما أسفر عن كثرة وجودهن هناك.