دور المعلم في العملية التربوية والتعليمية، وما يقوم به من رسالة مهمة في تنشئة الأجيال وبناء الرجال، جعلته محط اهتمام الكثير من العلماء والأدباء والشعراء في تراثنا التربوي والشعري والأدبي عبر العصور وحتى عصرنا الحديث. فقد رأينا من العلماء والأدباء القدامى والمحدثين من انشغلوا بالفكر التربوي، ووضعوا لنا العديد من الرسائل والدراسات والمؤلفات التربوية، التي تحدد آداب المعلم والمتعلم، وما يجب أن يتوافر في كل منهما من شروط، تخدم العملية التربوية، ومن هؤلاء ابن خلدون وابن سينا وابن سحنون والجاحظ.
وفي تراثنا الشعري والأدبي، وجدنا اهتمام الشعراء والأدباء بمعلم الصبيان، ورأينا نظراتهم المتباينة للمعلم، ما بين داع إلى احترامه وتبجيله وإكرامه مثل أحمد شوقي، ومعبر عن همومه مثل إبراهيم طوقان ومحمود غنيم، وقد عمل كل منهما بالتدريس، وعاش التجربة العملية في المدارس والفصول وبين التلاميذ على اختلاف طبقاتهم، وأدرك ما يواجهه المعلم من صعوبات ومشكلات وهموم تثقل كاهله.
الشيخ الرئيس ابن سينا، أحد أئمة الفكر والتربية في القرن الرابع الهجري، يتحدث عن صفات المعلم فيقول: «ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلاً ذا دين، بصيراً برياضة الأخلاق، صادقاً بتخريج الصبيان، وقوراً رزيناً بعيداً عن الخفة والسخف، لبيباً قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي، ذا مروءة ونظافة ونزاهة، فالمؤدب قدوة يقتدى به».
وعندما ننظر إلى آرائه في التربية، نجده يؤكد على أن يكون التعليم جمعياً في المدارس لا فردياً، لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما، ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو منه آخذ وبه آنس، ولأن التعليم الجمعي من أسباب المباراة والمساجلة والمحاكاة.
ويطالب ابن سينا بأن تبدأ تربية الصبي منذ نعومة أظفاره إذا فطم من الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه، قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة. وأول ما يتعلم الصبي، إذا اشتدت مفاصله واستوى لسانه وتهيأ لتلقين القرآن الكريم لما فيه من صور الحروف، ومعالم الدين، والقصص الخلقية والأحكام. ويجب مسايرة ميول الصبي وتوجيهه إلى الصناعة والمهنة التي تتفق مع ميوله، فينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولاً طبع الصبي، ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعات بحسب ذلك.
وهذا ما يعمل به في الدول المتقدمة في الوقت الحاضر حيث تجرى للأولاد اختبارات الذكاء واختبارات الميول والقدرات، وحسب احتياجات الدولة من مهنيين وفنيين وفق خطط مرسومة ومدروسة.
وعن مبدأ الثواب والعقاب، يطالب ابن سينا بأن يكون ذلك بالترغيب والترهيب، والإيناس والايحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة أخرى.
التربية عند ابن خلدون
وعندما ننظر إلى التربية عند ابن خلدون، وما يجب أن يتوافر في المعلم والمتعلم من شروط، نجده يرى أن التربية تستهدف غرضين: غرض ديني ويقصد به العمل للآخرة حتى يلقى العبد ربه، وغرض دنيوي، والهدف منه نفعي من الدنيا.
وينبغي أن يراعى في التدريس التدرج والتكرار والإجمال في البدء ثم التفصيل، واستعمال الشفقة في معاملة الأطفال أثناء تهذيبهم، وتقوية الصلة بين الأساتذة والتلاميذ: كصلة الآباء بأبنائهم، ولا يكون ذلك إلا إذا أحب تلاميذه، ودرس غرائزهم وميولهم، وان يكون المربي قدوة حسنة، فلا يستحق لقب (معلم) إلا الرجل الكامل الذي يترفع عن الدنايا ويربأ بنفسه عن فعل القبيح، لأن عليه النهوض برجال الغد.
ويجب على المعلم عدم الخلط بين علمين في وقت واحد، والانتفاع بوسائل الإيضاح والرحلات في تبسيط الدروس، وتجنب المختصرات في التعليم لأن في ذلك إفساداً وإخلالاً وتضييعاً للمتعلم، وهي ترهق العقل وتشوش نظامه، كما أن هذه الطريقة تنفر المتعلمين من البحث والتنقيب، وتبعدهم عن الرغبة في القراءة والاطلاع.
صفات المعلم
وكان يشترط فيمن يتولى منصب معلم الصبيان ومؤدبهم, كما يقول ابن طولون: أن يكون صحيح العقيدة, فلقد نشأ صبيان كثيرون عقيدتهم فاسدة لأن فقيههم كان كذلك, ومن حق معلم الصغار ألا يعلمهم شيئاً قبل القرآن, ثم بعده حديث النبي، صلى الله عليه وسلم, وعليه تمكين الصبي المميز من كتابة القرآن في اللوح, وحمل المصحف.
ويقدم لنا (ابن الأخوة) الذي عاش في العصر المملوكي، صورة واضحة عما يجب أن يتوفر في مؤدب الصبيان من شروط, ويبين ذلك بشكل جلي يدلل على مدى اهتمام المماليك بالجيل الناشئ وحرصهم على تربيته وتعليمه أشد الحرص, فيقول: «يجب أن يكون من أهل الصلاح والعفة والأمانة, حافظاً للكتاب العزيز, حسن الخط, يدري الحساب, والأولى أن يكون متزوجاً, ولا يفسح لعازب أن يفتح مكتباً للتعليم إلا أن يكون شيخاً كبيراً, وقد اشتهر بالدين والخير, ومع ذلك لا يؤذن بالتعليم إلا بتزكية مرضية, وثبوت أهليته لذلك, بمعرفة الحروف وضبطها بالشكل, ويدرجه بذلك حتى يألفه طبعاً, ثم يعرفه عقائد السنن, ثم أصول الحساب, وما يستحسن من المراسلات, ومن كان عمره سبع سنين أمره بالصلاة في جماعة, لأن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: علموا صبيانكم الصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر, ويأمرهم ببر الوالدين, والانقياد لأمرهما بالسمع والطاعة, والسلام عليهما, وتقبيل أياديهما عند الدخول إليهما, ويضربهم على إساءة الأدب, والفحش من الكلام, وغير ذلك من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع».
«وينبغي للمؤدب ألا يستخدم أحد الصبيان في حوائجه, وأشغاله التي فيها عار على آبائهم, كنقل التراب والزبل, وحمل الحجارة وغير ذلك, ولا يرسله إلى داره وهي خالية لئلا تتطرق إليه التهمة, ولا يرسل صبياً مع امرأة لكتب كتاب ولا غير ذلك, وأن يكون السائق لهم أميناً ثقة متأهلاً لأنه يتسلم الصبيان في الغدو والرواح, ويتفرد بهم في الأماكن الخالية, ويدخل على الصبيان بيوتهم».
آداب المعلمين
وقد وضع الفقيه محمد بن سحنون الذي ولد بمدينة القيروان التونسية سنة 203هـ، كتاباً سماه (آداب المعلمين)، جمع فيه أهم آرائه في تربية المتعلمين، حيث يرى الأولوية لتعليم القرآن الكريم وحث المعلمين على العمل بما جاء فيه، والعدل بين الصبيان وعدم التمييز بينهم (الفقير والغني)، وهذا ما فطنت إليه النظريات التربوية الحديثة، وجواز تأديب الصبية إذا ما خالفوا وفق شروط محددة (مبدأ الثواب والعقاب). وألا يشغل المعلم وقته المحدد للتعليم بغير تعليم الصبية، ولا يعمل عملاً آخر، ولا يجوز الجمع بين الذكور والإناث في التعليم في مكان واحد.
أحوال المتعلمين
أما القابسي، الذي ولد أيضاً في القيروان بتونس، وأخذ الكثير عن ابن سحنون وترك العديد من المؤلفات والمخطوطات، فقد أعد رسالة تربوية سماها (الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين والمعلمين)، نادى فيها بإلزامية التعليم أخذاً بالحديث النبوي (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وساعده في ذلك تطوع الأمراء والأغنياء في زمانه بالإنفاق على الكتاتيب وإجراء الأموال عليها لتستمر في الحياة. وقال بوجوب التعليم للجميع (أولاد وبنات)، لأن المؤمنين والمؤمنات مكلفون جميعاً بنص القرآن، وأكد أن الغرض من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علماً وعملاً، وتعليم الدين لا يتيسر إلا بمعرفة المبادئ التي تكتسب بالتعليم كالقرآن والكتابة، ومن هنا اتصل التعليم عند القابسي بالدين اتصال الوسيلة بالغرض. ونادى بعدم الجمع بين البنين والبنات في فصل واحد، (من صلاحهم ومن حسن النظر لهم لا يخلط بين الذكور والإناث)، وهو بذلك متأثر بأستاذه سحنون الذي قال: «أكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان لأن ذلك فساد لهن». وعن عقاب التلميذ يرى القابسي أن الضرب إنما يكون من المعلم الجافي الجاهل، وهو ينهى عن الضرب والمعلم غضبان، والضرب على التعليم إنما هو عن كثرة الخطأ من الصبيان.
وصية هارون لمؤدب ولده
ولعل في الوصية التي بعث بها الخليفة هارون الرشيد إلى الكسائي مؤدب ابنه، ما يلقي الضوء على طبيعة المنهج التربوي المطلوب من المعلم تجاه المتعلم، إذ يقول: «اقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم منها فائدة تفيده إياها، من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة».
الجاحظ والمعلم
وفي التراث الأدبي نرى الجاحظ ينبّه إلى خطورة مهنة التعليم وجلالها وعظم المسؤولية الملقاة على معلمي الصبيان، لأنها مهنة الأنبياء والعلماء والأشراف، فالمعلمون يؤسسون ويبنون ويغرسون، فإذا فسد الأساس فسد كل شيء آخر. ولذلك كان يدعو إلى عدم تعيين غير المؤهلين في هذه المهنة وتخليصها من الذين انتسبوا إليها في غفلة من الزمن. ونبّه إلى ضرورة أن يتصف المعلم بصفات عقلية وملكة عالية، ولعلّ من أهمها الذكاء والاتزان.
ويحكى عن الجاحظ أنه قال: «ألّفت كتاباً في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفل، وملأته بنوادرهم وصوّرت فيه حُمْقَهم وضعف عقولهم لملازمتهم للصبية، ثم رجعت عن ذلك، وعزمت على تقطيع ذلك الكتاب فدخلت يوماً مدينة فوجدت فيها معلماً في هيئة حسنه فسلمت عليه فرد عليّ أحسن رد، ورحب بي فجلست عنده وباحثته في القرآن فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم المنقول وأشعار العرب فإذا هو كامل الآداب. فقلت: هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكتاب قال فكنت أختلف إليه وأزوره فجئت يوماً لزيارته، فإذا بالكُتَّاب مغلق ولم أجده فسألت عنه فقيل مات له ميت فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء، فذهبت إلى بيته وطرقت الباب فخرجت إليّ جاريه وقالت ما تريد؟، قلت سيّدك فدخلت وخرجت وقالت بسم الله، فدخلتُ إليه وإذا به جالس فقلت عظّم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، كل نفس ذائقة الموت فعليك بالصبر. ثم قلت: هذا الذي توفي ولدك قال: لا، قلت فوالدك قال: لا، قلت فأخوك قال: لا، قلت فزوجتك قال: لا، فقلت وما هو منك؟ قال: حبيبتي!، فقلت في نفسي فهذه أوّل المناحس، فقلت سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها فقال: أتظن أني رأيتها؟، قلت وهذه منحسة ثانية، قلت وكيف عشقت من لم تر؟، فقال: اعلم أني كنت جالساً في هذا المكان وأنا أنظر من الطاق إذ رأيت رجلاً عليه بُرد وهو يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ردي علي فؤادي أينما كانا
لا تأخذين فؤادي تلعبين به فكيف يلعب بالإنسان إنسانا
فقلت في نفسي لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر فعشقتها!!، فلما كان منذ يومين مرّ ذلك الرجل بعينه وهو يقول:
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، وأغلقت المكتب، وجلست في الدار!!. فقلت: يا هذا إني كنت ألّفت كتاباً في نوادركم معشر المعلمين، وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه، والآن قد قويت عزمي على إبقائه وأول ما أبدأ بك أن شاء الله تعالى».
المعلم والشعراء
وفي الشعر العربي الحديث نرى نظرات متباينة لمعلمي الصبيان، فأمير الشعراء أحمد شوقي من أوائل من اهتموا بالمعلم في أشعارهم، فله قصيدة خص بها المعلم، وتحدث فيها عن التعليم وواجب المعلم، وضرورة أن يحترمه تلاميذه ويوفونه التبجيل والتقدير، وفيها يضع المعلم في منزلة عالية.. إنها منزلة الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله لتعليم البشر وهدايتهم، والمعلم رسول يحمل رسالة العلم إلى النشء، فنجده يقول في مطلع قصيدته:
قم للمعلم وفّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفساً وعقولا؟
سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولى
أخرجت هذا العقل من ظلماته وهديته النور المبين سبيلا
وطبعته بيد المعلم تارة صدئ الحديد وتارة مصقولا
أرسلتَ بالتـوراةِ موسى مُرشداً وابنَ البتـولِ فعلَّمَ الإنجيلا
وفجرتَ ينبوعَ البيانِ محمّداً فسقى الحديثَ وناولَ التنزيلا
فالله سبحانه الذي علم عباده بالقلم، وأخرج العقول من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، مكن المعلم من أن يقوم العقول ويهذب النفوس، فتارة يوفق وتارة يعجز، إذ هو كالحداد الذي يصنع من الحديد أسيافاً، بعضها يظل بعد صنعه مجلواً لامعاً، وبعضها الآخر يغطيه الصدأ ويحجب رونقه.
ثم يدعو شوقي المعلمين أن يؤدوا أمانة العلم وهي عبء ثقيل، ويربوا فتيان البلاد على حب العدل والإنصاف ليصبحوا رجالاً أشداء وحصوناً منيعة تحمي الحقوق، ويحذر من إهمال المعلم في أداء رسالته، حتى لا يصاب النشء في أخلاقهم، فيقول:
أمعلمي الوادي وساسة نشئه والطابعين شبابه المأمولا
والحاملين إذا دعوا ليعلموا عبء الأمانة فادحاً مسؤولا
ربوا على الإنصاف فتيان الحمى تجدوهم كهف الحقوق كهولا
فهوَ الـذي يبني الطبـاعَ قـويمةً وهوَ الذي يبني النفوسَ عُـدولا
ويقيم منطقَ كلّ أعـوج منطـقٍ ويريه رأياً في الأمـورِ أصيـلا
وإذا المعلّمُ لم يكـنْ عدلاً مشى روحُ العدالةِ في الشبابِ ضـئيلا
وإذا المعلّمُ سـاءَ لحـظَ بصيـرةٍ جاءتْ على يدِهِ البصائرُ حُـولا
صانع الأجيال
ونجد الشاعر محمود غنيم يدرك دور المعلم ومكانته كصانع للأجيال فيكتب قصيدة لامية عن المعلم تحمل أجمل المعاني والإطراء والمديح والثناء بما يستحقه، يقول في مطلعها:
قالوا المعلم قلت لست أغالي إن قلت هذا صانع الأجيال
صنع الصواريخ المبيدة غيره وعلى يديه يتم صنع رجال
أبدا يبشر بالسلام وليس من صنع الرجال كقاطع الآجال
والمعلم مثل الطبيب لا ينصح ويقدم ما لديه من علم إذا لم يكرم، وقد عبر الشاعر العربي عن ذلك بقوله :
ان المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما
معاناة وهموم
ولكن ضغوط الحياة اليومية وما يعانيه المعلم، جعلت منه مادة ثرية لعدد من الشعراء الذين عبروا عن هذه المعاناة، وعاشها بعضهم ممن جمعوا بين التدريس والأدب والشعر.
ومن هؤلاء الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، الذي يعد من أكثر الشعراء الذين جسدوا هموم المعلم في الشعر العربي، حيث عمل بالتدريس وعاش مهنة التعليم بما لها وما عليها، ومارس التجربة العملية في المدارس والفصول وبين التلاميذ على اختلاف طبقاتهم، وأدرك ما يواجهه المعلم من صعوبات ومشكلات وهموم تثقل كاهله، وشعر بثقل ما تحمِله رسالة التعليم من أعباء، خاصةً في أجواء الروتين اليومي الذي لا يدع مجالاً للمعلم أن يقوم بتوصيل رسالته على الوجه الذي يرضى عنه كوريث للأنبياء، فنتج عن هذا الشعور والإحساس لديه أن نظَّم قصيدته اللامية المرحة الظريفة التي تحكي معاناة المعلم، وهو يعارض فيها قصيدة أحمد شوقي الذي دعا إلى تبجيل المعلم، وهو لا يدري بحاله وما يقاسيه من مشاق ومصاعب في أداء رسالته، يقول طوقان في مطلع قصيدته:
شوقي يقول وما درى بمصابنا قم للمعلم وفه التبجيلا
أقعد فديتك هل يكون مبجلاً من كان للنشء الصغار خليلا
لو جرب التعليم شوقي ساعـة لقضى الحياة شقاوة وخمولا
ويكاد يقتلني الأمير بقوله كاد المعلـم أن يكون رسولا
جهالات الصغار
ثم يعدد ما يواجهه المعلم من صور المعاناة اليومية، وهو يمارس هذه المهنة، وتغيظه جهالات الصغار، ويقدم ذلك في صورة فكاهية ساخرة، فيقول:
حسب المعلم غمة وكآبة مرأى (الدفاتر) بكرة وأصيلا
مئة على مئة إذا هي صلحت وجد العمى نحو العيون سبيلا
لو أن في التصليح نفعاً يرتجى وأبيك لم أك بالعيون بخيـلا
لكن أصلّح غلطة لغوية مثلاً واتخذ الكتـاب دليلا
مستشهداً بالغر من آياته أو بالحديث مفصلاً تفصيلا
وأغوص في الشعر القديم فأنتقي ما ليس ملتبساً ولا مبذولا
وأكاد أبعث سيبويه من البلى وذويه من أهل القرون الأولى
فأرى ابن جهل بعد ذلك كله رفع المضاف إليه والمفعولا
لا تعجبوا إن صحت يوماً صيحة ووقعت ما بين البنوك قتيلا
يا من يريد الانتحار وجدته إن المعلم لا يعيش طويلا
وبالفعل كان طوقان صادقاً في حدثه، إذ أنه لم يعش طويلاً ومات في ريعان شبابه.
المعلم تحية وقضية
وكما كان طوقان معلماً، كان الشاعر محمود غنيم الذي عايش مهنة التدريس، فكان معلماً تدرج في وظائف التدريس حتى صار مفتشاً للغة العربية، ثم عميداً لها بوزارة المعارف، وقد أدرك دور المعلم ومكانته كصانع للأجيال فكتب قصيدة عن المعلم تحمل أجمل معاني الإطراء والمديح والثناء، وهي آخر ما كتب الشاعر من قصائد قبل موته، وجاءت تحت عنوان (صانع الأجيال)، وكان ينتهز كل فرصة مواتية ليعرض هموم المعلم، ففي عام 1942م أقامت جماعة دار العلوم في ناديها احتفالاً دعت إليه نجيب باشا الهلالي وزير المعارف آنذاك، وانتدبت الشاعر محمود غنيم لإلقاء كلمة التحية وعرض قضية المعلمين، فألقى في الحفل قصيدة تحت عنوان (تحية وقضية) وجاءت ضمن ديوانه الأول (صرخة في واد)، ومما قاله فيها:
لمعلم الوادي رجاء في نجيب لا يخيب
أو ما تراه في ربيع العمر يدركه المشيب؟
خلق السهاد لجفنه ولوجهه خلق الشحوب
ثم يقول:
هو في الفصول ممثل آناً وآونة خطيب
وإذا ادلهم الليل والتقت المضاجع والجنوب
أمضى سواد الليل وهو لكل شاردة طلوب
وطغت عليه دفاتر كالسيل ليس لها نضوب
إن المعلم خبزه بمداده القاني مشوب
يحمر في يده المداد كأنه بدم مشوب
يرقى بنوه إلى العلا ورقيه أمل كذوب
سمحت براتبه خلوف ما لها أبداً ثقوب
سيق العجاف له وسيق لغيره البقر الحلوب
ثم يتساءل:
كيف التقدم والمعلم من إرادته سليب؟
عان يتوق إلى الوثوب فلا يتاح له الوثوب
إن لم تطب نفس المعلم لم تجد شيئاً يطيب
خلفي جيوش إن شكوت فإنني عنهم أنووب