تبدو كلمة جدع (وكما ينطقها المصريون بالجيم المصرية كدع), وكأنها ذات أصل غريب، لا يؤدي أي اشتقاق منه إلى المعنى نفسه الذي قصدته الكلمة كما يتداولها المصريون- وبعض المجتمعات العربية- بمعنى شجاع، فارس، نبيل.. إلخ. فهل لكلمة جدع-ياجدع– أي أساس في طقوس ومعتقدات الجماعات البشرية القديمة؟
ولماذا نجد أن معظم التماثيل التي تركتها الحضارات القديمة، الفرعونية في مصر، والسومرية-الأكدية في بلاد ما بين النهرين، وحضارة الإغريق ثم الرومان، سواء أكانت لملوك أم لآلهة وثنية مثل إله زيزس الإغريقي؛ أنها مقطوعة اليد أو مجدوعة الأنف؟ فهل هي مجرد مصادفة أن كل هذا العدد الهائل من التماثيل من مختلف الحضارات، وصلنا بهذه الصورة وقد جدعت أنوفها؟ وما علاقة جدع الأنف بكلمة جدع المصرية؟ سأقدم منظوراً أنثروبولوجيا جديداً، يعيد وضع مسألة جدع الأنف في إطارها التاريخي الصحيح.
برأي كل من الإمام البغوي والقرطبي أن آية (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً) وقوله تعالى (أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ) مترابطتان في إطار قصة، وقعت في مجتمع الجماعة الإسلامية الأولى. وبالرغم من وجود تفاوت في الروايات التي سعت إلى تفسير الآيات الخاصة بالفاحشة، فمن الواضح أنها جميعاً كانت مكرّسة لتقديم مقاربة جديدة لنظام القرابات الروحية بين المسلمين، وذلك ما يوطدّ فكرة أن هذا الجانب الحيوي من النقاش الذي دار بين المسلمين حول قيمهم الجديدة، كان يصبُّ في مجمله في هذا الاتجاه. ومع أن واجبنا التشكيك، بصحة الأسماء التي غالباً ما يجري الزج بها دون تدقيق، بوصفها أسماء أبطال حكايات، ليس الغرض من سردها سوى تقديم دعم غير محدود لصحة التأويل؛ فإنه من النادر بالفعل، توقع أي إمكانية للتأكد منها. وثمة واقعة ذات مغزى حدثت داخل الجماعة المسلمة، روتها عائشة –رضي الله عنها- قالت سمعت سبيعة القُرَشِيَّة تقول للنبي-صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليَّ حدَّ الله. قال اذهبي حتى تضعي ما في بطنك. فلما وضعت ما في بطنها أتته ولو لم تأته ما سأل عنها فقالت: يا رسول الله قد وضعت ما في بطني. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم- فقالت إني قد فطمته. فقال: مَنْ لهذا الصبيِّ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فرئي في وجه رسول –صلى الله عليه وسلم- الكراهية، فقال: اذهبوا بها فارجُموها. وقد ثار جدل طويل حول حكم الرجم في أول الإسلام، بما أن اليهود كانوا يطبقون هذه العقوبة إلى جانب أشكال أخرى من القصاص. قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال عطاء: نزلت في نبهان التمار، وكنيته أبو معبد: أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً، فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه، فذهب بها إلى بيته فضّمها إلى نفسه وقبّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي-صلى الله عليه وسلم- وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين رجلين، أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه، وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر، رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً. فقال الأنصاري: هلكت: وذكر له القصة, فقال أبو بكر : «ويحك، أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم». ثم أتيا عمر رضي الله عنه، فقال مثل ذلك، فأتيا النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية (والذين إذا فعلوا فاحشة).
في الرواية الأولى، ثمة ترابط بين الزنا والتمر (واسم الرجل نبهان التمّار) فالأول بمذاقه الحلو، يمكن أن يتبدى كتحوير رمزي للزنا، أي أن يتبدى نوعاً مماثلاً في المذاق، وكما نعلم فقد كان الزنا شائعاً في مجتمع الجاهلية، ولم يكن محرّماً أو أمراً معيباً؛ بل على العكس من ذلك، كان تعبيراً عن استمرارية مدهشة للراسب الثقافي القديم لطقوس الجنس المقدس، وأحد تعبيراته البغاء المقدس في المعابد. وهذه الصورة التي يرسمها رواة الأساطير للحادثة، تختزن ذكريات القبائل ونظرتها القديمة والمتوارثة. والمدهش، أن تأكيد رواة الأخبار العرب والمسلمين على أن الرجل من ثقيف، يتضمّن دلالات مهمّة وخاصّة، فقد عُرفت ثقيف بأنها اشترطت لإسلامها أن يعفيها النبي-صلى الله عليه وسلم- من الزنا. إن رواية الزنا هذه التي ألفها الإخباريون المسلمون، موظفة للتذكير بموقف ثقيف التي اشترطت الزنا مقابل الإيمان. أما في الرواية الثانية، فثمة ترابط من نوع آخر بين اللحم والزنا، فالرجل الذي همّ بارتكاب الفاحشة كان يريد أن يعطي المرأة- امرأة أخيه في الدين- شيئاً مماثلاً في المذاق، يتضمن المبادلة الرمزية ذاتها بين نوعين عضويين. هذا التطوير الذي قام به ساردو الرواية– التي تستند إلى حادثة حقيقية كما يقولون- وبحيث تحوّل التمر إلى لحم، ليس ناجماً عن السهو والغلط في النقل، وإنما عن رغبة دفينة في الإفصاح عن الدلالة الحقيقية للإثم، فهو نوع من عدوان عنيف بحق القرابات الجديدة، والتمر بمذاقه الحلو في هذه الحالة، لا يمكنه أن يؤدي وظيفته الرمزية في الكشف عن جوهر العدوان، فهو من طبيعة مماثلة. وفي الحالتين، ردّت المرأة الهدية المقدّمة لها من الأخ المعتدي. إن معالجات الإخباريين المسلمين لقضايا ومسائل النظام القرابي الديني، تختزن موروثات روحية واجتماعية وثقافية غنيّة قد يستحيل الكشف عن مكنونها من دون اللجوء إلى هذا النوع من مبادلة الرموز. ولذلك، يبدو اختيار شخصيتين، أنصاري وثقفي، له دلالة خاصّة في سياق رواية الحادثة، فهو يشير إلى نوع المشكلات التي صادفت الجماعة الإسلامية أثناء الهجرة إلى المدينة، وعند تطبيق قواعد وأسس النظام القرابي الجديد. وقد يبدو إلحاح بعض المسلمين بحسب هذه المرويات على تطبيق مبدأ قطع اليد أو جدع الأنف، أكثر بكثير من مجرد استلهام للشرعة اليهودية في مجال عقوبات لم يضعها الإسلام بعد، وخصوصاً ضد مرتكب الفاحشة. هذا الإلحاح من جانب المسلمين على النبي-صلى الله عليه وسلم- بتطبيق العقوبة، هو تعبير نموذجي عن رغبة الجماعة في حماية نظامها الجديد من أي خرق، لكن النبي رفض بشدّة اللجوء إلى وسائل وأدوات بدت له قديمة، ولا تتلاءم مع شرعة الإسلام القائمة على دعوة المخطئ للتوبة وطلب الرحمة والغفران. إن إغفال النص القرآني لاسمي الرجلين، أو المرأة والرجل، هو تجسيد لهذه الرحمة التي وعد بها.
تقول أسطورة جدع أنف قصير وزير جذيمة: كان لجذيمة وزير اسمه قصير. قال لجذيمة: لا تمش إلى هذه المرأة فإني لست آمنها عليك! فقال: لا يطاع لقصير أمر، فأرسلها مثلاً. فلما دخل عليها أمرت جواريها فأخذن يده. قالت له: أي قتلة تريد أن أقتلك فقال: إن كان لا بد فاقتليني قتلة كريمة! فأطعمته حتى شبع وسقته حتى ثمل وفصدت شريانه حتى نزف دمه ومات. فبلغ قصيراً خبره فجدع أنفه وأظهر لها أن عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة هو الذي جدعه، لأنه أشار إليه بتزويج الزباء. فراسل قصير الزباء وأطمعها في ملك جذيمة، فركبت إليه وصار قصير إليها بأمان وأخبرها بسعة التجارات فدفعت إليه مالاً فأتاها بربح كثير ثم زادته في المال فأتاها بربح عظيم، فأنست به وجعلته من بطانتها. وأخبرته: إني حفرت من قصري على الفرات هذا إلى القصر الآخر على الجانب الآخر من الفرات سرباً تحت الماء، وجعلت باب السرب تحت سريري هذا، ومخرجه تحت سريري الآخر؛ فإن راعني أمر خرجت إلى الجانب الآخر. فحفظه قصير ومضى بالمال وحمل ألفي رجل في ألفي صندوق على ألف جمل وعلى الرجال الدروع، ومعهم السيوف وأقبل بهم إلى الزباء. فلما قرب من مدينتها صعدت الزباء سور مدينتها تنظر إلى العير مثقلة فقالت: ما للجمال مشيها وئيداً، أجندلاً يحملن أم حديداً أم صرفاناً بارداً شديداً أم الرّجال جثّماً قعوداً, فجاء قصير بالعير ودخل المدينة فأناخ الجمال وثار الرجال من الصناديق بالسيوف، وضربوا من أدركوه. فلما علمت الزباء قصدت السرب لتدخل فيه فبادرها عمرو بن عدي وكان من رجال الصناديق، ووقف على باب السرب بالسيف فعلمت أنه قاتلها، فمصت سماً تحت خاتمها. وقالت: بيدي لا بيد عمرو، فأرسلته مثلاً. ومن الأمثال: لأمر ما جدع قصير أنفه. والأرجح أن الجدع كان عادة جاهلية في تقديم القرابين والأضاحي لآلهة العرب القدماء، ولكنه لمّا أبطل أصبح الأجدع يعني: الشيطان ومنه جاء التعبير المصري في العامية المصرية اليوم (جدع).
وفي (تاريخ الملوك والرسل): وقال بعضهم بل الذي غزا حزقيا صاحب شعيا سنحاريب ملك الموصل وزعم أنه لما أحاط بيت المقدس بجنوده بعث الله ملكاً فقتل من أصحابه في ليلة واحدة مئة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل وكان ملكه إلى أن توفي تسعاً وعشرين سنة, ثم ملك بعده فيما قيل أمرهم منشا بن حزقيا إلى أن توفي خمساً وخمسين سنة, ثم ملك بعده أمون بن منشا إلى أن قتله أصحابه اثنتي عشرة سنة, ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة, ثم ياهواحاز بن يوشيا وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر وملك فرعون الأجدع يوياقيم بن ياهواحاز.
ويبدو أن قصص جدع الأنف التي شاعت في مجتمعات القبائل العربية، كممارسة دينية طقوسية قديمة، استمدت عناصرها الإنشائية من تعرّفهم المباشر، أو بواسطة قصص متناقلة حملها رحالة وتجار على تماثيل ومنحوتات، تركتها حضارات كبرى، مصرية و سومرية وآشورية ويونانية ورومانية، ولذلك افترضوا أن تمثال أبي الهول، مثلاً الذي ينتصب مجدوع الأنف في الجيزة بمصر، وقد غرز أقدامه في الرمال، أنه فرعون مصري كان قد جدع أنفه بنفسه، كما خلطوا بين الحارث الغساني العرج، والفرعون المصري الأعرج، وهذا تخيّل محرّف من طقوس جدع الأنف. ولذلك، روى الإخباريون قصة موت شعب ثمود وزواله من المسرح التاريخي، بوصفها قصة بطل مدنس أجدع الأنف (شيطان). ولعل رواية النويري لعقر ناقة صالح تروي هذا الجانب على أكمل وجه، فقد تواطأت القبيلة على عقر الناقة، وأن نساء القبيلة هنّ منْ قمن بالتحريض على ذلك:
وأقبلت صدوف إلى عنيزة فأخبرتها بذلك ففرحت به. قالت: إلا أنه منفرد، ولكن قومي إلى عزيز ثمود قدار، فإنه شاب لم يتزوج فاعرضي عليه بناتك لعله يفعل، ففعلت عنيزة ذلك، وزينت بناتها وأقبلت بهن إلى قدار، وكان أقبح رجل في ثمود، وكان في عينيه زرقة، وكأنهما عدستان، وأنفه أفطس.
ولنلاحظ هنا، أن قيدار، عزيز قوم ثمود، أي زعيمها قام بنفسه بالعدوان على المقدس وذبح الناقة، وكان أفطس الأنف (مجدوع الأنف). إن أساطير جدع الأنف عند العرب، وتحويره الرمزي قطع اليد، أو جدع الأنف والأذن، تشير إلى هذا الجانب المسكوت عنه، فهو ممارسة دينية طقوسية ذات جذور قديمة، لها صلة بالختان، ولعلها مع زوال أو تعطيل طقس الختان بعد تراجع الإبراهيمية في الجزيرة العربية وبزوغ عصر الوثنية الطويل، عادت للظهور في صورتها الرمزية الجديدة.