مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

الذكاء الاصطناعي وفجوة الإنجاز في العمل.. التحدي والمأمول

تشهد الآونة الراهنة سجالاً واسعاً حول الأبعاد الاقتصادية لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وما يترتب عليها من إعادة تشكيل سوق العمل، حيث تختفي بعض الوظائف، وتظهر وظائف جديدة. وهناك محاولات مضنية -خصوصاً في مجتمعاتنا العربية- لمواكبة هذه التحولات المتسارعة التي تمس لقمة العيش، والوفاء بمتطلبات الحياة. ويتولد شعور عميق بانعدام الأمن الوظيفي، وافتقاد العمل لمعناه، والإنجاز لمدلوله. ومن هنا يعد الولوج إلى البعد الإنساني لهذا التقدم المذهل أمراً ملحاً وليس من سبيل الرفاهية. وهنا نطرح تساؤلاً مشروعاً: هل يمكن في خضم الاهتمام بجني ثمار ذلك التقدم والتصدي لتداعياته الاقتصادية المُقلقة تنحية البعد الإنساني الذي يكتنفه جانباً؟
من تمجيد الجهد البشري إلى تمجيد سرعة الآلة
عندما نتحدث عن العمل، يتبادر إلى أذهاننا في ثقافتنا الإسلامية والعربية مقولة (العمل عبادة) وهو ما يضفي على العمل قيمة روحية مستندة إلى ما تضمنته الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة من حث على العمل وإتقانه. ثم أتى ماكس فيبر ليبرز ما تنطوي عليه روح الرأسمالية من قيم العمل والإنجاز، وأرجعها إلى الأخلاق البروتستانتية، وذلك من خلال مؤلفه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية).
وطالما ارتبط معنى العمل بالمجهود، والتعب، والجدية لفترات طويلة دون كلل أو ملل، لجني ثماره، وتحقيق الإنجاز، وما يبرهن على ذلك تعريف جوردون مارشال للعمل في موسوعة علم الاجتماع بأنه: (توفير الجهد الجسماني، والعقلي، والعاطفي اللازم لإنتاج السلع والخدمات).
إن القوة والمعنى اللذان ينطوي عليهما العمل لا يقتصران على تلبية الاحتياجات المعيشية التي لا غنى عنها، ولا على التطلع لحراك مهني أو طبقي، فهناك احتياج إنساني اعتبره عالم النفس ماسلو من الاحتياجات الإنسانية العليا، ألا وهو التقدير، وتحقيق الذات اللذان يتم إشباعهما -في الغالب- من خلال العمل الجاد والإنجاز.
وجاء عصر الذكاء الاصطناعي، ليفرغ المعنى السابق للعمل من محتواه، والإنجاز من مدلوله. التحول الذي أفرزه هذا العصر من توفير الوقت بشكل غير مسبوق، بات التمجيد لسرعة الآلة في المقام الأول.
من الاغتراب إلى فجوة الإنجاز
يرجع الجدل حول العلاقة بين الإنسان والآلة إلى الثورة الصناعية، وتداعياتها في القرن التاسع عشر، حينها ظهر مفهوم (الاغتراب) لكارل ماركس، والذي عبر عن انفصال العامل عن نتاج عمله، حيث يصنع السلعة ولا يملكها، حتى يصل الاغتراب لذروته بافتقاد العمل لمعناه، وشعور العامل بأنه مجرد ترس في آلة، مما جعله غير راض عن عمله.
ومع أتمتة نظم العمل، ظهر في الأدبيات الغربية مصطلح يمكن اعتباره امتداداً لمفهوم الاغتراب، وهو (فجوة الإنجاز)، وعلى الرغم من نسبية هذه الفجوة، إذ لا تزال هناك مهن مؤتمتة، لا تزال تحتاج اللمسة الإنسانية، إلا أن هناك من يرى أن الأتمتة أدت إلى قطع الصلة السببية بين الجهد البشري ونتائج العمل، وأن النتائج المذهلة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي من الصعوبة أن يُنسب الفضل فيها للإنسان بمفرده، ما أفقده الشعور بالإنجاز، رغم تصاعد وتيرة الجهد الذي يبذله. وكشف تقرير (Gallub) عن حالة العمل العالمية (2026) فيما يتعلق بحالة مصر أن 57 % من الموظفين يعانون من الإجهاد اليومي المتزايد، وأن 24 % منهم يشعرون بالحزن أكثر من ذي قبل. فما مدى إمكانية صك معنى جديد للإنجاز؟
نحو إنجاز تشاركي
بسبب ارتفاع سقف التوقعات، تظهر ضرورة صك مفهوم جديد وهو (الإنجاز التشاركي)، الآلة بجانب فريق عمل، ليصبح الإنجاز جماعياً، وقادراً على مجاراة التحولات المتسارعة التي تفرضها بيئة العمل في ظل عصر الذكاء الاصطناعي. والأمثلة كثيرة، مثلاً: في مجال الطب، كان الطبيب هو المنجز الفردي في تشخيص المرض من خلال فحصه للمريض، أو قراءته التحليلية (للأشعة الصماء)، بينما أصبح الإنجاز اليوم تشاركياً بين الطبيب، وفريق العمل، والجندي المعلوم ال AI، فالأشعة المتقدمة تضع تقريراً وافياً للحالة المرضية، ونسب الاحتمالات المرتبطة بالمرض. ويمكن أن نقيس على ذلك في كل المجالات كالتعليم، والإعلان، والتسويق.
وختاماً، يجب أن نُرسخ ثقافة التشاركية، حتى يتولد الشعور بقيمة الإنجاز، فالتمسك بالإنجاز الفردي وحده لن يستطيع ملاحقة التحولات المتسارعة، وسيأتي في مرتبة متأخرة مقارنة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ذو صلة