مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

الذكاء الاصطناعي ربان سفينة وقتنا في العصر الحالي

جاء الذكاء الاصطناعي وعصف بالمفاهيم البالية التي كانت في الماضي مرتبطة بالعمل، لا سيما المكان والزمان المحددين، ليحل مكانهما مرونة إدارة الوقت والقدرة على تحقيق النتائج المرجوة في الوقت عينه، فقد ساهم التطور التقني والتحول الرقمي في إحداث تغييرات كثيرة في طريقة أدائنا لمهامنا، مما أعاد هيكلة بناء العلاقة بين الإنسان ووقته.
كانت العلاقة في الماضي بين رب العمل والموظف دراماتيكية بحتة، تواجد جسدي يعني إنتاجاً وتطوراً، وعلى العكس، غياب جسدي يعني توقف الإنتاجية وتراجع العمل. أما اليوم فالوضع انقلب رأساً على عقب مع الفورة التكنولوجية الحاصلة ووصول مفهوم (العمل عن بُعد) لسوق العمل العربي، الذي بدوره أعاد تعريف علاقة المرء بعمله، فالإنتاجية بعدما ارتبطت لعقود طوال بالساعات التي يقضيها الموظف جسداً في مكتبه، أصبحت اليوم تقاس بالمستوى والنتائج المرجوة التي تُقدَّم بغض النظر إن كان الموظف يعمل في مكتبه أو في منزله، فالعقل لا يحده جسد.
ومع كل فورة تكنولوجية تحصل، ينعم العالم بآلاف الخدمات المستحدثة وبعض الآفات التي تُصدَّر لعقول المستهلكين دون أن يشعروا، وهنا يأتي دور العقل ليفعل خاصية (الانضباط)، حتى لا تتداخل ساعات العمل مع الحياة الخاصة أو تمتد دون حدود واضحة ترهقه جسدياً وتساهم في تراجع علاقاته الأسرية والاجتماعية.
ومع تغيّر مفهوم الوقت وساعات العمل مع العمل عن بُعد، فالمرونة كان لها الحصة الأكبر في التنسيق بين الوقت والعمل. فالأم العاملة مثلاً لم تعد بحاجة لأن تختار بين أمومتها ووظيفتها، طالما وقتها مرن وبيدها، فهي من تنظمه وتقوم بالتنسيق بين أسرتها ومهنتها.
جاء مفهوم العمل الهجين أو العمل عن بُعد كقطرات الغيث بعد سنوات عجاف، لا سيما للأشخاص الذين يقاسمون أوقاتهم بين محيطهم، أسرهم وعملهم، وحتى الأشخاص الذين يشغلون عدة وظائف في الوقت عينه، فالوقت أصبح ملكهم وما عليهم إلا التنظيم. ولكن برزت تحديات جديدة تجسدت في صعوبة الحفاظ على العدالة بين من يعملون في المكتب ومن يعملون عن بُعد، إذ قد يحظى الحاضرون بفرص أكبر للتواصل والترقي.
كما يواجه العاملون تحدياً في تنسيق الجداول والاجتماعات، وفي بناء روح الفريق والانتماء المؤسسي مع قلة اللقاءات المباشرة، ويضاف إلى ذلك احتمال تداخل الحياة الشخصية مع العمل، والاعتماد المفرط على الوسائل الرقمية، وما قد يصاحبه من إرهاق تقني وسوء فهم في التواصل. لذلك يتطلب نجاح العمل الهجين سياسات واضحة، وثقافة قائمة على الثقة، وحرصاً مستمراً على التواصل الإنساني المباشر، وإلا أصبح المرء (ماكينة) للكتابة دون روح أو أثر.
التطور جاء ليكمل ما كان ينقصنا، عسى أن يبقى دوره (كمالياً)، ويعود العقل البشري إلى الواجهة في العمل والتفكير والتنسيق، وإلا أهلاً بمجموعة روبوتات ستجتاح مجتمعاتنا العربية وتقتل كل روح بها. وهنا يأتي دور (الفلسفة الأخلاقية) للعلم، التي بدورها تحظر أن لا يدور العلم في فلك الأخلاق.

ذو صلة