مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

البيئة وطبيعة العمل والثقافة

مر الإنسان تاريخياً في مرحلتين رئيستين خلال مسيرة البشرية، الأولى عندما كانت الطبيعة تلعب دوراً رئيساً في تحديد نمط العمل وأدواته وبالتالي تشكل طريقة الحياة وإلى حد كبير العادات والتقاليد ومن ثم القيم الثقافية. فلو نظرنا إلى منطقة الخليج العربي قبل النفط كانت البيئات الزراعية (الريفية) والصحراوية والبحرية يشكل كلٌّ منها على حده أنماط الأعمال الخاصة بها، فالبيئة البحرية تعتمد على صيد السمك والغوص على اللؤلؤ والسفر البحري، وخلقت وظائف مثل صياد السمك (الحداق)، الطواش والغيص والسياب. والتباب، والنوخذة والسكوني والنهام والقلاليف (صناع السفن)، علاوة على مالكيها وغيرها. وينسحب الأمر على البيئات الأخرى الزراعية والصحراوية والجبلية التي كان لكل منها أدوات عمل خاصة بها ووظائف تميزها عن غيرها. وكما كان لكل بيئة جغرافية ثقافتها التي تميزها عن غيرها تتجسد في منظومة اجتماعية تقوم على عادات وتقاليد وممارسات وقيم معينة، ولها أنماط من الفنون والآداب تختلف عن بعضها البعض إلى حد كبير وهوية مشتركة تمثل عامل ربط بين مكوناتها.
في مقابل الاعتماد على الطبيعة، أحدث العلم تطوراً نوعياً في واقع حياة الإنسان بحيث تراجع إلى حد كبير عن اعتماده على الطبيعة في تحصيل حاجاته الضرورية إلى الاعتماد على نفسه في تصنيع حاجياته، إذ تم توظيف العلم في الصناعة التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان مع الطبيعة ومع أقرانه وأصبح هو الفاعل الرئيس في مجتمعه.
فقد وظفت الرأسمالية العلم في بناء المجتمع المدني الحديث المعتمد على الاقتصاد الرأسمالي الذي خلق طبقتين رئيستين هما: البرجوازية والعمال، وخلقت علاقات اجتماعية مختلفة عن المجتمعات غير المدنية السابقة، وبتصور جديد للإنسان خلصه من الخضوع للجماعة ومنظومتها الاجتماعية والقيمية وحقق استقلاليته، وساهم ذلك في تعبيد طريق الإبداع والتنوع الصناعي والفكري والعلمي والوظيفي. لقد خلق النظام الرأسمالي واقعاً جديداً ارتكز على المعامل والمصانع والمؤسسات التعليمية، ولاحقاً البنوك والشركات والمهن الصغيرة المعتمدة على مهارات الأفراد.
والمجتمع المدني الذي تقوم عليه الدول الصناعية المتقدمة يسير في تطور مستمر ولا يقف عند نقطة معينة، فالتطورات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية تسير معاً بشكل مستمر، وتخلق وظائف جديدة تسود في فترات تاريخية معينة ومن ثم يتلاشى بعضها ويتطور بعضها الآخر، علاوة على خلق وظائف جديدة. وقد نتج عن بناء المجتمع المدني ظهور الثقافة المدنية التي تعبر عن واقع وطريقة حياة جديدة تختلف عن التجمعات الإنسانية السابقة وثقافاتها التقليدية وأصبح الإنسان العنصر الفاعل والرئيس في تطوير مجتمعه وإبداعاته وقيمه وثقافته، وراكم التجارب والمعارف العلمية والإنسانية ووظفها في تطوير المجتمع.
يمكن مما سبق استنتاج الآتي:
أولاً: يعد العامل الاقتصادي في أي بيئة هو المصدر الرئيس لخلق الوظائف ونوعيتها، وتلعب البيئة الدور الرئيس في تشكيلها.
ثانياً: طريقة حياة أي مجتمع تتشكل بناء على إنتاجه الاقتصادي، فلو نظرنا مثلاً إلى المجتمع الريفي سنجد طريقة حياته تتشكل بناء على مواسم الزراعة والحصاد، وينعكس ذلك على المناسبات والاحتفالات الرئيسة في المجتمع.
ثالثاً: تتشكل القيم الثقافية وطرق التفكير بناء على طبيعة البيئة التي يعيش فيها الإنسان، فعلى سبيل المثال تتميز البيئة الزراعية بثبات وسكونية وانغلاق ثقافتها وطريقة التفكير السائدة فيها، بينما نجد في الثقافات المنفتحة ذات الأنظمة الاقتصادية والصناعية طرق تفكير تتميز بالديناميكية والتطور والانفتاح على الآخر.

ذو صلة