مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

مواعيد الصلاة.. منطلق ثقافة الوقت

بدأت علاقة المجتمعات العربية بالوقت وساعات اليوم الواحد تتغير هيكلتها مع بداية فرض الصلاة، وتتابُع إعادة تشكيل خريطة العالم بتدرج دخول البلدان في الدين الذي جاء بنظام أخلاقي وزمني جديد جعل من الوقت قيمة عليا، ومساحة توازن بين نصيب الدنيا ونصيب الآخرة. فبعد أن كان الصباح والمساء بمسافتهما الزمنية الكاملة هما من يحددان حركة المجتمعات ولغتهم، فـ(عم صباحاً) و(عم مساء) جاءت وليدة هذه العمومية في الفترتين، وبعد فرض الصلوات الخمس أصبح هناك خمسة مواعيد تستوجب الانتباه لها وأصبحت المواعيد تضبط بين أفراد المجتمع في غالب ارتباطاتهم بعد صلاة كذا أو قبل صلاة كذا.
هذه القاعدة العامة للوقت ظلت زمناً طويلاً تضبط علاقة العرب بالعمل إلى أن جاءت مرحلة الانتقال شبه الكامل إلى عصر الصناعة الذي تدرج في تسليع الحياة وصولاً إلى تسليع الزمن، وجعل الأجر المادي مقابل ساعة العمل الواحدة، فأعيد تشكيل مفهوم الوقت والعمل في عولمة أولى وسابقة للعولمة اللاحقة، ودخلت المجتمعات العربية ضمن هذا السياق العالمي، وبدأ معها فرز ساعات اليوم لتتوافق مع متطلبات العمل التي تنطلق منذ فترات الصباح الأولى، وكان التوقيت الجديد بمثابة عقد عمل مع الوقت والإنجاز تأقلمت معه كافة المجتمعات، واستطاعت المجتمعات العربية أن توازن بين متطلبات العمل، والالتزامات الاجتماعية التي تختلف طبيعتها بين مجتمع عربي ومجتمع عربي آخر، ولكن وبالمقابل عند المقارنة بالمجتمعات الغربية نجد أن هناك من يشير إلى درجة التزام عالية بالوقت والمواعيد في هذه المجتمعات ليست بنفس الدرجة في المجتمعات العربية، وهذا في حقيقته لا يعود إلى التزام أخلاقي بقدر ما يعود إلى درجة تسليع عالية للوقت تنتج سلعة ذات قيمة مادية تعتبر هي الهدف الأول على حساب الإنسان، مع عدم ضبط المقاييس بطبيعة المجتمعات وشكل التزاماتها الاجتماعية والواجبات التي تحيط بالفرد العربي على خلاف غيره، وهذا لا ينفي وجود بعض التهاون في قيمة الوقت وأهمية الالتزام، ولكن استنساخ النموذج دون دراسة طبيعة المجتمع أبرز مثل بعض هذه الحالات، وبالتأمل نجد أنه مع تطور المجتمعات العربية وارتقائها الحضاري وتبني الدراسات الرصينة التي تنطلق من المجتمع وتستوعب عاداته وتقاليده وأعرافه وطبيعة نسيجه الاجتماعي جاءت الحلول التي تحفظ للوقت قيمته وتمنح العمل أهميته فجاء على سبيل المثال مفهوم الدوام المرن، ومفهوم اختيار وقت العمل المناسب كما هو الحال مع العمل على المشاريع الكبيرة التي نراها اتخذت من فترات الليل الباردة في أوقات الصيف خياراً مثالياً مراعاة لطبيعة الطقس.
ولو نلاحظ بعد الفترة الزمنية بين تغير طبيعة علاقة العرب بالوقت مع فرض الصلاة قبل الهجرة النبوية، ومرحلتنا الحالية، إلا أن هذا الأمر من البديهيات في دراسات المجتمعات، فالزمن الفردي يختلف عن الزمن الاجتماعي الذي يقاس بالجيل الذي يقدر بـ(33) عاماً أو بعدة أجيال، والمجتمعات تظل مشدودة وجدانياً وعملياً بتوقيتها الذي ترى ارتباطها الأقوى به، ولكن وفي كل الأحوال ونحن هنا نحاول أن نكتب بعيداً عن التناول التقليدي لهذا الموضوع المهم، فقد استطاعت المجتمعات العربية أن توازن بين ارتباطاتها الاجتماعية والتزاماتها الوظيفية وأن لا تنفصل عن توقيتها الذاتي الذي يضبط توازنها الروحي والعملي، والأمر لا يخلو من الصعوبة في التوفيق بين الجانبين، هذه الصعوبة التي تزيد وتنقص بين حالة وأخرى شكلت ميداناً لدراسات معمقة عملت على تحليل علاقة الوظيفة بالمشاكل الأسرية والقصور في أداء الواجبات الاجتماعية، واستنفاد طاقة الموظف العملية ووقته على حساب صحته النفسية وعلاقاته الاجتماعية.

ذو صلة