مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الشيخ علي خربوش.. التاريخ غير المروي لتجارة الكتب القديمة في مصر

الحديث عن قدامى الكتبيين وأعلامهم واستعادة أخبارهم بين الماضي والحاضر، ليس فقط استحضاراً لأخبار أسماء عرف عنها الاشتغال بتجارة الكتب القديمة أو المستعملة أو البحث عن نوادر الطبعات أو المخطوطات، وليس حديثاً مجتراً معاداً عن تجارة الكتب والفارق بينها قديماً وبين ما آلت إليه حالياً.
وبالطبع لا يعد الحديث عنهم من قبيل الترف الفكري أو المُلَح التي تذكر تفكهاً على هامش الحديث عن تاريخ الثقافة المعاصر والحديث عن رحلة نشر الكتاب العربي وتوزيعه وأخبار المعروفين في مجاله من المؤلفين والناشرين والموزعين؛ بل إنه يمثل -لمن تأمل- تاريخاً موازياً لحركة الثقافة في وجهها الشعبي وحتى النخبوي أحياناً، ويمثل وجهاً من وجوه التأريخ لحركة تراث العلماء المعاصرين ومآلات مكتباتهم وأخبار ما فيها من نوادر ووثائق ورسائل مهمة ومقتنيات أخرى لا يعرف أخبارها إلا الكتبيون المتمرسون في المهنة، وإضافة إلى ذلك معرفة هؤلاء الكتبيين بأخبار كثير من ظروف وبواعث تأليف كثير من المؤلفات التي كان يستعين فيها الأعلام قديماً بمواردها من جهد الكتبيين وبحثهم عن المصادر المطلوبة من الأخبار المكملة لكثير من بواعث المؤلفات والمصنفات لغير واحد من العلماء والمثقفين. ذاك زمان كان قبل زمان الإنترنت والشبكات الإلكترونية والمكتبات الشاملة، وأي زمان كان!
(لم أعرف له مقراً، لم ألتقه إلا في حركة، يعبر طريقاً، يتأهب لمفارقة من يتحدث إليه، عرف عنه القدرة على الوصول إلى النوادر، أما الذاكرة والقدرة على حفظ العناوين وأسماء المؤلفين ومواضع النسخ والطبع فلم أعرف له صنواً).
تنطق ملامحه بالقدم والعتاقة كأنه طبعة نادرة من طبعات بولاق أو ليدن. ما رأيته بعمامته الغريبة وثوبه الفضفاض إلا وتمثلت لي صورة نابضة بالحياة لوراق من وراقي بغداد الذين ذكرهم ابن النديم في الفهرست.
كانت الفقرة الأولى جزءاً من حديث الأديب جمال الغيطاني عن الشيخ علي خربوش الكتبي العتيق الذي كان واحداً من أعلام المشتغلين بتجارة الكتب القديمة في منطقة السيدة زينب، قريباً من منطقة الأزهر؛ فيما كانت الفقرة الثانية من حديث الدكتور محمد محمد الطناحي عن الشيخ خربوش في كتابه (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي). وهما وصفان يقربان إلى أي حد يمكن أن يكون التأريخ لبعض الشخصيات متجاوزاً للمرور السريع على أخبار ومواقف عجلى، إلى أن يصبح مدخلاً لتاريخ ما، أهمله التاريخ بتعبير حبيب جاماتي في بابه الذي كان يداوم على كتابته بمجلة الهلال.
كانت تجارة الكتب القديمة تجد لها رواجاً في القاهرة التي دخلتها المطبعة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وشهدت مكتباتها وأسواقها وأسوارها جهداً ممتداً من آلاف النسخ مختلفة الشكل والمضمون والمنحى، منذ ذلك الحين، ورافق هذا الجهد ظهور عدد كبير من المكتبات الثابتة والمتنقلة في الشوارع الكبرى وشوارع الأسواق التي كانت تحفل بمزيج حافل من الكتب والطبعات والمخطوطات النادرة أيضاً.
كتبيون كثيرون كانت شوارع القاهرة وأسوارها مسرحاً لعملهم، لكن يبقى الشيخ علي خربوش (1907- 2001م) من بين هؤلاء؛ متفرداً بمكانة خاصة، لا يكاد ينازعه فيها أحد، نظراً لشخصيته الفريدة وطبيعته الخاصة وطريقته في التجارة التي انفرد بها عن أكثر أقرانه في المهنة، وإن لم تؤثر على تقديرهم له وإكبارهم لمكانته حتى كان أشبه بعميد غير متوج لطائفة الكتبيين.
وقالوا فيه: كان يعامل الناس بأخلاق العلماء لا أخلاق التجار، وكان من رواد مكتبته وقاصديه والمتعاملين معه؛ علماء وأساتذة جامعات وطلبة وأطباء وضباط وتجار ومستشرقون يأتون من الخارج ليسألوه ويستفسروا منه عن مصنفات تائهة وضائعة لا يعرفون لها طريقاً، وقد كان الشيخ خربوش كما أجمع من عرفه يُكبر قدر العلماء ويحفظ مطلوباتهم من الكتب والنوادر ويسعى إليهم في بيوتهم حتى يوافيهم بها.
ولد الشيخ خربوش في قرية جزيرة الجحر بمحافظة المنوفية ودرس في الأزهر مدة 8 سنوات، وكان مرافقاً له في الطلب الشيخ محمد عبدالخالق عضيمة والشيخ عبدالفتاح أبو سنة، لم يتزوج إلا بعد أن بلغ الأربعين نظراً لانشغاله بعمله الذي بدأه في ثلاثينات القرن الماضي، بعد أن افتتح مكتبته بدرب الجماميز، وسماها (دار التوحيد)، وكانت له صلات مع علماء عصره الذين علموا منه إخلاصه وفهمه لأسرار مهنته، ومنهم الشيخ محمد أبوزهرة والشيخ محمد محي الدين عبدالحميد والشيخ مصطفى الحمامي والشيخ الفحام والأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم والدكتور علي البجاوي، فضلاً عن صلاته بالكتبيين داخل مصر وخارجها كقاسم الرجب وأحمد عبيد، ووصل صيته إلى المستشرقين في الخارج، بل كان من المتعاملين معه رؤساء مثل الرئيس السابق محمد نجيب.
وكانت له ذاكرة قوية، أسهب من عرفوه في وصفها والثناء عليها إلى الحد الذي ذكروا أنه كان يحفظ ما في الكتاب من مطالعة واحدة وحسب، وقد تحدث عنه بعض الأدباء الذين تعاملوا معه كجمال الغيطاني وخيري شلبي، ومن قبلهم بعقود تحدث عنه زكي مبارك في أحد مقالاته بمجلة الرسالة في أواخر الثلاثينات.
وقد وصفه الغيطاني وصفاً آسراً في كتابه (حكايات هائمة)، وهو وصف ربما قد يقع في نفس قارئه وجود المبالغة التي تقتضيها أحياناً طبيعة الكتابة الأدبية، ولكن الذين التقوا الشيخ خربوش قد أجمعوا على كونه نسيجاً متفرداً عن غيره.
وتحدث عنه الدكتور محمود محمد الطناحي في كتاب (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي)، وأطنب في مدحه ووصفه بأنه كان مَعلَماً من معالم القاهرة الأثرية، وقد ذكر عنه أنه كان يجمع نوادر المطبوعات يذهب بها إلى بيوت العلماء ولو طالت مسافة الذهاب أو بعد مستقر هذا العالم.
وذكره الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية السابق في مذكراته
(حياتي في حكاياتي)، وقد روى أنه - أي الشيخ علي - حين كان يذهب لمكتبة عالم متوفى بقصد شراء مكتبته كان يذهب إليها مشياً على الأقدام إجلالاً لقدر هذا العالم. وقد مات الشيخ خربوش في عام 2001م عن عمر ناهز التسعين عاماً، ونعته جريدة الأهرام قائلة: مات ناقل العلم.. رحمه الله وجزاه عن أهل العلم والثقافة خيراً.

ذو صلة