لا أظن أن ثمة حاجة اليوم للمزيد من الحديث عما تواجهه الصحافة من تحديات مركبة في اللحظة الراهنة، إنما من المهم التذكير بأن حياة الصحافة لم تكن يوماً خالية من التحديات، وأن الخلاصة التاريخية الأبرز أن الصحافة بمساريها العلمي، والمهني، تمكّنت من البقاء حيّة بالمرونة. لطالما أدركت الصحافة أن التحديات لا تنتج الصعوبات فقط، بل توّلد الفرص. يتغير الشكل، وتتطور الأدوات، وتتبدل الاهتمامات، إنما تبقى الصحافة.
في هذه المقالة أسعى لعرض مقدمة عن واحد من أحدث هذه التحديات، وأعظمها تأثيراً في السنوات المقبلة، وهو أثر تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأصفها بالمقدمة لأن مجمل التوقعات تذهب إلى أننا في بداية تحول تقني سيحدث تغييرات جذرية في المجال الإعلامي بمختلف مساراته. وهي مقدمة تستعرض في إيجاز تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة، ودراستين حديثيتين حول الموضوع، قبل الإشارة لجهود اليونسكو للتوعية به، والمبادرة الحكومية السعودية لتنظيم العمل في هذا المجال.
تقرير معهد رويترز
نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجامعة أكسفورد تقريراً عن أثر الذكاء الاصطناعي في مستقبل الصحافة، وهو تقرير شمل استطلاعاً شارك فيه 280 من شاغلي مناصب قيادية في شركات نشر -تقليدية ورقمية-، وشملت الدراسة إحدى وخمسين دولة. وانتهى التقرير إلى استنتاج رئيس خلاصته أن الصحافة ستتعرض في مستقبلها القريب لمزيد من الضغوط بفعل قوتين رئيسيتين هما الذكاء الاصطناعي، والمؤثرون في شبكات التواصل الاجتماعي.
يسجل التقرير تراجع الثقة في وسائل الإعلام التقليدية، الذي يمكن ملاحظة علامات متعددة عليه، من أبرزها تحول السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير إلى مقابلات المتعاطفين معهم على البودكاست و(يوتيوب) بديلاً لمقابلات وسائل الإعلام التقليدية. وتزايد إحالات محركات البحث إلى إجابات مدعومة بالذكاء الاصطناعي على حساب الإحالة إلى وسائل الإعلام التقليدية ومنافذها الإلكترونية. وتحول وسائل الإعلام إلى إعادة هندسة أعمالها لتواكب عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال تعدد الصيغ لا سيما الفيديو، وتعديل محتواها لجعله أكثر مرونة، وجعله أسهل في إعادة التنسيق والتخصيص بما يناسب المتلقي. في الوقت نفسه، يستدرك التقرير بأن وسائل الإعلام ستواصل البحث عن أفضل السبل لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في جمع الأخبار، وتوزيعها.
يفيد التقرير بانخفاض ثقة قادة الإعلام في مستقبل الصحافة مقارنة بالعام الماضي، وذلك بسبب المخاوف المعلنة بالهجمات ذات الدوافع السياسية على الصحافة، وتراجع الدعم الحكومي، ومن أبرز أمثلته فقدان تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الداعمة لوسائل الإعلام المستقلة في أنحاء كثيرة من العالم، والانخفاض الملحوظ في عدد الزيارات إلى العديد من المواقع الإخبارية الإلكترونية. إلا أنه يشير إلى ثقة وسائل الإعلام المعتمدة على الاشتراكات في استمرار ربحيتها -ولو في المدى القصير-، وهو ما لا ينطبق على من يعتمدون على الإعلانات والمطبوعات.
ويشير التقرير في موقع آخر أن استطلاع رأي أُجري مؤخراً في الولايات المتحدة أظهر أن غالبية المراهقين لديهم آراء سلبية تجاه الصحافيين، ويعتقدون أن كلمات مثل (مُزيّف) و(أكاذيب) و(مُتحيّز) هي الأنسب لوصف عملهم. ويعتقدون على نطاق واسع أن الصحافيين يختلقون التصريحات، وأنهم أقل حيادية من صُنّاع المحتوى، وأنهم يُلحقون الضرر بالديمقراطية أكثر مما يحمونها. ثم يضيف أن أبحاث المعهد تُظهر أن هذه المواقف لا تقتصر على الولايات المتحدة أو على فئة الشباب.
ويتوقع الناشرون انخفاض حركة المرور إلى مواقعهم من محركات البحث بأكثر من 40 % خلال السنوات الثلاث المقبلة، ويأتي هذا بعد انخفاضات كبيرة في حركة الإحالات إلى المواقع الإعلامية من (فيسبوك)، و(إكس) خلال السنوات الثلاث الماضية. ويرون أن المعالجة ستكون عبر التركيز على المزيد من التحقيقات الأصلية، والتقارير الميدانية، والتحليل، والتفسير السياقي، والقصص الإنسانية. كما سيزداد اهتمامهم بالاستثمار في المزيد من مقاطع الفيديو، والصيغ الصوتية مثل (البودكاست)، على حساب المحتوى النصي. وبناءً عليه ستركّز وسائل الإعلام على تنمية حضورها على (يوتيوب)، و(تيك توك)، و(إنستغرام) إلى جانب إيجاد طرق لتوزيع المحتوى عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مقابل تخفيض جهودها في (فيسبوك) و(إكس). كما يفيد التقرير أن وسائل الإعلام ستسعى لاحتواء المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، عبر تطوير التعاون مع المؤثرين في توزيع المحتوى، وتشجيع الصحافيين على التصرف مثل المؤثرين.
لا يغفل التقرير الذي يرصد الضغوط على الصحافة عن الضغوط على الذكاء الاصطناعي، إذ يتوقع استمرار تلك الضغوط من خلال تزايد القلق من جدوى الاستثمارات فيها، وارتفاع المخاوف من الأثر السلبي للتقنية، وتنامي دعم مقاومة الإدمان الرقمي، وانتشار المحتوى المضلل، وهي مظاهر ستدفع الحكومات إلى تقييد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. مشيراً في السياق ذاته إلى أن العمل قائم على تطوير نموذج أولي لجهاز جديد، يتمحور حول الذكاء الاصطناعي يستهدف المساعدة على أن نكون (أكثر هدوءاً، وأقل قلقاً، وأقل انعزالاً).
ومن أبرز ما يرصده التقرير أن العالم الذي يُمكّن أي شخص من إنتاج محتوى ذي مظهر احترافي، بات من الصعب فيه تحديد معايير الصحافة الحقيقية. يُمثل هذا تحدياً لشركات الإعلام، وكذلك للمبدعين ذوي التوجه الصحافي الذين يرغبون في أن يُؤخذوا على محمل الجد. وقد اقترح مشروع (صنّاع الأخبار) التابع لـ(فايننشال تايمز ستراتيجيز) مبادئ توجيهية لمصداقية المعلومات، مُخصصة لمن يشعرون بمسؤولية شخصية تجاه دقة محتواهم، ولكنهم يفتقرون إلى الأطر الرسمية لغرفة الأخبار التقليدية. ويفيد التقرير أن بعض الحكومات شرعت في إعداد قوائم بالمؤثرين في مجال السياسة العامة لتدرجهم في خطط التواصل ودعوتهم إلى المؤتمرات الصحفية. ومن المتوقع أن نشهد المزيد من التحركات في هذا المجال في الأعوام القادمة، على الرغم من أن الأمر لن يكون سهلاً، نظراً للعدد الهائل من المؤثرين واختلاف تفسيراتهم لمفهوم المحتوى الجيد.
تجدر الإشارة إلى أن التقرير يلاحظ نشوء تعقيد في قياس الأثر، إذ سيصعب على الناشرين معرفة كيفية استخدام المحتوى. فإذا قام متصفح ذكاء اصطناعي بتلخيص المحتوى تلقائياً نيابة عن المستخدم، فهل يُعتبر ذلك زيارة بشرية؟ ومع ازدياد عدد الروبوتات التي تقرأ المحتوى، كيف ستتأثر عملية القياس، وبالتالي تحقيق الربح؟. إنها ملاحظة ذات أهمية بالغة لاقتصاديات الصحافة.
وفي الخلاصة إذن فإن تقرير المعهد للعام الحالي يؤكد استمرار تعرض الصحافة لضغوط بفعل نمو الذكاء الاصطناعي، وتزايد الاعتماد على المؤثرين، وتراجع الإحالات عبر محركات البحث، في مقابل تنامي اعتماد الصحافة على الذكاء الاصطناعي. ويلمح إلى أهمية إعادة تعريف الصحافة وبناء معاييرها بما ينسجم مع التغييرات العميقة في واقع الممارسة الإعلامية. ويبرز في السياق ذاته تزايد التضليل عبر الذكاء الاصطناعي مع الاستدراك بأنه لا يهدف غالباً إلى التضليل، بل يتماشى مع تقاليد الإنترنت العريقة في المرح والسريالية والسخرية، لكن الخشية تتزايد من التداعيات الأوسع لأدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد صور ومقاطع فيديو، لا سيما في مجال الأخبار. الأمر الذي سيقود إلى تعزيز الجهود الحكومية في بناء الضوابط المانعة للتضليل عبر الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي والصحافة في البحوث العالمية
راجعتُ خلال إعداد هذا المقال عدداً من الدراسات الأكاديمية المنشورة لأثر الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ومن أهمها دراستين، الأولى تحت عنوان (الذكاء الاصطناعي والصحافة: تحليل ببليومتري ومنهجي وموضوعي للبحوث العالمية)، وهي دراسة تراجع الجيل الثاني من البحوث المنشورة حول الذكاء الاصطناعي في الصحافة، بين عامي 2010م و2025م، لتقدم تحليلاً لـ 72 بحثاً محكماً عبر منهج يدمج رسم خرائط ببليومترية، بالتحليل الموضوعي، وتحليل المشاعر، بما يميز هذه الدراسة عن مثيلاتها التي تركز عادةً على البعدين التقني والأخلاقي.
تُظهر نتائج الدراسة زيادة حادة في النشاط البحثي بعد عام 2020م، مع مجالات تركيز بارزة تشمل الأتمتة، والمعلومات المُضللة، والحوكمة الأخلاقية. كما تبين الدراسة إن إطلاق (ChatGPT) في أواخر عام 2022م نقطة تحول حاسمة، إذ تجاوز عدد مستخدميه 100 مليون مستخدم خلال بضعة أشهر، وهو توسع شمل وسائل إعلام دولية رئيسة مثل وكالة (أسوشيتيد برس)، وصحيفة (واشنطن بوست)، ومحطة (بي بي سي)، وتستدرك الدراسة أن هذا ليس مجرد تطوير عبر استخدام تقنية جديدة بل خلق بيئة بديلة.
تنتهي الدراسة إلى أن غالبية الإسهامات البحثية جاءت من العلوم الاجتماعية، حيث تمثل نحو (56 %) من إجمالي المحتوى، ويليها الآداب والعلوم الإنسانية (14 %)، وعلوم الحاسوب (11 %)، مما يشير إلى اهتمام قوي متعدد التخصصات يشمل كلاً من المنظورات التقنية والإنسانية. وتأتي إسهامات إضافية من علم النفس (2.5 %)، والهندسة (1.8 %)، وعلوم البيئة (1.8 %)، ومجالات أخرى متنوعة مثل إدارة الأعمال، والدراسات متعددة التخصصات، وعلوم القرار. وتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية النشر، وتليها المملكة المتحدة وإسبانيا، ثم الصين وأستراليا، ثم كل من كندا وألمانيا والهند وإيطاليا وهولندا، مع ملاحظة أن الدراسة تظهر أن عدداً من البحوث حاصل جهد مشترك في أكثر من دولة.
تخلص الدراسة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي توفر فوائد ملموسة في الأتمتة والتلخيص والتصنيف، ولكنها تُثير أيضاً تحديات تتعلق بتحيز المحتوى، والحقوق القانونية للمؤلف، والمصداقية، والعمق التفسيري. يتطلب الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الصحافة إشرافاً تحريرياً، ووضوحاً قانونياً، واهتماماً بكيفية أداء التقنيات في مختلف السياقات الاجتماعية والتقنية. كما تنتهي إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على المعلومات المضللة متعدد الأوجه، فبينما يُسهم الذكاء الاصطناعي بأدوات للتحقق والكشف، فإنه يُثير أيضاً تحديات في أخلاقيات استخدامه، وثقة المستخدم، وكفاية المعلومات. لذا توصي الدراسة بأن تقيّم البحوث المستقبلية هذه التحديات من منظور منهجي، وتستكشف آثارها على السياسات، والتوعية الإعلامية، في سياقات اجتماعية وسياسية متنوعة.
تسجل الدراسة أن الثقة في صحافة الذكاء الاصطناعي تعتمد على الإشراف البشري المُتصوّر. وفي سياق أوسع تقرر أن القضايا الأخلاقية والمهنية في صحافة الذكاء الاصطناعي متشابكة بعمق مع الهياكل القانونية، والمعايير التحريرية، والاعتماد على التقنية، وتوقعات الجمهور. ويتطلب التصدي لهذه التحديات تعاوناً متعدد التخصصات، وأدوات تنظيمية مُحدَّثة، والتزاماً مستمراً بالإشراف البشري والمساءلة.
ترصد الدراسة ثلاث ثغرات رئيسة في البحوث التي تناولت أثر الذكاء الاصطناعي في الإعلام، أولها الفجوة الزمنية بين تطبيق التقنية وتطوير الأطر الأخلاقية أو التنظيمية، وهي فجوة جعلت معالجة السلبيات بأثر رجعي، وأنتجت الغموض الأخلاقي، والتأخر التنظيمي. والثغرة الثانية التركيز الجغرافي على دول محدودة مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية مع قلة الأبحاث في بقية العالم مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، بما جعل الرؤية البحثية تفتقر لمراعاة عوامل السياق الاجتماعي والثقافي، وخصوصاً اختلاف حدود الرقابة، وتفاوت البنى التحتية، وآثار التنوع اللغوي. الأمر الذي يهدد بإرساء نماذج معيارية تنتمي إلى الولايات المتحدة وأوروبا، بما يعزز اختلال تدفق المعلومات التاريخي.
والثغرة الثالثة التجزئة التخصصية، حيث تنفصل مسارات البحوث بحسب المجال العلمي، وبحسب الموضوعات، بينما ترى الدراسة حاجة لدمج مسارات البحوث بين علوم الإعلام والهندسة والحاسب والبيانات والقانون، وغيرها، وأهمية المزج بين الموضوعات مثل بحوث القيم وغرف الأخبار وثقة الجمهور ونحوها، بما سيقلل من تشتت البحوث ويعزز تنمية المعرفة، ويساعد في إعادة تكوين الفهم النظري للإعلام، انطلاقاً من أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ابتكار تقني، بل هو أيضاً قوة تُعيد تشكيل الأسس المعرفية للصحافة. وبالتالي فالدراسة تقترح تسريع البحوث، ومراعاة الطابع الدولي للتغييرات التي سينتجها الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية التعاون على المستويين الجغرافي والتخصصي. لذا ينبغي فهم الصحافة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بوصفها عملية اجتماعية سياسية متفاعلة مع أنظمة السياسة والعمل والاتصالات.
وفي الخلاصة تتنبأ الدراسة بثلاثة تطورات مستقبلية، أولها تسارع اعتماد غرف الأخبار على النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي، وهو توجه سيُفاقم مخاطر التحيز وفقدان الاستقلالية التحريرية. والثاني بروز الخلاف في حوكمة الوسائط الاصطناعية، مما سيحفز وضع لوائح صارمة لمكافحة التضليل. والثالث تنامي الدراسات المقارنة بين المناطق على معالجة الفجوات الجغرافية، لتكشف أثر الفروق الثقافية على عدالة الخوارزميات.
البحوث العربية والأجنبية في الصحافة والذكاء الاصطناعي
الدراسة الثانية بعنوان (البحوث العربية والأجنبية في مجال الصحافة والذكاء الاصطناعي: دراسة تحليلية مقارنة للاتجاهات، والأطر النظرية والمنهجية والأجندات البحثية). وهي دارسة حلل فيها الباحث (66) بحثاً نشرت في الفترة من 2022م إلى 2024م، في (26) دولة. وخلصت الدراسة إلى أن المواضيع السائدة في تلك البحوث تصورات الصحافيين واتجاهاتهم إزاء الذكاء الاصطناعي، وتأثيرات توظيفه على الممارسة الصحافية، وانتهت إلى وجود فجوة في بحث الأثر المجتمعي البعيد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المواد الإعلامية ونشرها، ومواقف الجمهور منها.
كشفت الدراسة أن من أبرز الموضوعات المهيمنة في تلك البحوث تمثلات الذكاء الاصطناعي والتصورات والاتجاهات حياله بنسبة تزيد عن (42 %)، وتأثيراته بنسبة (18 %)، وواقعه وممارساته بنسبة (17 %)، والاعتبارات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي بنسبة (6 %)، ومستقبل الصحافة في ظل الذكاء الاصطناعي بنسبة (3 %). وبينت أن (62 %) من تلك البحـوث اتبعـت المنهــج الكمي، مقابل (36 %) اتبعت المنهج الكيفي، فيما اعتمد بحث واحد على منهج مختلط، مع ملاحظة أن البحوث العربية اعتمدت على المنهج الكمي بنسبة تزيد عن (88 %)، في مقابل أن (63 %) من البحوث الأجنبية اتبعت المنهج الكيفي. وهي ملاحظة تعكس عناية البحوث العربية بالتعميم، والبحوث الأجنبية بفهم الظاهرة وتحليلها.
كما أشارت الدراسة إلى أن (47 %) من البحوث خلت من الاستناد إلى أي نظرية، وأن قرابة (23 %) منها اعتمدت على النظرية الموحدة لقبول التقنية واستخدامها، وأنها في المجمل تعاملت مع موضوع الذكاء الاصطناعي باعتباره مسألة تقنية دون تركيز على البعدين الاجتماعي والثقافي. وأن (70 %) من البحوث أظهرت تفاؤلاً، أو تفاؤلاً حذراً، تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة.
جهود اليونسكو
برزت العديد من الجهود الدولية للحد من الآثار السلبية لشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي على الإعلام، وبين تلك الجهود التوعية التي بذلتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) عبر إصدار سلسلة لتدريس الصحافة متعددة اللغات، وضمنها كتاب (الصحافة والأخبار الزائفة والتضليل) الصادر 2020م. الذي يقرر أن شبكات التواصل الاجتماعي تؤثر سلباً على فهم الجمهور من خلال عدة وسائل، بينها نشر المعلومات المضللة، والاستقطاب المتشدد، وتحويل الشعبية إلى شرعية، والتشويش على الحوار. وقد سعت الشركات المالكة لتلك الشبكات إلى تخفيض هذا التأثير عبر حذف المعلومات المضللة، وحرمان مُصدريها من دخل الإعلانات، وتوفير حلول تقنية للتحقق من صحة المحتوى، وتطوير علامات الثقة للمستخدمين. وفي هذا السياق ينصح الكتاب الصحافة بتقديم معلومات عادلة وكاملة، والاستقصاء، والتحليل، والعناية بعرض قضايا فئات المجتمع المختلفة، وتوفير فرص الحوار. قبل أن يقترح في موقع آخر من الكتاب تعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية، وهو إجراء موجّه للمتلقي ليواجه به الآثار السلبية المشار إليها. ويشير الكتاب في غير موضع إلى العمق التاريخي لممارسة تدقيق الحقائق المنشورة عبر وسائل الإعلام، والمتضمنة تدقيق ما قبل النشر وما بعده، مشيراً في هذا السياق إلى أن عام 2017م شهد (137) مشروعاً لتقصي الحقائق في (51) دولة. وقد كشفت تلك الممارسة المتراكمة أن أهم عوائق تدقيق الحقائق الانحياز للرأي الشخصي.
كما تضمنت السلسلة نفسها كتاب (دليل معلمي الصحافة: تقرير حول الذكاء الاصطناعي)، الصادر عام 2024م. الذي شمل تحريراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي، ووضعه في سياقه التاريخي/ التقني، وما نسج حوله من تصورات في الكتب والأعمال السينمائية، التي طرحت الأسئلة المبكّرة عن حدود الذكاء الاصطناعي وتمييزه على مستويي الذات والهوية، والجهود المؤسسية الدولية لوضع ضوابط للذكاء الاصطناعي، قبل التوقف عند أضراره المتضمنة تزييف الأخبار والمعلومات، غير أن الأهم لموضوع هذا المقال ما عرضه الكتاب عن كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الصحافة.
يعرّف الكتاب الذكاء الاصطناعي بأنه الخوارزميات والروبوتات والأنظمة القائمة على البيانات، ويضعها ضمن سياق تاريخي لأتمتة عمليات الإنتاج الصحافي، وأن المؤسسات الإعلامية تستهدف من استخدام منظومة الذكاء الاصطناعي رفع كفاءة الإنتاج وتخفيض التكاليف، بما سينتج تقليص الاعتماد على العناصر البشرية. وهذا استنتاج ينسبه الكتاب إلى مسح عالمي لـ 130 مشروعاً للذكاء الاصطناعي أجرته مؤسسة (نايتس) في عام 2021م.
ويوصي الكتاب كليات الصحافة بتكييف مناهجها الدراسية مع هذا الواقع الجديد، في سياق تسجيله التغييرات المحتملة في غرف الأخبار وعموم مسارات العمل الصحافي. قبل تحديد أربعة تحديات رئيسة تواجه الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الصحافة -خصوصاً في الدول الأقل نمواً-، هي نقص تدريب الصحافيين، والتحدي المالي في الأتمتة وصيانة أدواتها، وشكوك الصحافيين في كفاءة الذكاء الاصطناعي، والمخاوف من حلوله محل الصحافيين.
المبادرة السعودية
قرر مجلس الوزراء السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، في 10 مارس الماضي تسمية عام 2026م عام الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية. وهو قرار ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي منحت التقنيات المتقدمة أولوية في التحول الوطني وتعزيز التنافسية العالمية، وجهود المملكة في التحول إلى مركز دولي للبيانات والذكاء الاصطناعي، وهو مسار تقوده الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، العاملة على تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتنمية القدرات الوطنية، وتحفيز الابتكار والاستثمار في التقنيات المتقدمة.
وتفاعلت المملكة مع تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام عبر المبادرة بإضافة وثيقتين تنظيميتين إلى الأنظمة ذات الصلة، مثل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/17) وتاريخ 8/3/1428هـ، ونظام حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/19) وتاريخ 9/2/1443هـ. حيث أصدرت (سدايا) وثيقة (مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي)، والتي شملت سبعة مبادئ هي النزاهة والإنصاف، والخصوصية والأمن، والإنسانية، والمنافع الاجتماعية والبيئية، والموثوقية والسلامة، والشفافية والقابلية للتفسير، والمساءلة والمسؤولية. كما تضمنت حوكمة الأدوار والمسؤوليات، التي تسند للهيئة إعداد المبادئ ومراجعتها وتحديثها، ووضع خطة التبني، وتقديم المشورة، وقياس الالتزام، ومتابعة التطبيق. ثم تحدد مسؤوليات الجهات المطبقة، وأدوار المسؤولين فيها.
كما أصدرت وزارة الإعلام بالتنسيق مع (سدايا) وثيقة (مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام)، وهي وثيقة تهدف إلى وضع مبادئ توجيهية لاستخدام الذكاء الاصطناعي على امتداد دورة حياة المحتوى الإعلامي، بما يضمن استخداماً مسؤولاً وآمناً لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ويحد من المخاطر المصاحبة له، ويحافظ على سلامة المحتوى الإعلامي، ويصون القيم المجتمعية وحقوق الأفراد.
تقدم الوثيقة عدداً من التعريفات، من أبرزها تعريف المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي بأنه المحتوى الذي ينشأ أو يعدل أو يحسن بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي كلياً أو جزئياً، وتعريف التزييف العميق بأنه المحتوى المنشأ بتقنيات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة أو تقليد أشخاص حقيقيين. كما ميّزت بين المحتويات المضلل، والاحتيالي، والمغلوط، بحسب الغرض، أي أن المحتوى المضلل يستهدف التضليل أو التأثير غير المشروع في الرأي العام أو سمعة الأفراد أو مواقفهم أو قراراتهم، فيما يهدف المحتوى الاحتيالي إلى الاستيلاء غير المشروع على أموال أو بيانات أو منافع، غير أن المحتوى المغلوط ناتج عن خطأ أو سوء فهم أو نقل غير دقيق -مع حسن النية-. كما أضافت التعريفات تحديد صانع المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي بكل من ينشئ المحتوى أو يعدّه أو يحرره أو ينشره أو يعيد نشره بأي وسيلة، بما في ذلك المؤثرون والإعلاميون المستقلون والمنتجون الرقميون. علماً بأن نطاق الوثيقة يشمل منصات المحتوى الرقمي التي تُدار أو تُستضاف خارج النطاق الجغرافي المحلي، وتتيح محتواها للجمهور المحلي.
وتحدد الوثيقة ثمانية مبادئ لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، هي الشفافية والإفصاح، والمصداقية وسلامة المعلومات، وحماية الخصوصية والشخصيات العامة، ومنع المحتوى المضلل، والمسؤولية والمساءلة عبر دورة حياة المحتوى، والنزاهة وعدم التحيز، وتعزيز الوعي المجتمعي وتمكين الجمهور، وتقييم الأثر والامتثال التنظيمي.
وتقرر الوثيقة آليات التعامل مع الانتهاكات، وتشمل الإبلاغ المحقق لسرعة الاستجابة ودقة المعالجة، واتخاذ التدابير الفورية المانعة من الوصول للمحتوى المخالف، والتعاون مع الجهات المختصة، ومعالجة الأثر الناتج عن المحتوى المخالف، وتعزيز الإجراءات الوقائية لمنع تكرار المخالفات، على أن تطبق هذه الآليات ضمن الالتزامات المقررة في الأنظمة ذات الصلة. وتختتم الوثيقة بالتأكيد على أن هذه المبادئ إرشادية، ومكملة للأنظمة واللوائح والضوابط، وأنها ستخضع للمراجعة الدورية. وتدعو الجهات الإعلامية ومنصات المحتوى الرقمي وصناع المحتوى إلى تبني هذه المبادئ.