مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

مدرسة الطائف النموذجية.. أسسها الملك فيصل ودرس بها أشقاؤه وأبناؤه

عندما نتحدث عن هذا الصرح التعليمي (المدرسة النموذجية بالطائف) فإننا نتحدث عن تاريخ عريق من الريادة والسبق والأوليات والتجارب التربوية والتعليمية التي سبقت قيام وزارة المعارف (وزارة التعليم الآن)، وكانت تمثل شعلة تعليمية أضاء مشعلها مؤسسها وعميدها وراعيها الأمير فيصل بن عبدالعزيز نائب الملك عبدالعزيز على الحجاز آنذاك (الملك فيما بعد) لتنير الطريق لأجيال المستقبل وتصبح فيما بعد أحد المآثر التعليمية الخالدة، والتي لم تأخذ حقها من التعريف والدراسة رغم عمق تجربتها وتوفر العديد من العوامل التي ساعدت على نجاحها وتميزها وهي تطوي الآن من عمرها أكثر من ثمانية عقود من الزمن سواء في مرحلتها الأولى أو الثانية.

الموقع والتأسيس
في جنوب غرب مدينة الطائف وبين منازل قليلة وادعة وخارج سورها القديم وتحديداً في حي (السلامة) الملاصق لحي (قروى) ذلك الحي الهادئ من ضواحي مدينة الطائف الجميلة، وبجوار مسجد المحجوب، وفي مبانٍ متواضعة ومتناثرة هنا وهناك عرفت بدار الشيخ (إبراهيم أدهم) وقبل زهاء واحد وثمانين عاماً بدأ تاريخ هذه المدرسة العريقة حيث تم تأسيسها في عام 1366هـ الموافق 1947م تحت اسم مدرسة الأمراء ثم عدل الاسم فيما بعد إلى مدارس الطائف النموذجية بناء على الأمر الملكي السامي رقم (4952)، والقرار الوزاري الذي تلاه رقم (318) الصادر من وزير المالية والذي تقرر بموجبه أول ميزانية خاصة للمدرسة وتحديد ملاكها في ذلك الحين، وقد تم افتتاح المدرسة رسمياً يوم الخميس الموافق 18 جمادى الأولى عام 1366هـ ولم تستمر بها الدراسة إلا لعدة أشهر حيث صادفت هذه البداية إجازة الصيف واستؤنفت بها الدراسة مع مطلع عام 1367هـ.
وعن ظروف هذه النشأة يقول المؤرخ خير الدين الزركلي في كتابه المرجعي شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز- ج 2 ص 644 «أنشأ الأمير فيصل في عهد والده بالطائف المدرسة النموذجية لأولاد الأمراء وغيرهم»، ويؤكد ذلك أيضاً المؤرخ ورجل التشريفات الملكية الأستاذ فؤاد شاكر في كتابه دليل المملكة فيقول عن المدرسة: إنه أمر بإنشائها الأمير فيصل المعظم ليتعلم فيها أبناؤه مع أبناء الشعب جنباً إلى جنب لا فارق ولا فاصل بينهم، أما الأمير محمد الفيصل أحد الطلاب الأوائل بهذه المدرسة فيتحدث عن ظروف هذه النشأة والبدايات الأولى فيقول: في نهاية الأربعينات الميلادية أنشأ الوالد بتشجيع من الوالدة الأميرة عفت الثنيان آل سعود أول مدرسة نظامية في الطائف هي المدرسة النموذجية التي أصبحت (الثغر) فيما بعد عندما انتقلت إلى جدة وانضم إلى المدرسة النموذجية بعض الأمراء وأغلبية من أبناء كافة الشعب وكانت تدرس المنهج المصري، وقد بقيت بها أربع سنوات حتى تخرجت وعمري خمسة عشر عاماً وكانت السنة الأخيرة فيها تسمى التوجيهية.
مدرسة للجميع
وبحنكته وثاقب نظره لم يشأ الأمير فيصل بن عبدالعزيز أن تقتصر المدرسة على أبنائه وعدد من أفراد الأسرة المالكة فقط بل جعلها للجميع وكما أكد على ذلك في إحدى زياراته للمدرسة عندما قال: «إن هذه المؤسسة لم تنشأ للتفاخر أو للتباهي أو لكسب الاسم وإنما أنشئت لغرض واحد وهو خدمة هذا البلد الأمين وخدمة أبنائه وتوفير أسباب العلم والنهوض تجاه أبناء هذا البلد العزيز ولم تنشأ لطبقة من الناس وإنما أنشئت لتفتح أبوابها أمام كل راغب فيها»، ولذلك فقد ضمت في صفوفها أعداداً كبيرة من الأمراء وأبناء الأعيان والأسر المعروفة في الطائف ومكة المكرمة وغيرها من المناطق الأخرى بل وبعض المقيمين الأجانب بالطائف.

الملك فيصل في إحدى زياراته للمدرسة

كوادر تعليمية وإدارية مميزة
ومع انطلاقتها الأولى قامت هذه المدارس على أكتاف كادر تربوي تعليمي تم اختياره بعناية وبإشراف من الأمير فيصل بن عبدالعزيز. ومتابعة نجله الأكبر الأمير عبدالله الفيصل نائب النائب العام على الحجاز، واجتمعوا على التميز والعطاء المبهر وفي مقدمتهم مديرو هذه المدارس في مرحلتها الأولى بالطائف ومنهم الأستاذ محمود جلال الدين، الأستاذ إبراهيم عاكف، الأستاذ محمود طه أبو العلا، الأستاذ عبدالقوي بدوي، الأستاذ عبدالقادر كعكي، التربوي القدير الأستاذ محمد فدا رحمه الله سابق عصره كما وصفه بذلك أحد تلاميذه الأديب الراحل الأستاذ عبدالله جفري، والذي انتقل فيما بعد ليقود المدرسة في مرحلتها الثانية بجدة بعد تغيير اسمها إلى مدارس الثغر النموذجية، ومن الأساتذة والمعلمين بها كل من الأستاذ حامد دمنهوري، الأستاذ عباس حداوي، الأستاذ عبدالواحد طاشكندي، الأستاذ عبدالحي كمال، الأستاذ محمد سعيد كمال، الأستاذ سعد عبدالواحد مدير تعليم الطائف الأسبق، الأستاذ عبدالرزاق محمد حمزة مستشار وزارة الحج الأسبق، الأستاذ عبدالله فلاته، الأستاذ حسن عباس سندي وغيرهم من أعضاء الكادر التعليمي السعودي أو من الإخوة المتعاقدين من بقية الدول العربية.

الأمير خالد الفيصل ومحمد العبدالله الفيصل في مطعم المدرسة

أبرز طلاب المدرسة
التحق بالمدرسة في عامها الأول الأمراء أشقاء الملك فيصل وهم كل من الأمير ممدوح بن عبدالعزيز، والأمير ثامر بن عبدالعزيز، والأمير مشهور بن عبدالعزيز، وأبناء الملك فيصل كل من الأمير محمد الفيصل، والأمير خالد الفيصل، والأمير سعد الفيصل، والأمير سعود الفيصل، والأمير عبدالرحمن الفيصل، والأمير بندر الفيصل، والأمير تركي الفيصل، والأمير محمد العبدالله الفيصل، والأمير خالد العبدالله الفيصل، والأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز، والأمير عبدالله بن ناصر بن عبدالعزيز، والأمير خالد بن ناصر بن عبدالعزيز، والأمير سعود بن ناصر بن عبدالعزيز، والأمير خالد بن فهد، والأمير سعود بن خالد، وعبدالعزيز الثنيان، وخالد زكي الثنيان، ومنصور الثنيان، ومساعد السديري، وعبدالعزيز السديري، وأحمد السديري، ومشعل السديري، ومحمد عبدالله السديري، وفهد ناصر السديري، وفهد بن معمر، وعبدالقادر كوشك وشقيقه يحيى كوشك وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم.

الأمير سعود الفيصل إلى اليسار وعدد من الأمراء

المناهج والأنشطة
سارت المدرسة في البدء على منهج مدرسة النقراشي المصرية، ثم عدل منهجها إلى المنهج السعودي، وكانت تأخذ بفكرة شمولية التعليم وتكامل المواد الدراسية وتكثيف المناشط اللاصفية وربطها بالمناهج الدراسية، وقد بدأت بالمرحلة التحضيرية نظام أربع سنوات ثم عدلت إلى المرحلة الابتدائية نظام ست سنوات، وقد تميزت بتدريس اللغة الإنجليزية والفرنسية، والأنشطة الرياضية التي لم تعرفها البلاد آنذاك كلعبة تنس الطاولة وسلاح الشيش والكرة الطائرة وكرة السلة وغيرها من الألعاب الأخرى، كما عرفت السينما، والورش التعليمية، وقاعات الرسم والأشغال، والمسرح المدرسي والمعسكرات الكشفية، والرعاية والخدمات الصحية، والرحلات المدرسية وغيرها من الأنشطة.
خدمات مميزة
توفرت للمدرسة جملة من الخدمات التي لا تتوفر لغيرها من المدارس فلقد عرفت مدرسة الطائف النموذجية المقاعد المدرسية في الوقت الذي كانت أغلب المدارس الحكومية بالمملكة آنذاك يفترش طلابها الأرض أو ما يعرف بخصف النخيل أو الحنابل، كما عرفت الزي المدرسي الموحد، والنقل المدرسي، والمكتبة المدرسية، والفصول المثالية التي لا يتجاوز عدد طلابها (20) طالباً، وكذلك المطعم بوجباته الفاخرة، وتطبيق برنامج اليوم الدراسي الكامل، وعرفت أيضاً السكن الداخلي للقادمين من خارج الطائف وغيرها من المزايا العديدة الأخرى.
مصنع للرجال

عدد من الأمراء

لقد خرجت هذه المدارس وعلى امتداد مسيرتها الأولى التي استمرت (14) عاماً بالطائف كوكبة كبيرة من الرجال المميزين ممن تولوا أرفع المناصب القيادية في البلاد وأصبحوا من أهم رجال المال والأعمال في كل ميدان من ميادين العمل والإبداع والعطاء.
مرحلة أخرى من التميز
وبعد انتقال المدرسة عام 1380هـ -1960م إلى مدينة جدة بدأت هناك مرحلة جديدة أخرى من العطاء وأطلت بوجه متطور وباسم يحاكي مرحلتها الجديدة (مدارس الثغر النموذجية) وبصرح معماري فريد بين مدارس المملكة ضم منشآت ضخمة وتجهيزات تم استيرادها خصيصاً من إيطاليا، وأضافت إلى تميزها السابق تميزاً جديداً أهلها لأن تكون في مصاف المؤسسات التعليمية بالمملكة العربية السعودية وليست في جدة وحدها بما طبق بها أيضاً من الأنشطة والبرامج التربوية المميزة، كوجود أحدث المعامل والمختبرات التعليمية وتطبيق الزي المدرسي الموحد، وتدريس الموسيقى، ووجود الوحدات العلاجية، والمرافق والمنشآت الرياضية المتعددة من ملاعب ومسابح وصالات مغلقة، إضافة للرحلات الخارجية للطلاب المتفوقين وغيرها الكثير، إلى جانب ما كان للمدارس من استقلالية مالية وما تلقاه من متابعة مباشرة من الملك فيصل رحمه الله واهتمامه الخاص بزيارتها وتفقدها سنوياً وحضور احتفالها الختامي وقيامه بتكريم المتفوقين دراسياً والمتميزين من طلابها في كافة الأنشطة والفعاليات المدرسية.
كما أصبحت مقصداً لزيارات عدد من رؤساء الدول العربية والإسلامية وأمراء الخليج، وعدد من مشاهير العالم، ووزراء التعليم العرب والأجانب، والوفود الإعلامية الذين اطلعوا على منشآتها وتجهيزاتها الكبيرة وسجلوا إعجابهم بكيفية صناعة وإعداد جيل المستقبل السعودي.

ذو صلة