قبل سنوات ليست بعيدة، كانت الرياض مدينة تَعرف الثقافة من بعيد، تتأملها أكثر مما تعيشها.
كانت الأمسيات الأدبية تنعقد في قاعات صغيرة، والجمهور يقتصر على المهتمين والباحثين، والفعاليات تُعلن على استحياء، وكأنها تُقام في ظلّ زمن يكتفي بما لديه، وكانت الثقافة آنذاك متحفظة، ولها جمهور محدود.
لم تكن الثقافة غائبة، لكنها كانت تتحرك بخطوات هادئة، محكومة بحدود المكان والزمان وغياب المؤسسات المتخصصة.
لكن ما حدث بعد إطلاق رؤية السعودية 2030 لم يكن مجرد توسع في عدد الفعاليات، بل كان تحوّلاً في فلسفة الثقافة نفسها، من نشاط نخبوي إلى أسلوب حياة.
كان المشهد الثقافي قبل الرؤية يقوم في جوهره على المبادرات الفردية، وعلى بعض المؤسسات التي تعمل بإمكانات محدودة.
كانت معارض الكتب والندوات الفكرية والأمسيات الشعرية هي الواجهة الأساسية، وثمّة شيء من المسافة بين الثقافة والمجتمع، فالمثقف كان يتحدث إلى مثقف آخر، والفعاليات تدور في حلقة ضيّقة لا تتخطى حدود المهتمين.
كانت الثقافة حاضرة، ولكن بصوت منخفض.
أما ما بعد الرؤية، حدث انقلاب في المفهوم قبل الشكل. مع انطلاق الرؤية، تغيّر السؤال: لم نعد نسأل ما هي الفعاليات الثقافية؟ بل أصبحنا نسأل: كيف تصبح الثقافة جزءاً من جودة الحياة؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن يفتح أبواباً جديدة:
- تأسيس هيئات متخصصة لكل قطاع ثقافي.
- تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي يُخلق فيه عمل، ويُبنى عليه استثمار.
- توسيع الجمهور ليشمل كل الأعمار والاهتمامات.
- اعتبار الثقافة مساحة للقاء الاجتماعي لا فعالية نخبوية.
لم تعد الثقافة حدثاً، بل أصبحت حضوراً يومياً.
ما بعد الرؤية، حين أسير في الرياض، أشعر بأنها مدينة لا تنام ثقافياً، أشعر بأن المدينة أصبحت متحفاً مفتوحاً، أو بشكل آخر فعاليات ثقافية أخرى.
الفنون في الشوارع، والحفلات الموسيقية، والمعارض، والمواسم المتتابعة، والمسارح التي غابت لفترة طويلة، ولكنها عادت بقوة، ومراكز إبداعية تستقبل الشباب طوال العام، وغيرها.
أصبح (بوليفارد) أكثر من مكان للترفيه، إنه مشهد ثقافي واجتماعي.
بات (موسم الرياض) حدثاً عالمياً بكل ما يحمله من عروض وفنون.
تحوّل (معرض الرياض الدولي للكتاب) إلى احتفال ثقافي يوازي أكبر المعارض عالمياً.
صارت المقاهي الحديثة مساحات للنقاش والإبداع وتواقيع الكتب، وليست مجرد مكان للجلوس.
الرياض تغيّرت، وذائقة الناس تغيّرت معها.
تحوّل الجمهور.. من المتفرّج إلى الشريك.
من أجمل ملامح هذا التطوّر أن الجمهور لم يعد مجرد حضور، بل أصبح فاعلاً في تشكيل المشهد.
ترى الشباب يصنعون محتوى ثقافياً، ويطلقون مبادرات، ويناقشون كتباً في المقاهي، ويشاركون في ورش الفن والموسيقى، ويحضرون المسرحيات والعروض الأدائية بحماس، وغيرها.
أصبحت الثقافة مساحة يلتقي عندها الجميع، الرجل والمرأة، الشاب والطفل، السعودي والمقيم.
ما الذي تعلّمناه من هذا التحول؟
بالنظر إلى ما قبل الرؤية وما بعدها، يمكن القول إن الثقافة في السعودية لم تتغير في الكم فقط، بل في الدور والوظيفة والرسالة.
لم تعد الثقافة (حدثاً موسمياً)، بل مساراً مستمراً، ولم تعد للمهتمين فقط، بل للجمهور العام، ولم تعد نشاطاً محافظاً، بل صناعة حقيقية تفتح أبواباً وفرصاً، ولم تعد حبيسة القاعات، بل جزءاً من الشارع والحياة اليومية.
الرياض اليوم ليست مجرد مدينة كبيرة، إنها مشهد ثقافي متجدد، يتسع لكل لون، ولكل فن، ولكل طاقة شابة تبحث عن مساحة لتقول: أنا هنا.
قد لا ندرك حجم التحول الآن لأننا نعيش في داخله، لكن بعد سنوات سيكون حاضراً في الكتب والدراسات أن فترة ما بعد الرؤية كانت نقطة التحوّل الأكبر في تاريخ الثقافة السعودية، اللحظة التي انتقلت فيها الثقافة من الهامش إلى المركز، ومن الحدث العابر إلى أسلوب حياة يشبه تطلعات هذا الجيل وروحه.