مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

القراءة بين جيلين.. كتاب هادئ وتقني راكض

لم يكن سالم يظن أن علاقته بالقراءة ستتغير يوماً.
كان قارئاً ورقياً خالصاً، لا يكتفي بمتعة المعنى، بل يتلذذ بما يحيط به من طقوس: صوت تقليب الصفحات، رائحة الورق الجديد، وفنجان قهوة يبرد ببطء بينما يطيل التوقف عند جملة أعجبته. كان يؤمن - دون أن يعلن ذلك صراحة - أن القراءة فعل تأمل لا يقبل العجلة، وأن الكتاب لا يُؤخذ على عجل كما تؤخذ الأخبار.
لكن إعلاناً عابراً، ظهر له وهو يتصفح هاتفه بلا قصد، وعده بقراءة كتاب من ثلاثمئة صفحة في سبع دقائق.
ابتسم ساخراً، فالوقت الذي يستغرقه لإصلاح شماغه أطول من هذا الوعد. ومع ذلك، لم يمر الإعلان مرور الكرام. بقي عالقاً في ذهنه، كفكرة خفيفة لا تُزعج لكنها لا تختفي.
قاد الفضول سالم إلى الضغط على الإعلان، لا بدافع الإيمان، بل بدافع الفضول الخالص. وجد نفسه أمام عالم مختلف تماماً: كتب مختصرة تُلخّص الأفكار الكبرى في دقائق، وأخرى تُسمع بصوت مهدّئ كأنها همس، وثالثة تعده بأن تمنحه (جوهر المعرفة) دون عناء التفاصيل.
في البداية، تعامل مع الأمر كاستثناء مؤقت. قال لنفسه: لا بأس أن أجرّب، لن أخسر شيئاً. لكن التجربة لم تتوقف عند كتاب واحد. شيئاً فشيئاً، بدأ يدخل في صراع طريف، صامت، بين ولائه القديم للورق وانجذابه الجديد لسلاسة التقنية.
كان يمسك كتاباً ورقياً بيده اليمنى، ويقرأ مختصره على الهاتف باليسرى، كأنه يعتذر للأول ويستسلم للثاني في الوقت ذاته. يشعر أحياناً بوخزة خفيفة من الذنب، وأحياناً براحة لم يعهدها من قبل. لم يعد مضطراً لانتظار ساعة فراغ طويلة، صار يسمع الكتب أثناء إعداد الشاي، ويتابع الروايات المختصرة قبل قيادة السيارة، بل أصبح كتابه الصوتي رفيقاً ثابتاً عند دخوله النادي.
توسّعت دائرة القراءة، لكن الإيقاع تغيّر.
صار ينهي ثلاثة كتب في أسبوع، وهو رقم لم يبلغه في أفضل أعوامه الورقية. ومع ذلك، لاحظ أمراً لم يستطع تجاهله: بعض الأفكار تمر ولا تسكن. كان يعرف أنه قرأها، لكنه لا يتذكر الجملة التي كانت تجعله يتوقف طويلاً كما كان يفعل سابقاً. لم يكن الأمر خسارة فادحة، لكنه كان أشبه بظل خفيف يرافق متعته الجديدة.
في إحدى المرات، التقى بصديق قديم في مكتبة عامة. سأله الصديق مازحاً:
- ما آخر كتاب قرأته؟
تردد سالم لحظة، ثم ذكر عنواناً. وحين سأله الصديق عن أكثر فكرة أثّرت فيه، اكتشف سالم أنه بحاجة لثوانٍ أطول مما اعتاد ليجيب. لم يكن عاجزاً، لكنه شعر أن العلاقة مع النص لم تعد بنفس العمق القديم. خرج من المكتبة وهو يضحك على نفسه، متسائلاً: هل تغيّرت القراءة، أم تغيّر هو؟
ومع ذلك، لم يشعر بالندم.
فهو يقرأ اليوم أكثر مما كان يقرأ، ويعرف أكثر، ويتنقل بين الأفكار بسهولة لم تكن متاحة له سابقاً. أدرك أن المعرفة لم تتراجع، لكنها تغيّرت في شكلها وسرعتها. صارت أقرب إلى الجري منها إلى الجلوس الطويل، أقرب إلى النفس السريع منها إلى الشهيق العميق.
وحين عاد إلى الكتاب الورقي بعد فترة، فوجئ بشيء أربكه قليلاً: تقليب الصفحة لا يصدر الصوت الذي اعتاد عليه. بقي يقلبها مرة أخرى، ثم أدرك أن الصمت ليس في الورق، بل في ذاكرته التي تعوّدت الإيقاع الجديد. عندها فقط فهم أن التحوّل لم يكن في الوسيلة وحدها، بل في طريقته هو في التلقي.
في نهاية الأمر، اشترى سالم كتاباً ورقياً من المكتبة. حمله باعتزاز، كما كان يفعل دائماً. لكنه لم يمض وقت طويل حتى صوّره بهاتفه، ليحوّله إلى كتاب صوتي يستمع إليه في طريق العودة. ضحك حينها، ضحكة قصيرة صادقة، وكاد يشعر أن الكتاب يبتسم معه، لا سخريةً، بل فهماً.
لقد تغيّر جيل القرّاء.
لا بالتخلي عن القراءة، بل بانتقالها من هدوء الورق إلى سرعة الشاشة. قراءة لا تزال تمنح المعرفة، لكنها تسير اليوم بخطوات أسرع، وربما أكثر توتراً. وبين الورق والصوت والشاشة، يقف القارئ الجديد مثل سالم، لا خاسراً ولا منتصراً، بل متحوّلاً، يتعلّم أن لكل زمن إيقاعه، ولكل قراءة ثمنها ومتعتها.

ذو صلة