مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

(الحرکة الشعریة) للسریحي وإعادة تشكيل أفق التلقي

یمکن أن یقال ویکتب ویدبج الکثير حول منجز راحل کبیر وشاعر ومثقف نقدي علی قدر کبیر من الأهمیة كسعید السريحي. غیر أن أسی المثقف السعودي بوجه خاص وجحم الفقدان لعلم کان وسیظل راکز الإنجاز کالسریحي تختزله عبارات الشاعر والصحفي المثقف السعودي هاشم الجحدلي الذي يری بعین التلمیذ إلی أفق رحیل کهذا فلا یتردد مواسیاً: (ماذا أقول يا سعيد السریحي لرحلة امتدت أكثر من 40 عاماً من الرفقة والتلمذة والزمالة والمشاكسة والتساؤلات وما سأفعله بكل هذه الذكريات والأسرار التي تفوق طاقتي).
من هنا فإن الکتابة حول منجز سعید السريحي النقدي والشعري، بالإضافة إلی ریادته المؤسسية لخیارات دعم وإنماء الثقافة في المملكة، تحتاج إلی رؤية أوسع لبیان الوقوف عند مسارات التجربة وما ترکته من أثر وإثراء وتأثير علی القارئ وعلی حرکة الأدب والإبداع السعودي والعربي إجمالاً. وهو بما نهض في خطابه من التحفيز المعرفي وجدارته قد عمل علی تفكيك البنی والأنساق، ودهشة التلقي والحضور والعطاء والإبداع.
إن أعمال السریحي بنموذج (الحرکة الشعریة) کما عاصرنا صدورها في الیمن وبالخصوص ما یتعلق بذائقة وارتباط جیل التسعینات الذي عد عربیاً بتجاربه ممثلاً لسؤال الحداثة في الشعر الیمني قد استقبل منجز سعید السریحي النقدي بسماته الجدیدة والمواکبة بأسئلتها وجعلها بعضهم أفقاً لخیاراته الثقافیة في التزود الثقافي والمعرفي.
ولعل الحرکة الشعریة من زاویة ورؤية الباحث والناقد السریحي الذي یشابه اسماً وشجرة عائلة بامتداد الأفق الجغرافي: حاضراً في الذاکرة الثقافیة والاجتماعیة لمجتمعنا المحلي.
وما قدمه في هذا الجانب كان مبحثاً مهماً اشتغل من خلاله علی قراءات کاشفة مست عصب بنیة الحداثة الشعریة، وواکبت أسئلتها بوعي الناقد الفذ والمختلف وجسارة المعطی المعرفي والكاتب الخبیر بأدواته وکیمیاء رؤاه وبناه وتفاعلاته الجدیدة في سیاقات عدة لامست تجارب وأجیال، وقارب من خلالها خطاب السریحي سماتها وشعریتها بدهشة حضور نوعي وکتابة أصیلة دون إفراط في مدیح الحداثة الاستهلاکیة الوافدة.
لقد مثل السریحي عنواناً أثيراً ومثيراً ومحفزاً للإبداع بتجاربه المختلفة، کما حفز حواس التلقي لدى کثيرین في السعودیة والیمن وغیرها من البلدان العربیة الأخری.
وتعریجاً علی موازنته بین النقدي والشعري وریادته المؤسسة لخیارات دعم وإنماء الثقافة في الجزيرة العربیة والخلیج بوجه أخص، فقد مثلت تجربة السریحي مساراً لافتاً للتجدید العربي في مجاله.
يشكل منجز السريحي النقدي والشعري بالفعل إحدى العلامات البارزة في مسار الحداثة الأدبية في الجزيرة العربية، لا لكونه ناقداً فحسب يقرأ النصوص. فدوره یتعدی ذلك لیجاوز کونه فاعلاً ثقافياً أسهم في إعادة تشكيل أفق التلقي، وتوسيع مفهوم الخطاب الأدبي، وإعادة مساءلة المسلمات الجمالية والمعرفية في المشهد السعودي کما في السياق العربي المعاصر.
كانت لدی السریحي ویبدو ذلك من کتاباته قناعة عميقة أن النقد ليس بالضرورة أن یکون تابعاً للإبداع، ولعله قد تساءل: ما الإضافة إذا لم یبرز النقد شریکاً أساسیاً لصناعة المعنى في الفن. وهو ما مثل مدخلاً لدی السریحي للکتابة. لهذا جاءت كتاباته مؤسسة على وعي نظري وتطبیقي يستند إلى أدوات تحليلية حديثة، دونما انفصالات عن خصوصية سياقه المحلي الثقافي وتجاربه.
حضر اشتغاله على تفكيك بنية الخطاب الشعري، واستنطاق تحولاته کسمة ونزوع لإنتاج قیمة في الأدب ومقاربة أجناسه المتعددة. مستحضراً أسئلة الحداثة كمشروع ونافذة مشرعة علی الهواء والاصطلاحات والتجارب الجدیدة والمتجاورة. فلم يكن یری الحداثة كقطيعة شكلية مع التراث. کما لم يكن خطابه النقدي تقريرياً أو تعليمياً، أو مسایراً لموجات أتى بعضها من بيئات (سلف متشدد) بقدر ما تقاطع خطابه وتمرد فناً ورؤية اختارت أحياناً عزلتها في التأمل الفلسفي المصحوب بالحساسية الجمالية، مستعیداً نضارة النص بنص نقدي مواز له في الإبداع والجرأة حداً جعله مختلفاً في صوته، جسوراً في طرحه، متحرراً من الإملاءات الأيديولوجية الضيقة.
أعد کتابه أو بحثه الوازن الذي عنونه بـ(الحركة الشعرية) مشروعاً كاشفاً. ولعله یعد کذلك في المملكة من أبرز أعماله المرجعیة المؤسسة، حيث قدم من خلاله قراءة تحليلية لبنية الحداثة الشعرية في السعودية، متتبعاً تحولات القصيدة من الإطار التقليدي إلى أفق التجريب. فلم يتعاط السريحي مع (الحركة الشعرية) كتوثيق تاريخي، أراد له أن ینعکس في صورة تأثيره کظاهرة ثقافية تحیطها تحولات المجتمع بتفاعلاته المختلفة باطراد، کما لوحظت اهتماماته بالتعليم، والإعلام، وفضاءات النشر. وكشف عن تفاعلات الأجيال، وعن جداول الإبداع بالتوازي مع جدل المركز والهامش، وما استتبع ذلك من صراعات جمالية واكبت نشوء القصيدة الحديثة.
كان قارئاً للتجارب والنصوص کمرايا صقیلة وعاکسة لوعي محفز وإبداع ناهض أخذ يتشكل، لا کمحض نصوص معزولة عن شروط إنتاجها وبيئتها. حیث قدم السريحي نموذجاً نقدياً يتجاوز الانطباعية، ليؤسس لما يمكن تسميته بـ(النقد المعرفي)، تتداخل ضمنه الأدوات البنيوية مع الحدس والحس التاريخي، وتتفاعل القراءة مع سؤال الهوية والتحولات والتناقضات المحیطة بها أحياناً.
أفق الثقافة وتحفيز الوعي
لم تتوقف مساهمة السریحي عند حدود الكتابة؛ فقد كان حاضراً في المشهد الثقافي عبر الندوات، والمقالات الصحفية، والإشراف على البرامج الثقافية، مساهماً في تحفيز النقاش العام حول الأدب والحداثة. ذلك أنه استطاع بمهارة المثقف والأدیب الألمعي أن یدیر الحوار الثقافي والفعالیات في أوج حضورها ومساراتها التفاعلیة وبروح منفتحة أخذت بدأب تربط جسور الإبداع والتجارب ببعضها، کحاضنة للاختلاف، ومشجّعاً الأصوات الجديدة، متیحاً فضاء وارفاً للنقاش الحر حول معنى الشعر ووظيفته.
لقد كان حضور سعید السریحي في السعودية واليمن، وفي غيرهما من البلدان العربية، حضوراً مؤثراً، کما وجد الكثير من الكتاب الشباب من أجیال مختلفة ومتجاورة في خطابه النقدي حافزاً ملهماً لإعادة النظر في أدواتهم وأسئلتهم وتحسین شروط الإبداع من خلال أقلام کهذه أو تلك وأثرها. ولم يكن السریحي يفرض نموذجاً جاهزاً، إلا ليثير من خلاله أسئلة الإبداع والفنون المختلفة. تارکاً الباب مفتوحاً أمام التجريب ومغامراته الواعدة.
السریحي المختلف وكيمياء المعرفة
ما میز ویميز خطاب السريحي هو تلك (الكيمياء) الخاصة التي تمزج بين العمق النظري واللغة الرشيقة، فهو لا يغرق في المصطلح، ولا يسطّح المفهوم؛ ويؤثر دوماً في کتاباته عدم الإغماض، ما جعل منها توازناً بعیداً عن الخلط المعرفي وارتباك المصطلح أحياناً. وهنا تكمن جدارة خطابه ومنجزه النقدي إبان عملیة التلقي.
فلقد استطاع أن يعبر أکثر من ضفة لیضفي علی خطابه العمق والجدة المستبصرة ناقداً خبيراً بأدواته، وفي الآن ذاته فقد ظل قريباً في جل معطی ما قدمه من طبیعة ومزاج القارئ ذائقة الباحث المتخصص معاً.
إن دهشة الحضور التي أحدثها السریحي لا تعود فقط إلى ما راکمته تجربته فحسب ولکن جرأة الطرح وهدوئه معاً في کتابته، جعله اقترانها واضحاً بصدق الرؤية. ووضوح الحداثة أیضاً کسؤال ملح في بیان سطوره وعباراته، مجسداً بذلك بعداً أخلاقياً ومعرفياً تجسد عیاناً کموقف عند تناوله الحداثة کمعطی نظري وتمثلات قیمة. لم یقارب السریحي الحداثة الغربیة مثلاً بنظرة الاندهاش أو التلقي العابر في استهلاکیته کعادة کثيرین. لكنه ساءلها برؤيته ولم یقحم ذلك کمجرد تقنية أسلوبية بغایة التظاهر اللفظي. من هنا غدا اسمه عنواناً أثيراً وقیمة ثقافیة أصیلة في فضاءات الحوار الثقافي والإبداع العربي والمحلي.

ذو صلة