تنذر الوقائع العالمية الحالية بأننا على أعتاب تحوّلات كبرى على المستوى العالمي، وعلى رأسها الصراع الروسي-الأوكراني، الذي يُعَدّ امتدادًا للصراع على محاولة إلغاء أحادية القطب الأمريكي للعالم. ومن ثمّ، فإن صراعات قد تبدو محلية إلا أنها تضرب بسهمٍ في الصراع على قطبية العالم، من ذلك الصراع الصيني-التايواني، والفلسطيني-الإسرائيلي، والإيراني-الإسرائيلي، والحرب الأهلية السودانية، والمواجهة الأمريكية-الفنزويلية، وصراع كوريا الشمالية والجنوبية، وصراع جمهورية الكونغو الديمقراطية، والهند وباكستان.
هذه الصراعات، وفق ما ستؤول إليه من مكاسب وخسائر، سوف تحدد شكل النظام العالمي الجديد في العقد المقبل.
ولكن ثمة عاملاً متغيراً جديداً، يتمثل في وجود تأثير يصاحب هذه الصراعات داخل دول العالم التي قد لا تكون معنية بها بشكل مباشر، وعلى رأسها دول العالم العربي، ألا وهو الرأي العام ووجهة نظر المواطن تجاه هذه القضايا، خصوصاً في ظل متغيرات العصر، وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت موجِّهاً رئيساً وفاعلاً في تكوين الرأي العام لدى المواطنين عامة، ولدى الأجيال الجديدة خاصة.
ومن ثم، فإن فاعلية الأجيال الجديدة في الممارسة السياسية، أو في توجيه صانع القرار وتحديد أطر الأمن والأمان للدول العربية، هي فاعلية تحتاج إلى تحليل دقيق وتأمل عميق لمتغيراتها، التي تختلف عن كل السوابق التاريخية في مسيرة البشر، نظراً للتطور التكنولوجي غير المسبوق.
لتوضيح أهمية ذلك نضرب مثالًا بموقف الجيل الجديد - خصوصاً أنه الأكثر التصاقاً بالتكنولوجيا - من الصراع الروسي-الأوكراني، وتأثيره على العلاقات الخارجية لأي دولة في العالم، لتوضيح ذلك لو افترضنا أن الموقف الرسمي لدولة ما هو المسافة الواحدة من قطبي الصراع دون انحياز لإحداهما، ثم جاءت إحصائيات مواقع التواصل الاجتماعي داخل هذه الدولة بأن مواطنيها منحازون لطرف ما، فإن هذا يمثل إحراجاً للموقف الرسمي للدولة، كما أن الدول الأخرى تضع في حسبانها الرأي العام الإلكتروني عبر منصات التواصل الاجتماعي في القضايا محل التفاوض أو محل الاتفاق والتعاون المشترك بين الدول وبعضها بعضاً، وهذا الفضاء الإلكتروني، الفاعل الرئيس فيه هم فئة الشباب الذين ربما يكونون بعيدين عن المناصب السياسية، أو عن الممارسة السياسية المباشرة في أرض الواقع، لكن مع ذلك فإنهم عبر مساحات الفضاءات الإلكترونية المتاحة لهم والتي يجيدون استخدامها أكثر من الأجيال التي هي في موقع المسؤولية واتخاذ القرار حالياً، هم بهذه الكيفية عنصر مهم في العملية السياسية، لهم دورهم في التأثير على المنحى السياسي العربي والعالمي بشكل ربما هم أنفسهم لا يدركون مقدار أهميته وخطورته، ومن ثمَّ فإن ظاهرة الأجيال الجديدة لها تأثيراتها الكبيرة على أي محاولة للتحليل السياسي سواء لأي وضع قائم، أو استشراف مستقبلي.
عندما ننظر لعملية التحليل السياسي على أنها تلك التي تهدف إلى (.. فهم وإدراك أفضل خيارات التعامل مع الوقائع والظواهر والأحداث المتصلة بالعالم الذي يعيش فيه الأفراد ويتعاملون ويتأثرون معه في أي شكل من أشكال التعامل والتفاعل السياسي)، فإن هذا الفهم يستلزم أن يضع في حسبانه قضية الأجيال الجديدة ومتغيرات العصر، لكن هذا الفهم يحتاج أيضاً منا إلى معرفة عنصر مهم من عناصر التحليل السياسي، ألا وهو عنصر النفوذ، والجانب الذي أطرحه هنا هو النفوذ الأيديولوجي، فإذا ما كان ديفيد وولش قد رأى منذ خمسينات القرن الماضي أن البشرية قد تجاوزت مرحلة الأيديولوجية، وهي المرحلة التي بتنا ننظر إليها على أنها مرحلة ما بعد الحداثة، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار خلق الأيديولوجيا كل يوم، ففي كل المجتمعات الصغيرة والكبيرة يتم بشكل يومي خلق أيديولوجيا خاصة، لكن بما أنها لم تصل إلى حد التأثير الكبير مثل الأيديولوجيات السياسية السابقة، فلم ينتبه أحد لخطورتها، ذلك أن الأيديولوجيا تهدد بخطر الانزلاق إلى الابتعاد عن الفكر الموضوعي. يقول عبدالله العروي: (نقول إن فلاناً ينظر إلى الأشياء نظرة أيديولوجية. نعني أنه يتخير الأشياء ويؤول الوقائع بكيفية تظهرها دائماً مطابقة لما يعتقد أنه الحق. يتعارض الفكر الأيديولوجي مع الفكر الموضوعي الذي يخضع للمحيط الخارجي فيتشبع بقوانينه). والمشكلة التي تهدد أجيال الشباب المعاصر هي أنه يتعامل مع عناصر تكنولوجية تسهّل أدواتها خلق وهدم العديد من الأيديولوجيات لمن يمكنه إتقان أدواتها.
لقد مَكَّنَت أدوات التكنولوجيا المعاصرة من تحقيق طَفَراتٍ عملية لم تكن متاحةً سواء للأفراد أو للمؤسسات أو الدول، والمشكلة الجوهرية أن هذا التمكين يأتي في كلٍّ من الجانبين: الخيِّر والشرير، على سبيل المثال، في إتاحة المعرفة، وتحقيق القمع في وقت واحد، في وصول الرأي إلى أكبر جمهور ممكن، وفي تتبع قائل الرأي ومعرفة موقعه. يقول طارق القزق: (مع استبعاد العلوم الإنسانية والفلسفة والدين تُستبعد معها الأخلاق وتظهر النفعية والإرادة، فأصبح الإنسان يتحكم في أخيه الإنسان باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وأصبح من السهل تتبّعه ورقابته، فلم يصبح الإنسان يخاف من الطبيعة، بل أصبح يخاف من التكنولوجيا ومخاطرها ومحاطاً بالكاميرات في كل مكان، ويتم رصد حركاته كافة، وأصبحت التقنية تتحكم فيه وفي تفكيره، وانتشرت الخرافات واللاعقلانية معها بدلاً من العقلانية، وأصبحت العلاقات الإنسانية مادية فقط وفاقدة للروح والعاطفة، وتحولت إلى علاقات قائمة على تبادل المنفعة والمصلحة، وأصبحت الدولة - كما ذكرنا في السابق - هي الإله، ظهر ذلك في الصين باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وزادت من سلطوية الدولة على الإنسان والتحكم في تفكيره وتوجيهه ومراقبة سلوكه، وفي الغرب أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت تُستخدم لتتبّع رأس المال.
كل ذلك يجعلنا نقول إن عنصر المتغير التكنولوجي من ناحية، وعنصر انزياح الفلسفات والقيم الإنسانية وغلبة النفعية والمادية والنظرة المشوَّهة لإدراك الواقع، والتنامي الحاد في الإمكانات التي أصبحت متاحةً لكلٍّ من: جيل الشباب، ومؤسسات الدولة في التأطير السياسي، أضف إلى ذلك ارتفاع سقف الطموح المالي، وحالة المقارنة في الأوضاع المعيشية التي خلقتها مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن إمكانية تزييف الوعي عبر الذباب الإلكتروني والحسابات الوهمية، والتريندات غير الحقيقية، كلّ ذلك يجعلنا نقول إننا أمام خطر حقيقي يهدد المستقبل السياسي للدول العربية، خصوصاً أن شباب الدول العربية ليس فاعلاً في الإنتاج التكنولوجي والبرمجي مثل شباب الدول الغربية، كما أنه غير مدرك بعد لإمكانية استغلاله واستغلال توجيهه والتحكم به عبر العلوم السيبرانية، خصوصاً في ظل تناقض مساحات الحرية بين الدول المصنِّعة لمنصات التواصل الاجتماعي، والدول المستقبلة والمستهلكة، واختلاف منظومات القيم، كل ذلك يجعلنا نتساءل: ترى كيف سيكون الشكل السياسي كمفهوم وممارسة في العقد المقبل عندما تختفي من المشهد فئة الفاعلين الحاليين الذين جمعوا بين عصري التكنولوجيا التقليدية والتكنولوجيا الرقمية، ليصبح الأمر بيد فئة الشباب الحالية التي نشأت في حضن الرقمية التكنولوجية، ولا نعرف ماذا يمكن أن يكون مستقبلاً في المجال التكنولوجي، لكن نعرف أنهم يعتمدون عليها ويثقون فيها، وغير مدركين لمخاطرها أو لتحذيرات الكبار منها بشكل جدي.
السيناريو هنا يشير إلى مزيد من التحديات التي قد تقلب المفاهيم، ففي العقد المقبل - إن لم يكن ذلك واقعاً فعلياً ونحن لا ننتبه لخطورته بعد - ستكون صفحة المرشح السياسي على موقع التواصل الاجتماعي أهم من اجتماعاته مع الناس في أرض الواقع، ستكون المجموعات (القروبات) والصفحات أهم من الأحزاب والفئات النقابية، سيزداد نفوذ الدول المهتمة بالإنترنت وبتوعية شبابها في استخدامه وإتاحته، عن الدول التي ستغرق في مزيد من الصراعات، إذ يبدو أن الدول غير المستقرة حالياً ستغرق في مزيد من الفوضى في الفترة القادمة، والدول المستقرة حالياً التي سابقت الزمن في تأسيس بنية ووعي تكنولوجي ستكون أكثر نفوذاً وتأثيراً في قرارات الدول المجاورة لها عن غيرها، أما الدول التي تقع في مرحلة وسيطة فسيواجهها مستقبل صعب من التحديات، بيد أنه يبدو أن تغيير النظام العالمي الحالي، ووجود نظام عالمي متعدد الأقطاب هو حتمية تاريخية يتحرك العالم باتجاهها الآن، وفي هذه الحتمية فإنه سيحدث إعادة ترتيب لنفوذ وأهمية كثير من الدول العربية، وجانب من المتغيرات التي ستؤخذ في الحسبان هي الأجيال الجديدة، وهل سيكون توظيف واستخدام التكنولوجيا في هذه البلدان لمصلحة الدولة الوطنية، أم ستؤدي محاولات التلاعب بالوعي الجمعي إلى توجّه المواطنين إلى ما يضرهم ويضر بمصلحتهم الوطنية؟ من الضروري الإعداد الجيد من الآن فكرياً وتقنياً لتجنب النواحي السيئة لمزالق هذه السيناريوهات في المستقبل.