مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الكاريكاتير.. رسالة عاجلة لمن يهمه الأمر

إن أبلغ من وصفه وعَرّفه هو (هنري برجسون)، بقوله: (إنه رصد الاعوجاج والتشوه الموجود في الطبيعة، وذلك مِنْ خلال التضخيم لجعله مرئياً لكل الناس).
وقد جاء في تعريف الكاريكاتير الكثير من الآراء والتحليلات التي تبيح الاعتراف به، إذ قيل عنه: بأنه (خطاب نقدي يواكب الحدث، ويرصد حركة الناس والمجتمع، وإنه الفن اللطيف، وهو النكتة المرسومة، ووِصفَ بسوط الصحافة الناعم، والخطاب المشاكس، وخصم الفاسدين، وسُمّي المضحك المبكي، والابتسامة الصفراء، وغير ذلك كثير).
ومهما قيل عن الكاريكاتير، فهو دون ريب علم وثقافة وفن لاذع باتفاق الجميع، إذ هو علم يحتاج إلى كثير من القراءة والاطلاع الواسع لفضح الانحراف، وكشف الأخطاء بكلام موجز، وفن يحتاج إلى حرفية راقية، وخطوط إبداعية، وبديهة متقدة، ورشاقة عالية لمواكبة الأحداث، وإيصال الرسالة بإشارات بسيطة وتعبير مميز. وقد عُرِف فنّ الكاريكاتير منذ بداية القرن التاسع عشر كأحد أركان العمل الصحفي، ومنذ ذلك الحين وهو يلعب دوراً كبيراً في تحريض القارئ، وتوجيهه لرفض الظواهر السلبية التي يقترفها العامة والخاصة، ويؤثّر بشكل مباشر وسريع في معالجة بعض الأخطاء، وفي تصويب الانحرافات في مختلف جوانب الحياة، نظراً لشعبيته الكبيرة والمتزايدة، وسهولة فهمه، ولأنّ طيفاً واسعاً من الجمهور يعتبره طرفة راقية، أو فسحة ترويحية للقارئ، مما يجعله مهوى أنظار القراء، ولسان حالهم بمختلف مستوياتهم العلمية والوظيفية وانتمائهم الفكري.
ويبالغ بعض أنصار هذا الفن ومحبّيه باعتباره أهم الفنون الصحفية على الإطلاق، إذ يجدون فيه جرأة ذكية، وحليفاً مخلِصاً للخبر الصحفي، وخصماً عنيداً للأخطاء والأزمات في مختلف جوانب الحياة العامة، والتي تحدث من خلال التحايل على المسكوت عنه، والالتفاف على الخطوط الحمراء. في حين يراه البعض الآخر أنه مجرّد لوحات ساخرة للإضحاك والتسلية والتنفيس وامتصاص الغضب، وما هو إلا صرخة في وادٍ سحيق، لا يسمعها أصحاب القرار ولا من يهمهم الأمر، وهو أشبه برصاص طائش يزعج دون أن يصيب هدفه، كما أنه لا يحرّك ساكناً على أرض الواقع.
وتتجلّى العلاقة التعاقدية للضحك في اللوحة الكاريكاتيرية بوضوح بين طرفيها (المحرّض والمتلقّي)، حين يلجأ الفنان المحرّض إلى أساليب متعدّدة لإثارة المُتلقّي، بأشكال مختلفة تفرضها عليه الفطرة والموهبة والاختصاص والقدرات، لأنّ عملية الإضحاك فن تخصّصي يحتاج إلى رشاقة نفسية، وإلى حِرَفية وأحاسيس مرهفة، وإلى موهبة ذكية يجري صقلها بالعلم والمعرفة والاندماج الاجتماعي، لالتقاط الحركة المُعبِّرة، والأثر السلبي للخلل، وردّة الفعل على الضحية. ولذلك تتعدّد أدوات الإضحاك وقنواتها، حيث تبدأ بالتمثيل السينمائي والمسرحي والرسم والكتابة الساخرة، وتنتهي بالنكتة والطرفة العفوية الجماهيرية المتداولة في البيت والشارع والعمل والمدرسة، والتي لا يحدّها زمن ولا تخضع لتخطيط مسبق. ويبقى الكاريكاتير هو أرقى أشكال النكتة الراقية الموجّهة، حيث تحمل في طيّاتها دلالات ساخرة ونقداً صريحاً، وذلك من خلال تضخيمه لظواهر سلبية، وممارسات مغلوطة، وسلوكيات غريبة، وقرارات خاطئة في الحياة العامة، تمسّ مختلف الصُعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وقد تجلّتْ أهمية الكاريكاتير، واتّسعتْ قاعدة جمهوره في نهاية القرن التاسع عشر مع تمدّد الوعي الفكري واتِّساع الفضاء الثقافي في معظم بلدان العالم، ومع انتشار الصحف وتعدّد وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وتفتّح قدرات رسامي الكاريكاتير على التعبير عن مختلف هموم الناس وقضايا المجتمع، وتمرّس الفنانين في التحايل على مقصّات الرقابة وأعينها للوصول إلى الهدف أو قريباً منه، ومع رغبة الفنانين الجادة في مشاركة الناس همومهم وآلامهم، وتحريرهم مِن جدّية الواقع المؤلم، وضغوط المعيشة القاسية، ومغامرات الساسة، وإعادة الحركة لرتابة الحياة المملة عن طريق السخرية واللامبالاة، ولهذا كله أطلق البعض على الكاريكاتير وصف الفن المراوغ.
ومثلما تختلف طريقة التعبير من فنان إلى آخر، فإن طريقة الفهم والتحليل للوحة الكاريكاتير تختلف من شريحة اجتماعية إلى أخرى بمقدار وعيهم وفهمهم لها، ولهذا قيل لكل فئة فنانها. ولأن الضحك والسخرية هما العلاج السحري لاستعادة الصحة، وسلاح مرخّص للدفاع عن حقوق الناس، ومحاربة الخطأ والفساد بين الناس، فقد اكتسب شعبية وجماهيرية واسعة، مما جعل الصحف ووسائل الإعلام توليه اهتماماً عالياً، وتخصّه بموقع متميّز على صفحاتها، وتشجّع الروّاد والموهوبين على إنتاج الغرائبي والمبتكر والجريء والمقنّع مِنَ اللقطات الساخرة، والحوارات المفخّخة.
وتُعَدّ السخرية حالة قائمة منذ بدء الخليقة، وهي توأم الجدية، وشكل مِنْ أشكال التعبير الإنساني، وهي وليدة السخط والامتعاض والاحتجاج والرفض لبعض مظاهر الحياة اليومية المُستنكرة، والسلوك الإنساني الطارئ المنحرف، كما يراها البعض علامة فارقة لفردٍ أو جماعة، وسِمة اجتماعية إنسانية تُميّز مجتمعاً عن غيره. وإذا ما تتبعنا خارطة السخرية نرصد ندرةً لوجودها في المجتمعات الحارة، وفي البادية، وفي أروقة السياسة والمال والأعمال، أمّا عدالتها فتتوزّع بين البلدان الغنية والفقيرة، وتنتشر في الجهات الأربع بكلِّ اللغات.
أما في العصر الحديث، فقد بدأ ظهور الكاريكاتير منذ أوائل القرن السابع عشر في هولندا لـ(جورج توتسهند)، ثم ظهر في إنجلترا بوضوح على يد (وليم هوجارت)، وفي إيطاليا عُرِف مِن خلال (جيروم بوش). وقد عزا البعض ظهور الكاريكاتير إلى الفنان الشهير (ليوناردو دافنشي)، وتأخّر ظهوره في فرنسا إلى قبيل القرن التاسع عشر وكان أشهر أعلامه آنذاك (شارل نيليبون)، ولم يُعرف في أمريكا بشكله الكامل في الصحف والكتب ووسائل الإعلام حتى بداية القرن العشرين. وقد تميّز في هذا الفن الساخر عالمياً الألماني (كابروت)، لينتشر بعدها في دول أوروبا الأخرى في أوقات متفاوتة.
أمّا في العالم العربي، فكانت البداية مع (يقعوب صنّوع) والرسام (رضا) في مصر، وبرزت لاحقاً أسماء كثيرة في هذا المجال، ثمّ تميّز آخرون، مثل: (صاروخان) الأرمني، والألماني (سانتيز)، و(رفقي) التركي. كما نذكر مِنَ الأعلام الفرسان: (صلاح جاهين، وجورج بهجوري، وبهجت عثمان، ومصطفى حسين)، ومن فلسطين ناجي العلي ورائد خليل، ومن سوريا علي فرزات والشمَّاع والمارديني وكحالة، واحتلت لبنان مركزاً متقدّماً أتاحه لها مناخ الحرية والانفتاح السائد فيها، وبرز فيها خليل الأشقر، ونذكر أيضاً حبيب والليبي والزواوي، وفي المملكة العربية السعودية عُرِف الفنان الرائد الخرجي، والأشهر الهليل، وأبدع آخرون مثل: القحيص وربيع وغيرهم. ولم تتأخّر الدول العربية الأخرى كالعراق ودول الخليج وبلدان المغرب العربي عن تقديم كوكبة من المبدعين.
وكان الإنسان هو المعني الأول في اللوحة الكاريكاتيرية مهما تنوعت موضوعاتها، وهو الخصم والحكم، ولم يغض الفنانون الطرف عن أخطاء أي من الشرائح والمستويات العلمية والعملية والاجتماعية كافة، ومن مختلف الأعمار ذكوراً وإناثاً، وكان للمرأة النصيب الأوفر من النقد والتشريح واللوم، وقد ساهم هذا التمادي الذكوري في دفع المرأة إلى دخول مضمار الفن الكاريكاتوري في وقت متأخِّر للدفاع عن بنات جنسها، فبرزت أسماء مهمة في هذا المجال، ولعلّ أبرزهن: (أميّة جحا، ومنال مغني، وملك سليمان، وغيرهن).
ونختم بالإشارة إلى أن اللوحة الكاريكاتيرية هي في النهاية عمل إبداعي مؤثّر، وإشارة تحذير، ورسالة عاجلة لمن يهمّه الأمر، وهي أداة بناء وتوعية وتثقيف، وليست للهدم والتفرقة، ولا تهدف لبثّ الفضائح ونشر الشائعات. وأمام انتشار هذا الفن الخفيف وازدياد عدد عشّاقه، فقد أصبحت قراءة اللوحة الكاريكاتيرية أكثر عمقاً ونضجاً، واجتهد فرسانه في تعرية الخاطئ، ورسم ملامح الضحايا وعمق جراحهم، كي يضمنوا وصول أنينهم إلى مسامع أصحاب القرار.

ذو صلة