لعل هذا النص لا يكون تاريخياً فحسب، بل محاولة لتضمين ما يمكن أن نتوجه به إلى المستقبل باستكشاف كوامن جديدة في النص التراثي، حتى ذلك الذي سبق أن حُقِقَ ودُرِسَ منذ سنوات، أي استقراء النص من محور جديد لم يُتَوَصل إليه عند نشر البحث للمرة الأولى. وهكذا يكون علينا أن نُخضِع النصوص التراثية إلى قراءات بحثية مستمرة. بما يمكن أن يؤسّس لبنية متماسكة في تاريخ العلوم العربية، تلك التي لم تنل من الاهتمام ما تستحقه من جمهور وأعلام التراثيين الذين انصبَّتْ جهودهم بشكل كبير وأساسي على فروع أخرى من التراث.شَكَّلَتْ المياه بكل أبعادها موضوعاً تراثياً واسع الطيف، فبحث وكتب في مسائلها ثلةٌ من العلماء والمهندسين (جابر بن حيان ثم الكندي ثم الكرجي والبيروني..) واللغويين والأدباء والفقهاء (ابن الأعرابي، ابن دريد الأزدي، أبي علي القالي، أبي منصور الثعالبي..)، وكذلك فريقٌ من المخترعين (أولاد موسى بن شاكر)، وكان ثمة مجموعة من الموسوعيين (ابن سينا في موسوعة الشفاء، ورسائل إخوان الصفا). ولا ننسى ما ذُكر عن (المياه جغرافياً أو مناخياً أو هندسياً) في السياقات التاريخية والبلدانية، وكذلك في كتب الرحلات، لا سيما المؤلفات التي اهتمت بالتأريخ لمدينة معينة أو إقليم معين (تاريخ مكة للأزرقي- الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة لابن شداد- سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس للقيمي..). ورد في مثل هذه النصوص تأريخ للمنشآت المائية وتوصيف لمسارات الأنهار ومصادر المياه في مدينة معينة أو منطقة محددة، وقد توصلتْ بعضٌ من هذه التوصيفات إلى إحاطة هندسية أو معمارية بما يُمَكِّنُ من إدراجها نصوصاً مهمة في تاريخ الهيدرولوجيا أو الإنشاء الهندسي أو على الأقل بوصفها نصوصاً داعمةً لنواحٍ من تاريخ الهندسة، فقد كان وصف ابن شداد لشبكة قنوات حلب في القرن السابع الهجري دقيقاً بحيث أمكنَ رسم الشبكة المائية وتنزيلها على خارطة المدينة. شَكَّلَ هذا التشابك والتراكم بنيةً نصوصية متينة في تاريخ العلوم العربية: الهيدرولوجيا وهندسة المياه الجوفية والترمونولوجيا فيما يخص مصطلحات المياه (علم المصطلحات)، وكذلك الجانب الفقهي والتشريعي المائي، وقد كان له مساحته المُهِمَّة من التفاعل مع قضايا المياه؛ كونه قنن علاقة المجتمع بمصادر المياه في تداعٍ مبكر لما يسمى في الوقت الحاضر (مشكلة المياه).البعد الهيدرولوجي والجاذبية الأرضيةأقدم نص مائي عربي وصلنا سجلته رسائلُ جابر بن حيان في القرن الهجري الثاني، حيث كانت بغداد تتأهب لتغدو مركزاً عالمياً للترجمة والإنتاج العلمي والفكري. تحدث جابر عن (تحولات عنصر الماء) و(كيف تكوَّن الماء؟) و(ظاهرة التكاثف). كما حلل بعض الظواهر الهيدرولوجية كالغيم والمطر والمياه الجوفية. أما النصُ المائي التالي فكان ترمونولوجياً لابن الأعرابي في (كتاب البئر)، حيث يُعتبَر أقدم تأسيس في التقصي المعجمي المعنوي بما يخص الماء والآبار، وهو من النصوص التراثية ذات الطاقات الكامنة القابلة للانفتاح قراءة وتوظيفاً. وحين أطلَّ القرنُ الهجري الثالث ظهرت النصوصُ الهيدرولوجية بحضور علمي جَليّ عند الكندي، فكان من أهم الأفكار المائية التي أوردها (أن الماء لا يتحول في الكون دفعة واحدة فيصير هواءً، بل أجزاء منه تصير هواءً، وأن «حركة الأرض والماء المكانية الطبيعية هي إلى وسط الكل»)، وهذه العبارة توحي بالمركز أي مركز الأرض الذي هو مركز العناصر جميعاً، وإن حركة الماء والأرض توحي بتحسس مبكر لفكرة مركز ثقل الأرض. ونجد في رسالة الكندي (في العلة الفاعلة للمد والجزر)؛ اكتشافه للدورة الهيدرولوجية. وذكره عناصرها بالشكل المعروف حالياً: التبخر- التكاثف- الهطل- الجريان أو الانتقال. كما يشير بشكل واضح إلى دورية هذه الحوادث بقوله: «دائماً بهذا الدور أبداً ما بقي العالم». وفي مرحلة تالية يأتي كتاب (وصف المطر والسحاب) لابن دريد الأزدي نصاً مائياً ميترولوجياً (الأرصاد الجوية) مبكراً ونوعياً على مستوى العالم.في مطلع القرن الرابع الهجري ظهرت أهم النصوص في تاريخ علم المياه العربي: كتاب إنباط المياه الخفية للكرجي المتخصص في (هندسة المياه الجوفية Underground Water Engineering)، فكان من أهم معطيات هذا الكتاب تحليله عدداً من الحركات التي تحدث في الأرض كالسقوط والانهدام بتأثير المركز، وانتقال المياه، وحركة الأجزاء الترابية الدقيقة، وحركة القارات. وإنَّ عبارة «أن الحركة تجري بتأثير المركز» لهي تحسس مبكر جداً لمبدأ الجاذبية الأرضية ومتابعة أكثر اتساعاً وتخصصاً لما أورده الكندي، ولعله الإرهاص العلمي العربي السابق لكشف نيوتن وقانونه في القرن السابع عشر الميلادي، وهو ما تحاشى ذكرَهُ تاريخُ العلوم في الغرب.البُعد الترمونولوجي Terminology المائي(كتاب البئر) لابن الأعرابي أقدم نص تراثي معجمي، وثمة بضع نقاط يُمكن الإشارة إليها في هذا الحقل المعرفي، أولاها، أن اللغة العربية بسياقاتها التاريخية وتجلياتها النوعية، بقيت مساحتها وأعماقها أكبر بكثير من الحدود الحديثة التي رُسِمَتْ ووُضِعَتْ لتعريف اللغة، فاللغة العربية لم تكن مجرد أوعية حمَّالة لنوع من المعارف، بل شَكَّلَتْ مصدراً مُولِّدَاً للمعرفة وحاوية شاملة لها.ثاني هذه النقاط تتعلق بالطريقة المعاصرة في الفصل الحادّ ما بين الحقول العلمية والأدبية، وداخل كل منها فروع جزئية قد يصل التخصص فيها إلى حدود ضيقة جداً. ولستُ هنا بصدد التعمق في نقد هذه المسألة، وإنما حسبي الإشارة إلى طبيعة هذا المنهج المعاصر التي رمَتْ إلى محاصرة الاهتمام والتعمق في مساحة علمية محدودة تحت عنوان: الاختصاص. وعَودٌ على بدء، لم يكن التضييق في الاختصاص أمراً وارداً في الحالة المعرفية التاريخية العربية، فغالباً ما نكون أمام حالات تتسع للعلم والأدب بكفاءة متوازنة.ثالثةُ هذه النقاط تتعلق بالتصنيفات المعاصرة للمخطوطات العربية، ولعلها كانت طريقة متخشبة خضعت لتعريفات الأدباء واللغويين العرب المعاصرين الذين كانوا من أوائل مَنْ وضع هذه التصنيفات لموضوعات المخطوطات، فلم يشارك ذوو الخلفيات العلمية في فهرسة المخطوطات العربية وتصنيف موضوعاتها. وهنا تظهر ضرورة إعادة النظر في تحرير هوية المخطوط، والتفصيل في توضيح محتواه بالاستعانة بالمصطلحات والأسماء المعاصرة للعلوم. ولسوف نلاحظ مدى الاتساع عند ابن الأعرابي في تناوله لمنشأة كانت تقوم عليها يومياتُ الإنسان في شبه الجزيرة العربية، فيُدوِّن كل ما يتعلق بها. فأظهر أبعاداً ذات طابع علمي هندسي، منها طائفة من الألفاظ التي تُوصف بها الآبار في حفرها واستخراج المياه منها. وفي تصنيفٍ تالٍ وضع في حقل واحد الكلمات الدالة على عناصر البئر، من حيث المقطع والجوانب والقعر، كما حدد أسماء ووظائف الأدوات الملحقة بالبئر، ويصنف الآبار من حيث: الشكل والغزارة والصيانة. وفي خلال البحث وإعادة تصنيف الألفاظ الواردة تبعاً لحالات هندسية معينة؛ أمكن اكتشاف إمكانات عديدة لاستنتاج آلية التطور الذي سارت عبره عمليات إنشاء الآبار واستثمارها، وظهر عديد من التفاصيل التطبيقية الهندسية مما يُنبِئُ عن حضارة تعاملت بدقة مع الأشياء، وذلك حين تعاملتْ بتسعين لفظاً مختلفاً مع حالات الآبار وتنوعها. ففي هذا الكتاب تغدو اللغة مسبراً تاريخياً استكشافياً لحركة المجتمع والحضارة في تلك الفترة.فيما بين القرنين الرابع والخامس الهجريين ظهر كتابُ (فقه اللغة وسر العربية) لأبي منصور الثعالبي، وهو أهم نصٍ معجمي معنوي اشتملَ على ذخيرة لفظية انتقلت بفضل رؤية الثعالبي من السوية اللفظية إلى السوية المصطلحية، فهذه الألفاظ دخلت تجربة تقنية تاريخية طويلة، وعَبَّرَتْ عن وجود حضاري وعن سوية المعارف المائية التي سادت حتى زمن الثعالبي. وفي تحليل لهذه الألفاظ يمكن أن نحدد ضمن مقاربة معقولة بعض المقابلات المعاصرة لها. فقد عبَّرَ الثعالبي عن (كميات المياه وغزارتها بالوَشَل والثَّمَد والغَمْر، وعن (منسوب المياه الجوفية وحركتها داخل الأرض) بـ(عِدّ وكرّ)، وعن منسوب سطح الماء بالنسبة لسطح الأرض وحركته بـ(غَوْر وسَيْح). فمن الممكن أن نلاحظ أن الجريان تحت السطحي Surface Flow/Subsoil Flow هو حسب (فقه اللغة) الجريان الغوري، والجريان السطحي Runoff هو السَيْح.مفهوم ملوحة المياهأورد الثعالبي في (فقه اللغة) عشرين لفظاً تخص ملوحة المياه، وهي من الملوحة إلى العذوبة عشرون لفظاً: زُعاق.. أجاج.. سُدم.. فُرات.. نمير.. سَلْسال.. زُلال.. قَرَاح. وهي أشد دقة وأوسع تفصيلاً من معايير تحديد ملوحة الماء وعذوبته التي استُخدِمَ فيها أسلوب ترجمة دلالي متخشب حين عبَّرَ عنها بـ(مياه متوسطة الملوحة- مياه مالحة- مياه مالحة جداً).فالجدول (1) يُظهِر معايير ملوحة المياه بين الزمن المعاصر والقرنين الرابع والخامس الهجريين (زمن الثعالبي). والمعايير المعاصرة ولدتْ في الغرب ثم صدَّرَها لكل العالم. والجزء الثاني من الجدول هو تصنيفٌ عربي للملوحة بفارق زمني يتجاوز ألف عام عن المعايير المعاصرة. ويُلاحظ أن التصنيف العربي أكثر تفصيلاً وتنويعاً، وإن كان في ذلك الوقت لم يعتمد معياراً كمياً، كما أن التصنيف العربي يضم بداخله مفهومَ (عسرة المياه Hardness) ومفهوم (جودة المياه Water Quality).مفهوم حرارة المياهكذلك وردت في (فقه اللغة) ألفاظٌ عبَّرَتْ عن حرارة المياه بشكل متدرج من الحميم إلى القارس جدول (2)، فثمة عشر درجات: (حميم، سُخن، مُوغِر، فاتر، قار، خَصِر، شنان، قارس، سَرِب، غريض). وكان من المقابلات المعاصرة أنَّ (نقطة الغليان Boiling Point) يمكن أن تكون حسب (فقه اللغة): حميم و(نقطة التجمد Freezing Point). تكون: قارس.مفهوم استهلاك المياهكان من النقاط الملفتة في (فقه اللغة): (مسألة استهلاك المياه) فقد وردت ألفاظ تدل على كيفية وكمية استهلاك المياه من الأخف استهلاكاً إلى الأشد (من المشفوه ويدل على الاستهلاك اللطيف، ثم المثمود، والمضفوف... إلى المنقوض ويدل على الاستهلاك إلى درجة الإفناء) جدول (3).إن وجود مثل هذه الألفاظ يدل على مراقبة بشرية لمصادر المياه ومدى كفايتها لاحتياجات الناس، وأنَّ نقصها كان يعني مشكلة. فقد قامت حضارات عديدة على وجود المياه، واندثرت مع ذهابه ونضوبه، ولسوف تظل مسألة توفير المياه في الوقت الحاضر، الذي بلغت فيه الإنسانية حداً من التطور لم يسبق له مثيل، من المسائل الأكثر أهمية ويمثل الأولوية القصوى في أي مخطط للتنمية، حتى أن هذه المسألة اكتسبت في الفترة الأخيرة طابعاً دولياً وعالمياً.أخيراًلا بد من القراءات المتجددة للمؤلفات العربية الأم العلمية والمعجمية، فهي يمكن أن تُشكِّل فتحاً علمياً في تاريخ العلم العربي وتحقيق اتصاله بتاريخ العلم العالمي. وبالنسبة للجانب المعجمي لن يكون الأمر مجرد إيقاظ ألفاظ قديمة من غيبوبة طويلة، بل إنا نعثر وسنعثر على عمق وتعقيد في الدلالة العلمية الكامنة في اللفظ، وذلك ما تجسد واضحاً في (فقه اللغة) للثعالبي، وفي (كتاب البئر) لابن الأعرابي، وفي (وصف المطر والسحاب) لابن دريد الأزدي، ولعل ذلك يبني حلقة نوعية مهمة في سلاسل هذا التاريخ، مَيَّزَتْهَا (اللغةُ العربية) بإمكاناتها المعنوية غير العادية وميَّزَها اللغويون العرب وفي طليعتهم الثعالبي بعبقريته المعجمية. إنها نصوص تمكنت من تمثيل حضارتها علمياً ولغوياً فانتقلت عبر الزمن مستدعيةً تأثيراً مستمراً وتطورياً.
غزل النساء في الأدب العربي.
ذوائب النساء في الشعر العربي.
حكاية قصيدة: المتنبي يعاتب سيف الدولة.
العلاقة التفاعلية بين الإنسان والمكان.
عفاريت قلبت الموازين .
مدينة كان الفرنسية.. العاصمة الأوروبية للسينم.
الغش في مجتمع البحث العلمي.
عجائب الانطوائية المجهولة.
الجرافيتي إشكالية الرفض والقبول.
الطبول عالم من السحر الفرعوني الخالد.
حُسن القول يعفي من القتل.
سمرقند تراث لا يضيع.
الأعياد في مصر القديمة.
المخرج فيصل العتيبي: الرؤية والمهارة والشغف ا.
محطة مهملة على سكة الحياة.
الجزر الأخير.
أطْلِقْ رَصاصك.
حبر من السذاجة.
لا بد من تربية علمية مبكرة (1).
كيكا بائع البخور.