إنه حكاية مكتوبة بحبر الألم وحبر التمني المجنون، ربما إنه (القناع الأسود) وحكاية طفلي (يحيى) الطفل المدلل كان يعشق اللعب بالأقنعة وكنت ألهو معه قبل أن يغرق وتكتب لي الأقدار أن أرتدي ذاك القناع الأسود وكأن الأسود أصبح لا يليق إلا بي.
هكذا تخيلت الأمر وجوازم سنينه العجاف، سألت البحر ملايين المرات: كيف غرق صغيري ورحل إلى دهاليز أعماقك؟ كيف غرق ولماذا لم تلفظ جثته؟ كيف أصنع قناعاً من السعادة بعد اليوم ما زالت كل (الأقنعة الطفولية) التي كان يلعب بها تسأل عنه؟ ما زلت أبحث في كل قناع طفولي عن ضحكاته، عن همساته ولمساته وأقول جازمة: ما كان الورد ليحيا في قلبي لولا وجود (طفلي يحيى) يحيى الآمال الجميلة.
إنني ما زلت أتمنى أن يلفظه البحر، يلفظ طفلي الأشقر وتستفيق جثته الهامدة من ثباتها وتقول (أنا صغيرك يحيى) آهٍ من لوعة الاشتياق إليك يا (فلذة كبدي.. يحيى صغير القلب والروح) لقد غرق صغيري وتهت وأصبحت أؤمن بما نطقت به إحدى مريضات السرطان، لقد قالت لي ذات مرة: (لقد أصبحت المهمة صعبة جداً بعد أخذ الجرعات.. أصبحت أنسج أقنعة مختلفة لكي لا يرى وجعي الأحبة، وقد حاولت أن تمسح دمعها وتقول: لقد أصبحت أرتدي كل الأقنعة لكي أخبئ وراء وجهي المقنع ألف وجع يداهمني في كل لحظة). تذكرت الأقنعة وخطرت في بالي أقنعة (صغيري يحيى) كم أشتاق إليها ما تزال لمساته عليها. آهٍ منك أيها البحر ومن ملوحة الحرمان التي أتجرع كأسها في كل لحظة؟
لقد تذكرت صديقتي ماري في خضم أحزاني، ذات مرة قالت لي: كم يلزمنا من الأقنعة لمتابعة مشوار الحياة؟ كم كانت تتحدث عن وجع الحرمان وتهمس لي: ما أجمل أن يكون يحيى لي، وإذا رزقت بطفل سيكون اسمه (يحيى) وربما سيكون أجمل من صغيرك هذا. لو تعرف ماري الآن أنني أصبحت ثكلى أنادي على صغيري يحيى وهو في أعماق البحر لو يسمع صوتي وتجيب الأقدار علي لم أنتبه لفكرة غياب صديقتي ماري في العزاء سألت عنها فيما بعد قالوا لي: سافرت فجأة لقد كانت لي الصديقة (ونيسة الروح) كنت أصادقها بكل محبة وأشفق على حالها وهي الأم التي لا تستطيع الإنجاب، ما أقسى هذا الشيء على الأنثى، إنه جرح الأمومة عادت بي الذكريات عن صديقتي ماري التي كانت تأخذ الكثير من الأدوية والمهدئات علها تستطيع أن تتأقلم مع مشكلتها أو ربما تصنع قناعاً يليق بجرحها، وتحدثت معها في أكثر من مرة على الهاتف ولاحظت أنها كانت تحب أن تختصر الحديث بسرعة وخصوصاً عندما أذكر لها (الطفل الذي تبنته في الخارج) وعدت أدراجي مع ذكريات (طفلي يحيى) لأرتدي هذه المرة قناع السعادة المزيف، فكيف للقلب أن يبتسم إذا ذهب عنه النبض؟ كنت أرتدي أقنعة مختلفة ولكن بهدف ترميم ما تحطم من زجاج الروح، وفيما بعد سمعت أن صديقتي ماري قد غرق طفلها بالتبني وأصبحنا أصدقاء حتى في الدمعة والألم، وخطر في بالي أن أهاتفها وأقدم لها واجب العزاء وأقول لها شيئاً من تجربتي، خطر لي أن أقول لها: يجب أن تصنع قناعاً جديداً تستتر كل الجروح وراء ضميره المستتر. ولكنها قالت لي: سأخلع القناع وأقدم لك العزاء ولا تسأليني عن شيء أنا سأقدم لك العزاء (إنه طفلك يحيى لا أعرف لماذا خطفته منذ عام) لا أعرف؟! لماذا خطفته وقلت إنه البحر وجنونه؟ إنه جنوني يا صديقتي وغيرتي الهوجاء هما من نسجا لي ذلك (القناع الأسود) الذي ربما لم يخلق لي وإنما خلق من ذوات النفس الأمارة بالسوء. وبينما كانت ماري تتحدث عن قناعها الأسود رأيت آلاف الأقنعة تسقط عن وجهها وتتحول إلى أنياب تفترسني (تفترس روحي بأنياب الخيانة والاعترافات المؤلمة) كان الصمت سلاحي والأمنيات الصعبة المنال، إذ كنت أتمنى أن تخلع الأيام قناعها الذي يشبه الكابوس وتلقي علي بقميص من نور وتقول هذا طفلك يحيى، وهذا القناع الأبيض، ولكنها الأقدار عصفت بي، وبقي لي ذلك الحزن المؤلم وقناعه الأسود.