مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

امرأة من ضوء

أمضى حقبةً من عمره ينهض مع بزوغ الفجر باكراً، ولا يعود إلا قبيل غروب الشمس..
يتفانى هنا وهناك، يُعلّم هذا، ويُرتب لذاك، يُعالج ويُدرّس، يُصلح ويعمل، فلا يضع جسده المنهك على فراشه إلا وهو مستنفد القوى.   
وعلى هذه الوتيرة تمضي أيامه وساعاته، متناسياً نفسه وملذّاته.
فاته الكثير، وفقد لذّة الشعور ذاتها، بل أصبح شبيهاً بالجمادات، غير أن قلبه جعله مختلفاً عنها!
ترك جسده، وأقفل على رغباته.
ومع انقضاء الليل والنهار، بدأ يلاحظ أنه أصبح كآلة..
مطلوبٌ منه فقط أداء المهام، دون كلل أو تعب..
وذات يوم، بينما هو منغمس في عجلة الوقت، اصطدمت سيارته بشيء..
عَلَت الرجفة في أعضائه، وبدأ يشعر بالشلل.. لم يستطع النهوض من مقعده لاستدراك الأمر،
لكنه استجمع قواه، وخرج ليرى ما اقترف..
وكان هول الفاجعة أخفّ وطأة عليه حين نظر.. وغمرته الدهشة..
أخذ يُمعن النظر، ويحدّق بعينيه:
(هل هذه امرأة.. أم نجمٌ سقط من السماء؟!)،
كالبدر ساقطاً على الأرض، يغشاها الليل، وينسدل على وجنتيها..
بدأ قلبه يخفق بشدة، فاقترب منها ليحادثها، ويطمئن:
- (هل أنتِ بخير؟)
أشارت بيدها: نعم، ثم أمسكت بطرف يده، ونهضت، وأكملت طريقها دون أن تنطق بكلمة واحدة..
ولم تعلم حينها أنها كانت الحدث الأهم في حياة هذا الرجل..
وتوالت الأيام، وهو يشعر أن كل ابتسامة ترتسم على وجهه، يعود لها الفضل فيها..
تغيّرت حياته.. عادت إليه رغباته..
لقد وجد نفسه بعد أن أضاعها..
أمسك بخيط الأمل من جديد..
بحث عنها وبحث، حتى وجدها، ليخبرها أنها انعكاس ذاته..
وما إن أصبحت في حياته، حتى حلّق كالطيور، وعزف أجمل الألحان..
طار معها، وتذوّق ألوان السعادة!
لكنه أفلتها فجأة!
وحينها.. لم يستطع العثور على نفسه مرة أخرى..

ذو صلة