مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

حين دوَّن الفقيه يومه قبل أن يعرف العالم اليوميات


لا تعد يوميات ابن البناء الحنبلي مجرد تسجيل للأحداث، بل تمثل وعياً مبكراً باليوم بوصفه وحدة للكتابة والمعنى. فقد دوَّن أبو علي الحسن بن أحمد بن عبدالله بن البناء البغدادي الحنبلي (396 - 471هـ) مشاهداته وتعليقاته في منتصف القرن الخامس الهجري، فيما يرى بعض النقاد أنها أقدم يوميات مكتشفة في التراث الإسلامي.
امتدت هذه اليوميات ثلاثة عشر شهراً فقط، من غرة شوال 460هـ إلى الرابع عشر من ذي القعدة 461هـ؛ لكنها تكثف حياة بغداد الاجتماعية والدينية والسياسية. وهي تختلف عن السيرة الذاتية التي تُكتب لاحقاً دفاعاً عن الأفكار، وعن الذكريات المتفرقة، وعن الحوليات التي تُجرِّد الحدث من الذات؛ إذ كُتبت في وقتها، وبصوت صاحبها، وبقدر كبير من العفوية.
ويظهر هذا منذ افتتاحه الأشهر، إذ يقول مثلاً: «مستهل شعبان، عرفنا الله بركته، يوم الاثنين»؛ فيجعل من الزمن خطاباً شخصياً لا رقماً في سجل.
وتتجلى في اليوميات عناصرها الأساسية: الذاتية والزمن والخصوصية، والامتزاج بين الخاص والعام. ويبدو جلياً أن ابن البناء لم يكتبها للنشر، وهو ما تشهد له رداءة الخط وتداخل الحروف، حتى صعب تحقيقها. وقد عثر عليها المستشرق جورج مقدسي أثناء بحثه في تراث ابن عقيل الحنبلي، فحققها ونبّه إلى قيمتها العلمية، ثم نُقلت إلى العربية واعتُني بها أكاديمياً.
ومن مميزات هذه اليوميات أنها تنقل الحدث كما وقع، بلا صياغة لاحقة أو تزيين. ففي السياسة، يكتب ببساطة:
«وفي يوم الثلاثاء الثامن من ذي القعدة عُزل الوزير ابن جهير»، ثم يعود بعد أيام ليشير إلى تسرب الأخبار بقوله:
«وتحدث الناس، وبلغني أن الأخبار قد تسربت بعودته»، وهو ما يكشف أن الشائعات السياسية ليست وليدة العصر الحديث.
وفي الأخبار اليومية الخاصة، يقول:
«وفي هذا اليوم عدت من مسجدي، فسمعت الصراخ من دار الرئيس أبي شجاع، فقيل مات والده»، فتدخل الواقعة الكبرى من باب المشهد العابر، لا من باب التهويل».
ولا تخلو اليوميات من أخبار الموت والكوارث، كقوله:
«ورد الخبر يوم الخميس أن في فلسطين والرملة زلزلة عظيمة، وهلك نحو خمسة عشر ألف نسمة»، حيث يكتفي بالخبر عاماً، تاركاً للقارئ أن يتخيل الفاجعة.
كما تفيض اليوميات بالمنامات والرؤى، وهي سمة ثقافية بارزة في القرن الخامس الهجري، فيقول مثلاً:
«ورأيت في ليلة الأحد السابع عشر رجلاً من أهل البدع. فقال: كنت في بيت النار»، ثم يفسر الرؤيا ويبني عليها حكماً أو توقعاً.
ومن أكثر ما يمنح النص صدقه تسرب الألفاظ العامية غير المصقولة، مثل قوله: «نوبتي - توليف - هذي»، وهي إشارات لغوية تدل على أن الكاتب لم يكن يهيّئ نصاً للعرض، بل يدون يومه كما هو.
وفي توصيفه للفساد الإداري والاجتماعي، يرد قوله اللافت:
«البراطيل تنصر الأباطيل»، والبراطيل في لغة ذلك العصر تعني الرشاوى؛ أي الأموال التي تُدفع لتزييف الحق ونصرة الباطل. وهي عبارة مكثفة تلخص وعياً نقدياً بالسلطة والفساد، وتكاد تصلح شعاراً عابراً للعصور. وعرف عن الحنابلة زهدهم في المناصب والأموال.
كما تسجل اليوميات عادات المجتمع وطقوسه، مثل نثر الدراهم في المناسبات، إذ يقول:
«وكان الجمع لا يُحصى، وتزاحم الخلق علينا، ونثروا الدراهم»، أو وصفه للاحتفاء بالعلماء والزهاد حتى يُخشى عليهم من شدة الزحام.
وتنقل اليوميات مشاهد الفتن الاجتماعية والدينية، ومنها قوله:
«وفي يوم الجمعة جرت فتنة عظيمة بجامع المنصور. وانقطع الناس عن صلاة الجمعة»، وقوله في موضع آخر عن الخلافات المذهبية داخل الشهر الواحد بين المسلمين والنصارى واليهود، في صورة نادرة للاحتكاك اليومي بين الملل.
تكمن القيمة الحقيقية ليوميات ابن البناء في أنها لا تُعرّفنا بتاريخ القرن الخامس الهجري بقدر ما تجعلنا نلمس نبضه اليومي: خوف الناس، دهشتهم، خصوماتهم، وأفراحهم العابرة. إنها كتابة تقف بين الأدب والتاريخ، وتثبت أن الثقافة الإسلامية عرفت أدب اليوميات مبكراً، خلافاً لما ذهب إليه بعض الدارسين الغربيين.
لقد كتب ابن البناء يومه قبل أن يتحول اليوم إلى خبر، ودوّن زمنه أولاً بأول؛ ولذلك تبقى يومياته شهادة نادرة على الإنسان كما عاش الحدث لا كما أعاد روايته.

ذو صلة