مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

قراءة غير ملزمة

ُبرهنُ أنَّ بعضَ الأفكارِ لا تَبْلَى مهما قُتِلَت بحثاً. ما حُسِبَ خارجَ التداول؛ (تَستِلُّه) فيسوافا شيمبورسكا، وتُعيدُ توظيفَه بوصفه مادّةً بِكراً، كأنَّ الهدمَ ذاتُه طاقةٌ متجدِّدة.
قرأتُ مقدّمة الترجمة الإنجليزية، ثم الفصل الأول (أساتذة شاردو الذهن)، وتوقّفتُ. غابت الملامح التي تبحث عنها عين اعتادت القوالب، ففعلتُ ما يفعله القارئ المحترم نفسه: اتّهمتُ الترجمة.
أغلقتُ الكتاب، نفثتُ عن يساري ثلاثاً، ثم فتحته من جديد، بدأ التسلّل.
سابقاً لم تكن الترجمة عائقاً، ثمّة شعر يصل، شعر أُحسّه. اختبرتُ ذلك معها، مع ماري أوليفر، وإميلي ديكنسون.
لعمل شيمبورسكا في الترجمة من الفرنسية إلى البولندية أثر: حسّ التفاصيل، والإمساك بالمُعتاد، كأنّها تنظر إلى الأشياء من مسافة صفر.
يتبيّن مع الصفحات أنّ ما يُكتبُ مراجعة رمحيّة: كتابة تصيب الجوهر ثم تنسحب. وإذا كان التلخيص يسيراً، فإن الجملة الجامعة هي الامتحان الحقيقي.
الضحك أثناء قراءة كتاب نقديّ في مكان عام تجربة مُربكة. في فصل (بدم بارد)، تراجع شيمبورسكا كتاب (الأرواح، النجوم، والتعاويذ). كتاب لا أعرفه ولا أنوي معرفته، ومع ذلك وجدتني مشدوداً لاهتمامها.
تكتب عن (متعة مراكمة معرفة عديمة الفائدة)، وتعلن أنها القارئة المثالية لأنها لا تحتاج لما تقرأ. هنا يكمن السحر: ليس الكتبُ ما يُقاد إليها القارئ!
انكشفت شيمبورسكا عن طبقة مباغتة. الرزانة التي أُسيء فهمها بوصفها صرامة، تبيّن أنها خفّة منضبطة. الاقتصاد اللغوي وسيلة لتكثيف المفاجأة. بدت كطالب متفوّق نُسيء الظن بجدّيته، حتى نقابله خارج أسوار المدرسة، فتشرق ملامحه بالدعابة.
وضعتُ لها، قبل هذا الكتاب، هالة جاءت من شعرها، من أبياتها التي لا تزال عالقة.
من ديوان (النهاية والبداية):
(فهل يوجد إذاً هكذا عالم
أتحكّم بمصيره مستقلاً؟
وزمن أربطه بقيود العلامات؟
ووجودٌ بإمرتي متواصل؟
فرحُ الكتابة
سلطانُ وقاية
انتقامُ يدٍ فانية)
غير أن هذه الهالة لا تمنع السخرية من أن تكون الثيمة الموجِّهة لهذه القراءات. يظهر في مراجعتها للحكاية الكورية (تشون هيانج أوفى الأوفياء)، مساءلة ليقين نقديّ يضع الواقعية في مقام الفضيلة العليا، وينظر إلى الفانتازيا بوصفها طوراً ناقصاً.
التقاط المفاصل الخفية وجدتُ صداه عند عبدالفتاح كيليطو في كتاب (العين والإبرة)، انتباهه لـ(دُنيازاد) يعيدُ رسمَ المشهد في نصٍّ قُرئ آلاف المرّات، بينما ظلّت هي -رغم أنها شرط لوجوده- في الظل. مثل هذه الالتقاطات لا تُراكم أمثلة بقدر ما تدرّب العين على دُربةِ نظرٍ تُرى من قنطرة ضيقة بين العبقرية والجنون، منطقة يهتزّ فيها اليقين من غير انهيار.
تذكّرتُ شخصية (مانفريد) في فيلم (The Last Viking)، الذي يتخيّل نفسه (جون لينون) من فرقة البيتلز، تشقّقاً في الهوية يسمح للمعنى أن يتسلل من مكان غير مألوف.
الفكرة لا تولد دائماً في منطقة الاتزان، أحياناً تحتاج هذا الميل.
تمتد القراءة إلى كل ما لا يلزمني: الإحصاءات، أدلة الإصلاح، رزنامة الحوائط، وتطور الملابس.. هل المتعة مرهونة باسم شاعرة (نوبل)؟ إبعاد الاسم لا ينقص النص شيئاً، كتابتُها كافية بذاتها. وحين سُئِلتْ عن سر كتابتها عن هذه الأعمال، أجابت: (إنها لا تنتهي بسعادة أو حزن، وهذا ما تحبه فيها).
كتب أحمد الشافعي في مقدّمة (كيف تبدأ الكتابة؟ ومتى تتوقّف؟): (توشك شيمبورسكا في هذا الكتاب أن تكون أخرى). الجملة تنطبق هنا.
الكتاب لشاعرة ومن ترجمة شاعرة. لم أجده في المكتبات، وانتهى بي مستعاراً من صديق. وضعتُ تحشياتي على جنباته، فالصديق يأنس بالتعليق، والكتاب سيعود إليه مثقلاً بآثاري. مرونته ستجد طريقها، وتأجيل الرجوع عادة قديمة، الهوامش: (إقامةٌ مؤقّتة في بيتِ فكرة).

ذو صلة