مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

المصافحة الأخيرة

في حياة مليئة بالوجوه العابرة، يبقى للقلب ذاكرة لا تخطئ من أحبّ ومن جرح، ومن مدّ يده ليمسح الدمع، ومن مدّها ليدفعنا إلى الهاوية. وقد يحدث أن نجد أنفسنا، في لحظة صمت نادرة، أمام حقيقة لم نملك شجاعة الاعتراف بها من قبل: أنّ الطيبة وحدها لا تكفي، وأن الوفاء قد يصبح سلاحاً يُوجَّه إلى صاحبه.
تحت ظل شجرة ساكنة، بدأت حكاية الوجع تتشكّل، وتتسرّب إلى أعماقي كاعتراف لا بد أن يُقال. هناك، تبلورت أمامي مرآة خفيّة كشفت شظايا قلبي المتهشّم، وندوب الجراح التي تركها وفائي، ودماء طيبتي التي نزفت على موائد من أودعتهم ثقتي.
كم اهتزّت أرواحنا لأناس ظننّاهم ملاذاً آمناً لا يخون، وسنداً لا يتخلّى، ورفقةً نمضي معها الطريق بوعد ألا تفلت الأيدي من بعضها. لكن الأيام لا تكذب، فهي تكشف أنّ الأمان المطلق وهم، وأن أكثر من نحبّ قد يكون أول من يعجز عن حماية قلوبنا.
يمضون بعيداً، يتركوننا خلفهم محمّلين بما لم يستطيعوا حمله. يمشون خفافاً بعدما طرحوا آلامهم على صدورنا، ثم لا يلتفتون. وحين تشتد عليهم الحياة يعودون، لا إليك أنت؛ بل إلى طيبتك. يعودون لأنهم افتقدوا اليد التي لملمت جراحهم، والصدر الذي احتوى أخطاءهم. وحين تستقيم حياتهم، ينسون كل ما منحناهم: الوفاء، والاهتمام، والدموع التي غسلت طرقهم كي يمرّوا بسلام.
وعندما تُستنزف الفرص، الواحدة تلو الأخرى، ندرك أنّ الخذلان الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من قلب يعود ليصدق من جرحه. نعطيهم الفرصة الأخيرة، ليس رغبة في بقائهم، بل رغبة في أن يكونوا بخير. وإذا اطمأنّ قلبنا إلى أنهم تعافوا، نختار الرحيل، هذه المرّة نحن من نمضي.
نمضي ونحن نعرف أنّنا كنا لهم عكّازاً يستندون عليه، ليس لشيء سوى صدق محبتنا. نمضي لأن الطيبة إذا أُرهقت، لا بد لها من حماية نفسها، ولأن الوفاء إذا نزف طويلاً، يستحق يداً تحفظه، لا تهمله.
حين بلغ الصبر آخر حدوده، وحين أنهكتني محاولات البقاء الجميل، أدركت أنّ النهاية لم تكن سقوطاً بل نجاة. أنهيت الحكاية بطيبة لم تُطفأ رغم كل ما تهشّم فيها، ومضيت أحمل وجعي بصمت نبيل. أغلق أبواباً لم تُغلق قسوةً، بل احتراماً لما تبقّى من قلبي. لم أترك أحداً ورائي، تركت فقط كل ما آلمني، وتركتهم يواجهون خذلانهم بأنفسهم.
أما أنا، فانتهيت من الحكاية بسلام يشبه دموعي، وبقوّة وُلدت من عمق الوجع الذي نجوت منه. وهكذا، تُمنح المصافحة الأخيرة، حين تُغلق القلوب أبوابها بسلامٍ موجوع، لتصبح النهاية بداية للسلام الداخلي.

ذو صلة