مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

السعديـة موقيـر تقنية اللون وسحر الحركة

تعدّ الفنانة التشكيلية السعدية موقير واحدة من المبدعات اللواتي ساهمن في إغناء ساحة الفن التشكيلي المغربي بلوحات وأعمال فنية رائعة، فقد سطعت موهبة الفنانة السعدية موقير مبكراً في عالم الفن التشكيلي بالمغرب، واستمرت في توهجها على مدى سنوات، وتوّج هذا الصبر الفني المواظب والعمل العصامي المثابر بإقامتها لمجموعة من المعارض الوطنية والدولية التي عرضت فيها إبداعاتها التشكيلية بألوان جميلة جذبت المتتبعين وأبهرت المشاهدين. فهي تعشق التفنن بالأصباغ الجميلة على لوحاتها الساطعة، وبخاصة اللون الأزرق الذي نجده في العديد من أعمالها، مضفياً عليها بعداً رمزياً وكثافة إيحائية غنية بالمعاني ومتخمة بالدلالات.
تستثمر السعدية موقير كثيراً ذاكرتها الشخصية، مستوعبة بذلك مجموعة من اللحظات الحميمية التي عاشتها في مراحل سابقة من حياتها، محولة مشاهدها إلى تشكيل بصري فتان للعيون، ومحورة تفاصيلها إلى لوحات منمقة بزخارف الألوان المعبرة. هكذا يجد المشاهد مناظرها مصدراً للمتعة والفرجة والبهجة، وهو يتجول ببصره في مختلف زوايا لوحاتها، ذات الطابع الاحترافي في هندستها وصباغتها وأشكالها.
والملفت في لوحات موقير، أنها تستدعي تفاصيل الحياة البسيطة وتستنطق يوميات الإنسان الحميمية بهوية تشكيلية فريدة، بفطنة ودهاء ونباهة، بتفنن وابتكار وإبهار.. سواء على مستوى التوزيع والتدرج اللوني والضوئي، أم على مستوى التركيب الفني والحياكة الجمالية للوحة. إن كل من يتأمل لوحة من لوحات الفنانة التشكيلية السعدية موقير أو يقرر عن قصد معاينتها في فضاء ما وزمن ما، يترسخ في ذهنه انطباع أتقن صياغته السيميائي الفرنسي رولاند بارث وهو أن (اللوحة مهما اقترحته للعين من مضمون وبأي طريقة كانت تظل لوحة غير مرئية) أي ليست تماماً تلك التي نتوهم مشاهدتها. بالفعل، نحن لسنا أمام مشهد تتجسد فيه لحظة من لحظات الواقع كما يبدو للعين المجردة، بل أمام لمحة فنية ورموز تعبيرية تقدم واقعاً منكمشاً وتبرز تمزقاته وانزلاقاته.
من توازن إلى عدمه إلى الإيحاء والتمكن من الشكل والعين والألوان، تدفع بنا لوحات السعدية إلى مناطق الإثارة البصرية، ومناطق أخرى خالية تستريح العين وهي تتأمل في أسرارها الفنية، عبر استيعاب اللون الرمادي وكذلك الاستمتاع بتدرج الألوان في محيطها. وهذا ما ينتج لنا ذلك السحر الفني المبهر القائم بذاته، من خلال خصوصياته الجمالية وعناصره الفنية البليغة المعنى والكثيفة الدلالة.
تقدم كل لوحة من لوحات السعدية موقير عرضاً مسرحياً تجميدياً، ليس هو المسرح الذي اعتدنا مشاهدته، لأن الفعل المسرحي مستمر في زمن أطول، ويشهد تعاقباً للحظات مرتبطة فيما بينها، ويساهم في تأسيسها ممثلون وعناصر أخرى من العمل المسرحي. أما لوحات موقير فهي مشاهد ثابتة، تستدعي تركيزاً من عدسة موجهة مباشرة لتفاصيلها (العين)، تتعقب بانتباه وفطنة كنهها الفني ومقاصدها الجمالية ورسائلها المشحونة بمعاني الحياة والوجود والكون، والمكثفة بدلالات الخير والحب والجمال.
اللوحة هنا لحظة مجمدة نلتقطها دفعة، وهي مشحونة بدلالات متنوعة عن طريق استعمال الإشارات والرموز الأسطورية المتعددة الأبعاد. إذاً، فعمل الفنانة التشكيلية السعدية موقير في النهاية هو حصيلة ما يمكن تسميته بالإشارة اللوحية. فالإشارة اللوحية تأخذ من خلال أعمال الفنانة السعدية موقير وغيرها من الفنانين شكل تعبير مركب من إشارات متعددة: كاللون وصيغته والسطر والشكل والفضاء والنسيج والتركيب، والتوجه والبعد والحركة. كل هذه الإشارات مجتمعة تفضي بنا إلى معنى جديد يتحول بدوره إلى إشارة لوحية. والمتلقي-المتأمل والعاشق للفن، يلتقط هذه الإشارة، فتُحدث عنده تأثيراً عاطفياً غير معلل لحظة الدخول الأول إلى فضاء اللحظة-اللوحة. (لا نتحدث هنا عن المتلقي الذي يمر مرور الكرام).
اللون الأسود
عادة ما تفضل السعدية موقير في لوحاتها استعمال تعددية من الألوان المتنوعة. فرغم أن اللون الأسود هو الحاضر بكثافة في رسوماتها، إلا أنه لا يهيمن إلا في أربع لوحات، حيث يتمثل دوره في إبراز الألوان الأخرى مثل الأزرق والأحمر والأصفر والأخضر وكذلك البرتقالي والرمادي. والأسود هنا لا يستعمل كإشارة للتعبير عن الحزن أو الموت أو التشاؤم، بل عكس ذلك يرمز إلى الأناقة والقوة البصرية الفريدة. أما اللوحات الأخرى التي تعرف حضور اللون الأسود غير المسيطر، فإن الإشارة المستمدة منه تحيل غالباً إلى التأمل الباطني والإحساس بالانجذاب الروحي.
اللون الأزرق
إن النظرة الموجهة إلى لوحات السعدية موقير، بغض النظر عن ماهية الألوان المستعملة فيها، تدفع بالمتلقي إلى استنباط خصوصية بارزة بادية فيها: إننا أمام مشاهدة فنية مكونة من أشكال متصاعدة، وكأننا نعاين مجرة فنية مصغرة. يكفي استحضار اللوحات التي تستند إلى اللون الأزرق ومشتقاته لتتضح هذه الرؤية أكثر فأكثر، بارتكازها على المفاهيم ذات العلاقة مع الصعود والشرود التخييلي، وانطلاقها من الربط الثنائي الذي يقيمه المتلقي -وهو يتأمل هذا اللون- بين التداعي اللامتناهي والتأمل الباطني.
اللون الرمادي
باستعمال الرمادي، نستوعب طبيعة العلاقة الجمالية مع اللامتناهي التي ركزت عليها الرؤية التشكيلية للفنانة السعدية موقير. وهي علاقة إحساس مبنية على الشعور بالشك والغرابة وكذلك على التأمل المتأني، وبالتالي فإن ولوج المتلقي إلى فضاء اللوحات هو سفر ذهني وعاطفي، يشعر من خلاله بالوحدة والعزلة والغربة، وبشيء من الانفصال عن الواقع اليومي، والتنافر مع المنطق العقلي.
الأخضر والأصفر
الأخضر والأصفر عنصران تشركهما السعدية موقير في تشكيل المعالم الجمالية للوحاتها الفنية، وغالباً ما يحضران معاً في تشكيل العديد من الرسومات. فالأصفر يضيء اللوحة وبهذا يساهم في توضيح الرؤية التي تتضمنها، أمّا الأخضر فيرمز إلى الحياة والأمل وآفاق المستقبل.
الأحمر والبرتقالي
أينما حضر الأحمر والبرتقالي في لوحات موقير فثمة اللون الأخضر، وكأن هذا الأخير يخفف من الحدة العاطفية التي يثيرها اللون الأحمر، خصوصاً عند المتلقي. ففي بعض لوحات السعدية موقير، يمثل اللون الأحمر تجسيداً لصراعات عميقة وتوترات داخلية، يقلل اللونان الأخضر والأصفر من حدّتها، ويلعبان فيها دور المهدئ لسيل المشاعر المشحونة والمخفف لزخم العواطف الجارفة. فالسفر الذهني والعاطفيّ في رؤية الفنانة لا يخلو من تناقضات واختلافات وتقابلات، صيغت أغلبها بالألوان والأصباغ.
أما اللون البرتقالي، فيفرض نفسه كمحرك لحالة الانتقال والتحول من حالة إلى حالة ومن وضع إلى وضع ومن هيئة إلى هيئة ومن مزاج إلى آخر.
وبالرغم من أنّ لكل لون -في الأعمال الفنية- إحساس نلتقطه ونعاينه ويؤثر فينا ببصمته النفسية الخاصة (كالأسود للحزن والأبيض للفرح)، فإن اللون التشكيلي عند السعدية موقير يوظف بطريقة مختلفة، ويولد دلالات أخرى بعد عملية إفراغه من مكونات المعنى الظاهر وتجرده من قيد التأويل الأول. فعند فنانتنا يتحول اللون إذاً من معنى إلى شكل جديد، لينقل هذا الأخير دلالات أخرى مختلفة حسب استعماله وحسب مقصدية مبدعه. لا ينبغي أن نفهم -هنا- أن المعنى الأصلي والمتداول عليه للون قد ألغي ودمر نهائياً، بل حكم عليه الفنان بـ(موت مؤجل) إلى أجل مسمى حسب تعبير رولان بارث.
عند السعدية موقير، يتجسد هذا الفهم من خلال التأليف بالألوان. فلكل لون وظيفة يقوم بها داخل تركيب أو تشكيل معين من ألوان مختلفة، وكأننا أمام خطاب لوني ينقل رؤية بصرية ممتلئة بالإيحاءات، يؤولها المتلقي كيفما شاء. فالألوان في ألوان السعدية ليست فقط مادة بصرية، بل إنها وسيلة أساسية تعبر بواسطتها الفنانة عن رؤيتها وعواطفها ومواقفها.
الحركة في لوحات السعدية موقير
إذا كان الخطاب اللوني هو المولد الأساس للرؤية في أعمال السعدية، فإنه لا يكفي لوحده، بل يحتاج إلى محرك مساعد في التعبير عن الموهبة والبوح عن التجربة، والذي يتمثل أساساً في عنصر الحركة. فالحركة هي الطريقة التي بواسطتها يتجسد الخطاب اللوني على اللوحة ليأخذ شكلاً أو أشكالاً متباينة، والتي لا ينبغي للفنان المتقن في صنعته أن يفشل في إنجازها وإلا أعاد الكرة من جديد.
فالأشكال البارزة على لوحات السعدية موقير هي، إذاً، سلسلة من حركات عفوية لا هندسية، مع أنها تخضع لمنطق ما. وبمجرد رؤيتها في الوهلة الأولى، تعطينا انطباعاً أولياً مبهراً وإيهاماً فنياً مذهلاً بمشاهدة أشكال سحابية ملونة، بعضها غامق وبعضها الآخر واضح. لكن الحملقة فيها، تبين أن كل واحدة منها تنفرد عن غيرها بما توحيه من رؤية حسب اللون الذي شكلت به.
___________________
* باحث في مجال الصورة
** باحث في سيمياء الفن

ذو صلة