في مطلع شهر أكتوبر من كل عام، تمنح الأكاديمية السويدية في ستوكهولم جائزة نوبل المرموقة معنوياً ومادياً لعباقرة في الطب/ علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا)، والفيزياء، والكيمياء، والأدب، والاقتصاد، والسلام، الذين حققوا جهوداً غيّرت مسارات العلم والأدب والحياة. لكن كثيراً من أعضاء المجتمع العلمي باتوا، وبخاصة منذ عام 2012، يطلقون على هذه الجائزة اسم قاتلة العلماء. حيث أصيب نحو ثلاثين فائزاً بمتلازمة داء فريد هو مرض نوبل Nobel disease، أو التهاب نوبل Nobilitis.
يبدو أن لكل جائزة جانباً سلبياً. فداء نوبل، القاتل للعلماء لا يتعلق بالموت البدني لهؤلاء العمالقة اللامعين، الذين قد تزيد أعمارهم في المتوسط عاميْن عن قرنائهم. بل تتجلى أعراضه في انخفاض حاد للإنتاجية، ثم خمود فورتهم العلمية. وبعضهم يفقد تقديره للعلم، ويبتعد عن مجال تخصصه. وقد يقوم بترويج نظريات مناهضة للمنطق العلمي. فما هي تفاصيل من عانوا من ذلك وفق أقدمية حصولهم علي الجائزة؟. كان بيير كوري 1859-1906 يمثل أسرة علمية نوبلية. حيث فاز هو، وزوجته، وابنتهما الكبرى بأربع جوائز نوبل. ففي عام 1903، وتقديراً للخدمات الاستثنائية التي قدموها من خلال أبحاثهم المشتركة حول الظواهر الإشعاعية التي اكتشفها البروفيسور هنري بيكريل. نال هنري بيكريل، الجائزة في الفيزياء بمشاركة بيير وزوجته ماري كوري، (ثم نالت بمفردها نوبل في الكيمياء عام 1911). لكن بيير شارك في جلسات الظواهر الروحانية، وجلسات تحضير الأرواح، معتقداً أن استكشاف الخوارق يمكن أن يساعدنا في الإجابة عن أسئلة حول المغناطيسية.
وأصبح الطبيب والجراح الفرنسي أليكسيس كاريل 1873-1944، الحائز على نوبل في الطب 1912 عن اختراع مضخة التروية، مدافعاً عن سياسات تحسين النسل، والنظريات العنصرية في فرنسا. فاز فيليب لينارد 1862-1947 بنوبل في الفيزياء 1905 عن أبحاثه في أشعة الكاثود، واكتشاف خصائصها. لكنه كان من أنصار الحزب النازي، وشارك في الأنشطة النازية.
وقضى الفرنسي شارل روبير ريشيه 1850-1935 سنوات عديدة من عمره في دراسة هذه الظواهر الروحانية والمشاركة في جلسات تحضير الأرواح. وكان له اهتمام عميق بدراسة الإدراك فوق الحسي، والتنويم المغناطيسي، والأشباح. وأسس عام 1891 دورية حوليات العلوم النفسية. وظل طيلة حياته على صلة بعدد من المشاهير الروحانيين والمشتغلين بالعلوم الخفية في عصره. وفي سنة 1905 أصبح رئيساً لـ(جمعية أبحاث الظواهر الخارقة) بالمملكة المتحدة، وفي سنة 1919 صار رئيساً شرفياً للمعهد الدولي لـ(علوم ما وراء الطبيعة) بباريس، ثم رئيساً فعلياً له عام 1929. وشملت كتابات ريشيه، في علوم ما وراء الطبيعة، مؤلفات، منها: (رسالة في الماورائيات) 1922، و(حاستنا السادسة) 1928، و(المستقبل والهاجس) 1931، و(الأمل الكبير) 1933. وكان ريشيه قد حصل على نوبل في (الفسيولوجيا/ الطب) عام 1913، إذ كانت له أبحاث مبتكرة في مجالات: الكيمياء العصبية، والهضم، والتنفس، والتحكم في حرارة الجسم في ذوات الدم الحار.. إلخ.
ولخدماته في الفيزياء النظرية، واكتشافه قانون التأثير الكهروضوئي، حصد الفيزيائي ألبرت آينشتاين 1879-1955 عام 1922 على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1921 (لم يترشح لها أحد عام 1921). وكان قد توصل لاكتشافات مذهلة بإمكانها ترشحه لأربع جوائز نوبل أخرى. لكنه أمضى سنواته الأخيرة في تحدي نظريات موحِّدة لكل قوانين الفيزياء المعروفة ومطاردتها. وذكر ذات مرة: (إن التقدير المبالغ فيه الذي يحظى به عملي في حياتي يجعلني أشعر بعدم الارتياح الشديد. كما تنتابني رغبة في التفكير في نفسي باعتباري محتالاً لا إرادياً). فلربما كان آينشتاين يعاني من متلازمة المحتال، والشعور بأنه غير كفء. ففي السنوات الأخيرة، عاش هذا العالم الألمعي مع شعور باليأس لأنه أضاع ثلاثين عاماً من حياته عبثاً من أجل نظرية كل شيء أو نظرية المجال الموحد.
وحصد الفيزيائي الأمريكي ستيفن واينبرغ 1933-2021 نوبل في الفيزياء 1979 بالاشتراك مع العالم الباكستاني محمد عبدالسلام، وشيلدون غلاشو، لمساهماتهم في مجال توحيد القوة النووية الضعيفة والحقل الكهرومغناطيسي بين الجسيمات الأولية. لكن واينبرغ، أمضى عقوداً من عمره غارقاً في نظرية الأوتار، ومطارداً نظريته النهائية. ووصفه أحد زملائه: (الآن لم يعد بوسعه أن يعمل إلا على حل المشكلات العظيمة). ويعد لينوس كارل باولنغ 1901 - 1994 الكيميائي الحيوي الأمريكي، وناشط حركة السلام، ونشر أكثر من 1200 ورقة بحثية وكتاب هو أحد أعظم 20 عالماً في كل العصور. حصل باولنغ على نوبل في الكيمياء 1954، وأيضاً على نوبل للسلام 1962. في السنوات الأخيرة من عمله، شجع أنواع من الطب البديل. وجرب علي نفسه، ودافع بشدة عن العلاج بجرعات الفيتامينات الضخمة فيتامين C كعلاج لكل شيء.. من الشيخوخة والفصام والسرطان إلى نزلات البرد الشائعة. ولم يحظ أي منها بقبول كبير في المجتمع العلمي السائد.
وفي 5 يوليو 1956، قام الفيزيائي الأمريكي وليام برادفورد شوكلي 1910-1989 مع زميليه جون باردين، ووالتر براتين باختراع الترانزيستور، فحازوا على نوبل في الفيزياء 1956. وأسس شوكلي في الستينات مركز تصنيع الترانزيستور سيليكون فالي أيضاً. وكانت سمعته ومواهبه الفكرية سبباً في اجتذاب أفضل الفيزيائيين الشباب إلى الشركة. لكن فوزه بالجائزة أطلق العنان لتضخم الذات إلى الحد الذي أجبر موظفيه على الخضوع لاختبارات كشف الكذب. وجعلهم يعملون على أفكاره غير العملية، وأهانهم علناً عندما فشلت مساعيه تلك. وطرد ثمانية من تلاميذه الموهوبين، الذين غدوا مشهورين بأعمالهم المهمة، مثل تأسيس شركة إنتل، واختراع تكنولوجيا الرقائق الحديثة، وإنشاء الدوائر المتكاملة. ثم عاد شوكلي إلى المجال الأكاديمي، لكنه ترك مجال الفيزياء تدريجياً للتعمق في ارتباط الأعراق البشرية والوراثة بالذكاء. وأصبح المتحدث العام لعلم تحسين النسل. واتهم زوجته بأنها السبب الذي جعل أطفاله أقل ذكاء. وقام بالتبرع بحيواناته المنوية إلى بنك خاص بالسائل المنوي للحائزين على نوبل.
وأما جيمس ديوي واتسون (1928) فعالم في الأحياء الجزيئية، والوراثة، وعلم الحيوان، واحد مكتشفي بنية دنا DNA عام 1953 مع فرانسيس كريك، وروزاليند فرانكلين. وفاز كل من واتسون، وكريك، وموريس ويلكينز بنوبل في الفسيولوجيا والطب 1962 لاكتشافاتهم البنية الجزيئية للأحماض النووية وأهميتها في نقل المعلومات في المادة الحية. ما أسهم في تدشين مشروع الجينوم البشري، لكن تم تجريده من ألقابه التكريمية بعد مزاعمه المتكررة بوجود علاقة بين مستوى الذكاء والعرق البشري، واعتبر أن السود أقل ذكاء من البيض، إذ إن الجينات تؤدي إلى فروق في نتائج اختبارات الذكاء بين السود والبيض. وقال مختبر كولد سبرينغ هاربور: (إن ملاحظات العالم الذي بلغ 90 عاماً، متهورة، وغير مدعومة بسند).
ومُنحت عام 1973 جائزة نوبل في الفيزياء للعالــم الإيرلنــدي بريــان جوزيفسن (1940 - ). وذلك بالمشاركة مع الياباني ليو إساكي، والنرويجي إيفار جيفيير، حيث اكتشف في شبابه تأثير جوزيفسن، واهتم بنظرية المادة المكثفة. وكان أمام هذا العبقري الشاب مستقبل نشيط مثمر، حيث يتوقع منه طرح أفكار جديدة مبتكرة. وبدلاً من ذلك، أمضى جوزيفسن أربعين سنة في إهانة العلم البريطاني. وبدأ بترويج أفكار التأمل التجاوزي، وعلم التخاطر، وعلم النفس الخارق، والتحريك النفسي، ثم أطلق في جامعة كامبريدج برنامجاً بحثياً حول الروابط بين ميكانيكا الكم والعقل. وأعلن أنه لن يدخر جهداً لضمان بقاء بريطانيا العظمى في طليعة الأبحاث في مجال التخاطر. لكن الجدلية الكبرى ارتبطت بشغفه الكبير بنظرية ذاكرة الماء والتي أعلن أنه مستعد لإثباتها تجريبياً.
وفحوى النظرية: (أن الماء يتذكر الخواص الكيميائية للمواد الذائبة فيه كالعقاقير والأملاح والمعادن والطاقة.. إلخ، حتى بعد عدد عشوائي من التخفيفات التسلسلية بحيث لا يبقى أي جزيء من المادة الأصلية. ثم يصبح للماء بصمة وتوقيعاً كهرومغناطيسياً يمكن التقاطه على ملف نحاسي، ورقمنته، ونقله عبر سلك أو الإنترنت إلى وعاء به ماء عادي، وتحويله لمحلول للمعالجة المثلية). وفرع المعالجة المثلية Homeopathy أو داوني بالتي كانت هي الداء من فروع الطب البديل الذي لم يتم إثباته في منهجية العلم الغربي. وتتحدى نظرية ذاكرة الماء الفهم العلمي الغربي التقليدي وهي غير مقبولة في المجتمع العلمي.
لكن في 30 يونيو 1988، نشر الكيميائي والطبيــــب الفرنســــــي جــــاك بنفنيست 1935-2004 المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية، وصاحب كتاب ذاكرة الماء دراسة في المجلة العلمية المرموقة نيتشر العدد: 333 تدعم تلك الظاهرة. ورافقها افتتاحية حذرة متحفظة لمحرر المجلة جون مادوكس حث فيها القراء على تعليق الحكم حتى يمكن تكرار النتائج. كان هناك قلق من جانب الرقابة التحريرية في المجلة من أن المادة، إذا نُشرت، ستضفي مصداقية على ممارسي المعالجة المثلية حتى لو لم تكن النتائج قابلة للتكرار. وفي السنوات التالية للنشر، أُجريت تجارب تحت إشراف فريق بنفنيست، وبرنامج هورايزن التابع لمحطة بي بي سي، وعدد من الباحثين صائدي الأشباح. ولكن لم يقم أي فريق بإعادة تكرار نتائج بنفنيست في نفس الظروف المحددة.
وتقديراً لاكتشافه تقنية تفاعل البوليمراز المتسلسل بّي سي آر P.C.R فاز عام 1993 الكيميائي الحيوي الأمريكي كاري بانكس موليس 1944-2019 بجائزة نوبل في الكيمياء مناصفة مع مايكل سميث. وفي أعقاب فوزه، أعرب عن تشككه في: تغير المناخ، ودور فيروس نقص المناعة البشرية في مرض الإيدز. فضلاً عن إيمانه بعلم التنجيم الذي تم دحضه بقوة. بالإضافة إلى ذلك، ادعى أنه رأى راكوناً متوهجاً يتحدث إليه: (في منتصف ليل أحد أيام عام 1985، صادفت راكوناً أخضر متوهجاً يركب دراجة نارية برتقالية اللون في كوخي في غابات شمال كاليفورنيا. وبدأ الراكون في التحول إلى دلفين يغرد، وأنه ربما كان كائناً فضائياً من خارج الأرض).
وعمل البروفســــور ريتشــــــارد سمالي 1943-2005 أستاذاً للكيمياء في جامعة رايس في هيوستن بولاية تكساس، وأستاذاً للفيزياء وعلم الفلك. وحائز على نوبل في الكيمياء 1996 مع زميليه روبرت كيرل، وهارولد كروتو بعد دراساتهم التي أدت إلى اكتشاف شكل جديد من الكربون وهو باكمنسترفوليرين كرات الباكي. في السنوات الأخيرة من حياة سمولي أصبح عالماً مسيحياً متديناً، وآمن بنظريـــة الخــلق والتصميـــم الذكي، ووقف بقــــوة ضد نظريــة التطـور. واكتشف لوك أنطــوان مونتانييــه 1932-2022 عالم فيروسات فرنسي، اكتشف فيروس نقص المناعة البشرية عام 1980. وفاز مع فرانسواز باري سينوسي وهارالد تسور هاوزن بـنوبل في الطب/ الفسيولوجيا 2008 لاكتشافهم فيروس نقص المناعة البشرية AIDS وانتُقد لوك من قبل أكاديميين لاستخدامه جائزة نوبل لنشر رسائل صحية خطيرة خارج مجال معرفته، ومؤيداً لنظريات طبية هامشية. فقد أيد نظرية ذاكرة الماء لبرايان جوزيفسون. حيث قال إن المحاليل التي تحتوي على الحمض النووي للبكتيريا والفيروسات المسببة للأمراض يمكن أن تصدر موجات راديوية منخفضة التردد تحفز جزيئات الماء المحيطة على الترتيب في هياكل نانوية. ويحتفظ الماء بهذه الخصائص حتى بعد تخفيف المحاليل الأصلية بشكل كبير. كما دعم وجهة النظر أن اللقاحات تسبب التوحد، وادعى أن المضادات الحيوية لها قيمة علاجية في علاج التوحد.
أسباب وتداعيات مرض نوبل
- لتفادي تشوّه سمعة الجائزة، لا يتم تسليمها إلا بعد مدة طويلة من تاريخ الاكتشاف/ الابتكار. كي تضمن كشف عيوبها المحتملة. لكنها قد لا تأخذ بعين الاعتبار التحولات الفكرية، أو التقدم في العمر، وعدم التحكم في الآراء.
- الإحساس بحيازة العلم، والقدرة، والحصانة يضعف قدرة العباقرة على إدراك أنفسهم بشكل نقدي. فيعتقدون أنهم لا يقولون شيئاً غبياً، مما يوقعهم في فخ الأوهام.
- قد يكون بسبب ضغوط الشهرة، ووسائل الإعلام وغيرها، التي تحثهم على الخروج من مجال تخصصهم. وتبعث فيهم الاستعداد للإدلاء بآراء في كل مجالات المعرفة. يقول ميلتون فريدمان 1912-2006، الحائز على نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية 1976: (لقد طُلب مني رأيي في كل شيء. إن الاهتمام بحائزي نوبل أمر مغر، ولكنه مفسد أيضاً. فنحن في حاجة لترياق لهذا الاهتمام المتعاظم الخارجي، ومن الأنا المتضخمة الذاتية).
- عندما يكون العالم في مرتبة علمية مرموقة، ومرجعاً في مجال تخصصه، فهذا ليس بالضرورة أن يجعل منه مرجعاً في مجالات أخرى كالدين، أو الكائنات الفضائية، أو السياسة.. إلخ. إنهم قضوا سنوات من أعمارهم منكبين على نقاط معينة في فرع علمي دقيق. وخلال هذه السنوات، غالباً ما يكونون غير محتكين –نتيجة انشغالهم ببحوثهم- بما يجري خارج تخصصهم الدقيق.