مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

ما جدوى الثقافة؟!

انتهت الأمسية القصصية وسط الصالة الأنيقة الديكور ذات المساحة الواسعة والجمهور القليل، لحظات ثم التقيت برجل قطع شوطاً في عالم الكتابة لكنه توارى عن الساحة لأعوام طويلة، هنا ولمجرد عتاب خفيف ممزوج بالابتسامة قلت مجاملاً: يا رجل أين أنت؟ الساحة الثقافية تحتاجك!
هنا، ما كنت أتصور أن إجابة هذا الرجل (الأكبر مني سناً وتجربة في الحياة والكتابة) ستجعلني أرقاً ليلة كاملة وأنا أقوم بتفكيك جملة صغيرة في حجمها وكبيرة ذات أبعاد ملغومة في جوهرها عندما قال: (لا أحد يحتاج المثقف في مجتمعنا العربي ولا توجد هناك جدوى من كدحنا الثقافي، ما جدوى الثقافة؟!).
إن كان هناك ثمة بصيص أمل بأن المثقف لا يزال يحمل مشعل التنوير في مجتمعه وقادر على التغيير، فإن (رجلنا) بتصريحه قد أجهز على أصغر بارقة أمل يمكن أن تلوح في الأفق، ولكن لحظة قبل ولوج نفق التشاؤم أو محاولة جلد الذات لتشخيص واقع الثقافة العربية أو ما هي فائدة الثقافة في مجتمعنا العربي، أرى أنه من المفيد محاولة إماطة اللثام عن الفكرة التي قدحت رأي رجلنا فيما ذهب إليه، نريد ممارسة الغوص الحر في عمقها لاعتقاد صادق وعفوي بأن بعض الآراء الثقافية ذات الطابع المشاكس والعفوي هي التي تنجح في وضع الأصبع على الجرح بدون ماكياج المجاملة الثقافية العابرة، سواء ضمن مداخلة تليفزيونية هنا أو تصريح صحفي هناك.
المراقب اليوم لوضعنا العربي على صعيد الساحة الثقافية، يجد (المثقف/ الكاتب/ الشاعر/ القاص/ المفكر/ الروائي) محاصراً بغربة معنوية خانقة تكبل وجوده بلا هوادة، فهو إما مطارد من قبل السلطة السياسية بسبب توجهاته الأيديولوجية أو مطلوب رأسه لدى تيار ديني متشدد (حادثة طعن نجيب محفوظ) كشاهد لا يغيب عن الذاكرة، حيث إن صوت المثقف العربي في الأغلب الأعم يقع تحت سلطة الأمر الواقع في مختلف حالاته.
فيما يخص الجانب الأيديولوجي، لم نعد كما كنا في ثمانينات القرن الماضي نتذبذب بين أيديولوجيتيّ الكتلتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وحربهما الباردة وتجاذبات الحالة الحزبية العربية وحساباتها السياسية واستحقاقات القضايا العربية المصيرية، حيث تجاوزنا الكثير من محطات الصراع بمختلف ملابساته الحتمية والموضوعية، فبقي المثقف العربي حبيس أوراقه وقناعاته، قد دفع فاتورة باهضة من عمره وكل هؤلاء الذين كانوا يعلنون تأييده في توجهاته أو حروبه الفكرية ذات يوم، تركوه مهملاً في محطات الفقر والعوز وفي أصعب الحالات مجرد خيال عجوز يحتضر تؤرشفه صورة هاتفية (فيسبوكية) يتيمة كخبر عاجل في فضاء الشبكة العنكبوتية! هكذا وبهذه الصدمات التي تحدث تحولاً في واقعنا العربي، نؤكد مرة أخرى مشروعية السؤال: ما جدوى الثقافة؟! تبدو منطقية جداً في ظل التدهور العام الذي عصف بالمجتمعات العربية ما بعد مرحلة ما يسمى (بالربيع العربي) ومصيبة داعش وأخواتها فقد تراكمت خسائرنا على مختلف الصعد وخسرنا رصيداً حضارياً هائلاً مما أنجزناه في القرن الماضي وكنا نتفاخر به، كالتعليم والبنية التحتية والتنمية الزراعية وحركة التصنيع والاستثمار المستدام بمختلف القطاعات الإستراتيجية.
اليوم.. ما عادت مجتمعاتنا العربية تقدر عطاء الثقافة والمثقفين! لنُعدْ النظرة الراهنة الحالية والقائمة على أساس تكريم بعض الرموز العربية هنا في هذا الفضاء أو ذاك، فالمسألة لا تعدو كونها مجاملات ثقافية احتفالية تكرس الحالة الصنمية التي تراهن عليها بعض وزارات الثقافة العربية بغية إعلام الجماهير أن الثقافة لا تزال بخير وهذا هو الدليل أمامكم!
في الجانب الآخر من الكواليس، سوف نصطدم مع تحولات الرؤية الجماهيرية ومفهومها للثقافة والمثقف، فلا غرابة في نفرٍ من الغوغاء يعمدون إلى حرق صالة مسرحية أو يرفعون صورة المثقف (الفلاني) متهمينه بأنه من أعوان وأدوات النظام السابق ويطالبون برأسه أو يأكلون شطائر الطعمية ملفوفة بأوراق كتبه هكذا بصمت حينما يُترك كي يموت بهدوء.
صار لزاماً علينا كنخب ثقافية تكثيف خطابنا نحو، ضخ المزيد من الاستثمار في الثقافة والتأكيد على صوابية تبنيه كمسار فاعل في ساحة التغيير للمستقبل، يكفي ما كدسناه من ترسانات أسلحة أثقلت اقتصادياتنا العربية بالدين الخارجي من دون طائل، فإن إعادة الاعتبار للمثقف في نهاية المطاف تعود بحركةٍ طردية فيزيائية مقابلة تصحح المسار الحالي.
متى ما شعر المثقف العربي بقيمته وسط مجتمعه فسوف ينعكس هذا الشعور على ارتفاع معنوياته النفسية ولسوف يعمد بعدها إلى تطوير خطابه الثقافي فيتجاوز التنظير الفكري المترف غير المنتج وصولاً إلى منصات الإنجاز الحضاري الذي يرتقي بالشعوب، بعد ذلك نكون قد أنصفنا المثقف وحققنا الهدف المتوخى باعتبار الثقافة في مختلف تمثلاتها، جدوى كونية تبني الأمم وتنهض بها لا أن تكون مجرد حالات احتفالية موسمية بدون رصيد منتج يبنينا من الداخل.
ذو صلة