مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

هذا المساء.. أقرب مسلسل للكمال في السنوات الخمس الأخيرة

في مسلسل (هذا المساء)، هناك مشهد مفتاحي لقراءة العمل ككل، في الحلقة الأخيرة من المسلسل، عندما يقف أكرم أمام صورة والده الراحل قائلاً له: (أنا وصلت إني بقيت الرئيس التنفيذي للمجموعة.. تمام؟!)، ثم يخرج من الكادر هازاً رأسه في حسرة، وقد تم تداول هذا المشهد على وسائل التواصل الاجتماعي، باعتباره مشهداً وحيداً، ولكن يختصر علاقة أكرم بوالده بالكامل في جملة واحدة، وهو ما يدلل بالضرورة على عبقرية السيناريو، ولكن الحقيقة أن هذا التناول ليس دقيقاً بالمرة، فعلاقة أكرم بوالده قد تم عرضها في مواضع أخرى من المسلسل، ولكن ربما لم تلفت الانتباه من المرة الأولى؛ نظراً لكونها ذُكرت في سياق أحاديث أخرى، ولم تكن بمثل هذا الوضوح والحدية التي في هذا المشهد، والحقيقة أن ذلك كان مقصوداً؛ ليجعل من مشاهدة المسلسل مرة أخرى، مشاهدة ذات قراءة جديدة تماماً لكل ما تم عرضه أمام المُتلقي، وربما لم يلتفت له، وهو ما يفسر الجملة التي قالها مخرج العمل تامر محسن في أحد اللقاءات الصحفية بعد انتهاء عرض المسلسل: (الإخراج هو فن إخفاء الفن).
عند إعادة النظر إلى المشهد المفتاحي، سنجد أن أكرم قد عاد إلى منزل والديه بعدما خسر كل شيء في حياته، وهناك تستقبله الأم وتنبهه إلى ضرورة غسل يديه ليتناول الطعام، وغسل اليدين هو من أساسيات الأوامر التربوية التي يتعلمها الأطفال، هنا يعود أكرم إلى المربع رقم صفر في حياته، بالمعنى الحرفي والمجازي. والدلالة خلف ترديد الأمر في استسلام: (حاضر.. هغسل إيدي.. هغسل إيدي)، قبل أن يوجه حديثه باللوم إلى والده؛ هو أن التربية التي تلقاها من والديه لم تمنحه فرصة الاحتكاك بالحياة الحقيقية الصعبة، لقد كان محمياً طوال الوقت تحت رعاية أسرته، مطيعاً مهذباً يحقق الإنجازات الدراسية والمهنية والاجتماعية المُنتظرة منه، ولكنه لم يختبر الكثير من الأشياء، وهو ما يجعله يخلق عالماً افتراضياً (رومانسياً) عن ذلك العالم الذي لا يعرفه.
الأمر الظاهر هو أن المسلسل يدور في عالمين متوازيين، عالم الأثرياء مُمثلاً في أكرم وزوجته نائلة وشقيقي أكرم شريف وهند، وأجواء المال والأعمال والبورصة، حيث يترقى أكرم في الحلقة الأولى ليحوز على منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة، عن جدارة وليس لأنه زوج ابنة مالك المجموعة؛ وعالم الطبقة الشعبية المُمثل في سمير سائق سيارة أكرم، وشقيقه تريكة وصديقه سوني وابنة خالته عبلة وأجواء (المسمط) والسينما المهجورة ومحل تصليح الهواتف الذكية والشوارع الخلفية للقاهرة. ومن الواضح أن سمير بعد فترة عمل طويلة مع أكرم، قد فتح له باب الدخول إلى العوالم التي لم يرها أكرم من قبل. ولأن أكرم قادم من قمة الهرم الاجتماعي؛ فإنه ينظر إلى عالم سمير نظرة سياحية لا تمت للواقع بصلة، وهو ما يتم ترجمته وفصله بوضوح عن طريق شريط الصوت.
خلال ظهور العالم الأول نستمع في الخلفية إلى أغانٍ غربية متنوعة بين الجاز والبوب والروك آند رول، أثناء السير في شوارع لندن، والذهاب إلى الحفلات بأشكالها المختلفة، والسهر في الفنادق والنوادي الليلة، وهو الأمر الذي لا يتغير طوال المسلسل، باعتبار أن الأغاني الغربية هي جزء من واقع ذلك العالم؛ أما مع ظهور العالم الثاني لا نستمع سوى إلى أكثر الأعمال الشعبية رداءة وفجاجة مثل أغاني (المهرجانات) ومختلف الأغاني الشعبية شديدة المحلية، باعتبارها ما يستمع الناس إليه بالفعل في المواصلات والمحلات والشوارع، لكن مع الظهور الأول لأكرم نستمع إلى أغنية (عندما يأتي المساء) لمحمد عبدالوهاب، والحقيقة أن استخدام أغانٍ من كلاسيكيات الموسيقى العربية يحمل وظيفتين مختلفين، الوظيفة الأولى هي خلق العالم السحري (السياحي) الذي يراه أكرم وحده، والوظيفة الثانية هي دفع تطور العلاقات العاطفية بطريقة غير مباشرة.
ففي حالة أكرم الذي يعاني من حالة فتور عاطفي وفقدان للشغف مع زوجته نائلة، مما يدفعه إلى متابعة طبيب في لندن، يؤكد له أنه سليم عضوياً وأن المسألة لها بُعد نفسي؛ وهو ما تؤكده أغنية عبدالوهاب مع الظهور الأول لأكرم فكلمات الأغنية تقول: (اسألوا هل من حبيب عنده علم بحالي، كل نجم راح في الليل بنجم يتنور، غير قلبي.. فهو ما زال على الأفق محيَر)، وهو ما يدلل على شعور أكرم بالوحدة والحيرة وشعوره بافتقاد شيء ما في حياته بالرغم من أنه يمتلك ظاهرياً كل شيء، ولكن مع اللقاء الأول بين أكرم وعبلة نستمع في الخلفية إلى أغنية (هذه ليلتي) لأم كلثوم، والتي تنضح كلماتها بمعنى العثور أخيراً على المحبوب، ومن ثم يتم تتويج كل من الوظيفتين إلى الذروة عندما نسمع أغنية (ألف ليلة وليلة) لأم كلثوم كأغنية رئيسة مصاحبة للمشهد وليس في الخلفية أثناء الحوار، الأغنية تنطلق أثناء خروج أكرم وسمير من المترو، وقد ذاب أكرم في عالمه الخيالي تماماً وأصبح مُحباً للحياة الشعبية البسيطة التي لا يضطر فيها إلى حساب كل شيء، وفي الوقت نفسه يمتد المشهد لنرى كلاً من أكرم وعبلة وهما في حالة وفاق وتناغم تام وإعلان غير مباشر أن علاقتهما العاطفية أصبحت جاهزة تماماً لأخذ خطوة عملية.
في مقابل كل ذلك يسير العالم الحقيقي منذ البداية بلا هوادة دون أن يلتفت إليه أكرم، يبدأ الكادر الأول من المسلسل بشخص يحاول سرقة محل، نظن في البداية أن ما نشاهده هو من خلال أحد أجهزة الكومبيوتر المتصلة بكاميرا المراقبة الخارجية للمحل، ولكن يتضح أننا نشاهده من خلال هاتف ذكي، وكأن الإطار العام لكل ما يحدث أمامنا هو داخل عالم الهواتف الذكية، وهو الأمر المتحقق بالفعل في المسلسل، ففي أحد المشاهد يتحدث ضيف في برنامج تليفزيوني للتعليق على ضحية من ضحايا اختراق الخصوصية، بأننا أصبحنا جميعاً نعيش حياة أشبه برواية (دكتور جيكل ومستر هايد)، وهي رواية للأديب (روبرت لويس ستيفنسون) تتحدث عن شخص يظهر أمام الناس بصورة مختلفة عن الصورة الحقيقية التي يعيش بها، وتتناول صراعات الخير والشر بداخل كل منا. وبطريقة ما أو بأخرى، أصبحت الهواتف الذكية هي المرآة التي تحمل ذواتنا الحقيقية بداخلها، فكل ما نحبه ونريده ونبحث عنه بدون خجل أو نفاق اجتماعي موجود في الهاتف الذكي الذي يحمل كافة أسرارنا، يؤكد المسلسل هذه الفكرة من خلال مشهد مفتاحي أيضاً في الحلقة الأخيرة عندما يبحث سوني عن مرآة ينظر فيها إلى نفسه ولا يجد، فيطلب من سمير أن يستعير هاتفه للحظة بحجة الاتصال بعمه، ولكن ما يحدث أن سوني يقوم بفتح كاميرا الهاتف الأمامية، لينظر إلى الصورة التي أصبح عليها في نهاية الأمر.
سوني وسمير يُمثلان الفضول الإنساني في أسوأ صوره لمعرفة شخصية مستر هايد التي يخفيها الناس ليتمكنوا من الحياة سوياً في إطار اجتماعي بلا مشاكل، سوني مريض مثله مثل سمير بداء التلصص، وحتى إذا قلنا إن سمير أفضل من سوني، لأنه يحاول تصحيح ما فعله بعدما تسبب في تدمير حياة أقرب أصدقائه إليه وزوجته بتلصصه عليهما، عن طريق تربية ابنتهما نور؛ فإنه لا يزال يقوم بالتلصص على نائلة زوجة أكرم، وهو ما يجعله على نفس المسافة الأخلاقية من سوني من وجهة نظر الأخير على الأقل، كلاهما لم يتعلم الدرس وظل يكرر خطأه حتى بعدما تسبب في حدوث كوارث بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سمير يبحث عن الحب تماماً مثل سوني، سمير من الواضح أنه أحب هدى زوجة صديقه حامد ويقوم بتربية ابنتها عن طيب خاطر لما يحمله من حب لأمها، وهي زاوية أخرى للحكاية لم تعرض مباشرةً ولكنها تُفهم من سياق أحد المشاهد مع أكرم، الذي يصرّح فيه أنه كلما حمل مشاعر حب لشخص ما، كان ذلك الشخص الخطأ، أو الشخص الصحيح ولكن في الوقت الخطأ، تماماً مثلما حمل مشاعر حب إلى نائلة، وعبّر لأكرم في مشهد آخر أن قمة طموحه في الحياة تتمثل في أن يعمل سائقاً لديه، ولكن ما لم يقله أن قمة طموحه أن يظل قريباً من نائلة حتى ولو عن طريق إيصالها بالسيارة، والنظر إليها في المرآة من حين لآخر، ثم يبحث سمير عن الحب مرة ثالثة مع تقى التي لا يستطيع التسامح مع ماضيها الذي رآه رؤية العين في فيديو قام بتصويره حبيبها السابق دون علمها.
وبالعودة إلى سوني فإنه عملي أكثر من سمير، فسمير الذي يقع في قصص حب مستحيلة تماماً، يذهب سوني إلى ما وراء الحب الذي يفشل في الحصول عليه باحثاً عن المتعة الحسية التي يفتقدها في إطار علاقة صحية وطبيعية، وبذلك يقوم بالبحث في هواتف زبائنه من السيدات، باحثاً عن هفوة يستطيع من خلالها استغلالهن مقابل عدم فضحهن بما يملك من أسرار بالصوت والصورة، وهو ما يدفع فتاة منهن بالإيعاز إلى أحدهم بمحاولة سرقة المحل، وهو المشهد الأول الذي نراه في المسلسل، وعندما تعترف الفتاة لسوني أنها تقابله لأنها تخاف من ردة فعله وليس لأنها تحبه، يشعر بالإحباط ويتركها واعداً إياها بحذف ملفاتها من عنده، ويصبح من مفارقات القدر أن السيدة الوحيدة التي أحبت سوني حقاً وترغب في الزواج منه، تكون سيدة أكبر منه سناً ومتزوجة ولا يحمل إليها أي نوع من المشاعر، مما يجعله يبحث عن الحب مع تقى التي تحب سمير وليس هو، مما يجعله في الحلقات الأخيرة من المسلسل يقوم بتخريب وهدم عوالم الجميع بلا هوادة في صورة انتقامية لا ترحم، صحيح أن ذلك الدافع لرفض تقى له بعد موافقتها عليه، كان يشوبه عدم منطقية، وربما يمكن القول إنها كانت ثغرة السيناريو الكبرى في العمل ككل، فهي بخطبتها من سوني فعلت شيئاً لا تريده وعكس رغبتها، كما أنها أفسدت العلاقة بين سوني وسمير، رغم أنها في مرحلة أسوأ عندما قام سوني بتهديدها بالفيديو لم ترغب في تدخل سمير لعدم إفساد العلاقة بينهما، ويبدو أن فريق الكتابة اضطر إلى ذلك الحل لكشف أوراق اللعبة بسرعة بين أكرم ونائلة لتتوافق مع زمن الحلقات الأخيرة، صحيح أن دافع سوني في الانتقام من أكرم مبرر؛ لأنه سرق منه عبلة التي يحبها، ولكن لولا موافقة تقى على خطبة سوني لما تطور الأمر بهذه السرعة التي كانت ضرورية لضبط حلقات المسلسل ككل.
المخرج تامر محسن في ثالث أعماله التليفزيونية بعد (بدون ذكر أسماء) و(تحت السيطرة)؛ يطرح اسمه كواحد من أفضل المخرجين اليوم، فمنذ رائعة (الخواجة عبدالقادر) التي عرضت في 2012م، لم يظهر مسلسل يحمل هذا القدر من الكمال الفني في السنوات الخمس الأخيرة، صحيح أن (هذا المساء) لم يكن موفقاً في بعض الخطوط الدرامية الأقل أهمية من حيث المساحة والتطورات مثل حياة شريف شقيق أكرم وصديقته، وشقيقة أكرم هند وزوجها ماجد، وصديق أكرم مقدم البرامج حازم وصديقته، وظهرت جميعاً مجرد قصص فرعية لتقديم تنويعات على موضوع المسلسل ولم تُوفّق في الالتحام بعمق مع أحداث المسلسل الرئيسة، إلا أنه لم يصل عمل آخر طوال تلك المدة إلى الإنجاز الفني الذي حققه المسلسل، من تعدد مستويات التلقي والعناية بكل جملة حوارية تنطقها الشخصيات والعناية الشديدة في تفاصيل الصوت والصورة والأداء التمثيلي الجبار من الجميع، مما رفع المسلسل إلى مصاف الأعمال الأكثر قُرباً إلى الكمال الفني.
ذو صلة