يحتل قصر العظم جزءاً كبيراً من معبد جوبيتر الدمشقي الذي يرجع للعهد الروماني، ويمتد إلى جوار الجامع الأموي شمالاً وشارع مدحت باشا جنوباً، ويقع بجوار سوق البزورية التاريخي.
شيد في القرن الثامن عشر الميلادي عام 1749 بأيدي أمهر العمال في ذلك الزمن، وبلغ عددهم نحو 800 عامل، واستغرق العمل عليه ما يقارب ثلاث سنوات، وتميز في عمرانه بالمزج الخلاب بين الحجر الملون والرخام والمعدن.
ويعتقد بعض المؤرخين بأنه يقع على أنقاض قصر سابق هو قصر الأمير المملوكي سيف الدين تنكز الذي تعرض للهدم خلال الغزو المغولي لمدينة دمشق على يد تيمورلنك عام 1401م.
قصر العظم ذو باحة كبيرة ونوافير مياه تتوسط حدائقه الداخلية الواسعة، المزينة بأجمل الأشجار المشهورة بها دمشق من نارنج وليمون ومشمش وكل ما هو أشبه بثمار الجنان التي تنعش بعبقها روح الداخل إليه فتبقى بذاكرته إلى أبد الدهر.
ضم القصر ثلاثة أجنحة، أكبرها الجناح الأوسط ويسمى جناح العائلة أو بالتركية: (الحرملك)، وجنوباً يقع جناح الضيوف (السلاملك)، حيث أنه خصص للاستقبالات الرسمية والأعمال، وفي الشمال يقع جناح أصغر للخدمة (الخدملك)، استخدم كمركز لأعمال التدبير المنزلي، ويقع فيه المطبخ والمخازن.
جميع واجهات المبنى تتكون من الحجر وتتألف من رضم بيضاء ورضم زهراء وسوداء اللون ممزوجة معاً، ويوجد باب فخم يمكن الوصول إليه من سلّمين متناظرين، وتتزين جبهة قوس الباب بحجارة بيضاء وصهباء متعاشقة، تكتنفها من الأعلى خيوط وزخارف هندسية متشابكة تؤلف أطراً وتاجاً مستطيلاً مرصعة بالرخام والصدف اللامع، وتظهر فوق تاج الباب لوحة كبيرة ذات إطار من أحجار ملونة تتوسطها بسملة وآية وأربعة أبيات شعر عربية موزعة على شطرين، كتبت بالذهب عام 1163 وبخط الثلث وعلى خراطيش لازوردية، وهذه الأبيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
بسم الله حل بها التهاني
وحمد الله من حسن البضاعة
وبالتوفيق والإتقان شيدت
كنوز نير أبدى شعاعه
لها الأقدار فاهت في علاها
بتاريخ أتى فرد الصناعة
أمير الحاج أسعد في كمال
حباه الله بالإكرام قاعة
ونوافذ القصر أغلبها مستطيلة بأقواس منخفضة، ويعلو كل واحدة لوحة بها زخرفة فسيفسائية جصية. يتجلى الإبداع فيها باختلاف اللوحات مع أنها متشابهة ومتناسقة. أما إطارات النوافذ العليا فهي مبنية من الحجر القرميدي الطري، وتتزين بزخارف هندسية بارزة مخرمة بدقة عالية، كما تتميز الأبواب وأقفال النوافذ الخشبية بخيوط متشابكة هندسية متحلية بحلقات نحاسية مثقبة.
وجميع قاعات القصر في الطبقة الأرضية تتحلى بسقوف خشبية تتضمن مكتبات مزينة بتحف ونفائس ومصابيح فاخرة، ويوجد في الكسوة الخشبية التي تقع في أعلى الجدار لوحات كتب عليها بالذهب آيات قرآنية وأشعار تنتهي بالتاريخ 1163هـ المتكرر في عدة قاعات، وهو مطابق للتاريخ المذكور على اللوحة الحجرية التي تتصدر باب القاعة الرئيسة.
من أهم الميزات في القصر وقتها هو وجود الحمام الخاص به الذي كان يستخدم للعائلة أو للضيوف في المناسبات الرسمية كنوع من حسن استقبال الوالي لرجالات الدولة، تصميمه يشبه الحمامات الاعتيادية العامة (حمام السوق)، ولكن على نحو مُصغر، ويقع بين جناح الضيوف وجناح العائلة، ويتألف من ثلاثة أقسام: سميت بالعامية: (البراني) حرارته معتدلة، (الوسطاني) حرارته دافئة، (الجواني) حرارته مرتفعة، ويضم هذا القسم ردهات صغيرة ومقصورات مجهزة بصنابير باردة وساخنة وأجراناً رخامية جميلة.
في الوقت الحالي حولته مديرية الآثار في دمشق إلى متحف يحوي خمس عشرة قاعة كل واحدة تروي للزائر أبرز ما كان يتعلق بالماضي السوري، وفيها دمى تمثيلية تحاكيه وتجسده بأجمل صورة، وهي:
قاعة الكتابة والتدريس: يعرض فيها مشهد الفصل الدراسي قديماً المسمى بالكتّاب، وهو بمثابة المدرسة التقليدية القديمة، وكان يدرس للتلاميذ فيها القرآن الكريم واللغة العربية والعمليات الحسابية البسيطة.
قاعة الاستقبال: وفيها الأثاث الدمشقي الطراز المصنوع من خشب الجوز، والمُطعم بالصدف البحري والمغطى بقماش الأغباني المصنوع من خيوط الحرير الموشى بالذهب والفضة.
قاعة الآلات الموسيقية الشرقية: تعرض نماذج للآلات النفخية، والوترية، والإيقاعية، بالإضافة لمجموعة من الفونوغرافات، والأسطوانات السمعية الخاصة.
قاعة الصدف: تنفرد بعرض لمجموعة فاخرة من الأدوات والأثاث المنزلي المصنوع من الخشب المطعم بالصدف.
قاعة العروس: تعرض مشاهد مراسم الأعراس التقليدية القديمة، والأزياء التي كانت ترتديها العروس في هذه المناسبة، والهدايا التي كانت تقدم لها مع مجموعة من الأواني الزجاجية.
قاعة الحماية: تُعرض فيها مشاهد من الحياة اليومية للعائلة الدمشقية، الجدة والكنائن.
قاعة الملك فيصل: ويوجد بها متعلقات تعود للملك فيصل.
قاعة الحج: يعرض فيها مشاهد لمحمل الحج الشامي القديم مع أمير الحج والسنجق، كذلك لباس الحجاج والهدايا التي يحضرونها من مكة، والاحتفالات الدينية التي تتم أثناء استقبال القافلة وتوديعها، ويعرض في وسط القاعة مصاحف قرآنية مكتوبة بالذهب والفضة، والتقويم الهجري، وأسماء الله الحسنى، وحبة قمح كتب عليها ستة أبيات شعر في مدح الأمير زيد شقيق الملك فيصل، وبيضة كتب عليها سورة الواقعة وطومار ورقي كتبت عليه آية الكرسي، وتضم القرآن الكريم بشكل كامل.
قاعة المقهى الشعبي: تحاكي ما كان يتم في المقهى الشعبي من التسالي والألعاب كالحكواتي وصندوق العجائب ومسرح خيال الظل.
قاعة السلاح: فيها مجموعة من الأسلحة القديمة التي استعملت في الدفاع عن سوريا كالسيوف والخناجر ولباس الحروب والبنادق.
القاعة الكبرى: وهي قاعة استقبال الباشا، وتعرض مشهد الباشا مع أحد الفلاحين ووكيله، ويوجد فيها أثاث مصنوع من خشب الجوز المطعم بالصدف والمزخرف بالأرابيسك والخط العربي مع مجموعة من الفضيات.
قاعة الجلود: تعرض نماذج للأدوات والأغراض المصنوعة من الجلد كالأحذية والأحزمة والحقائب وصانع الجلد مع الأدوات المستخدمة في هذه الصناعة.
قاعة النسيج: تضم نماذج النسيج الدمشقي وأنواعه كالدامسكو، البروكار، الأغباني، ونماذج عن الأحزمة والنول.
قاعة الزجاج: وفيها عرض مشهد صناعة الزجاج وبعض الأواني الزجاجية.
قاعة النحاس: تضم قطعاً نحاسية مميزة من ذلك الزمن.
كان وما زال قصر العظم محط إعجاب كل من زاره، ومنهم إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني عام 1898 والمفوض السامي الفرنسي الذي أتخذه مقراً لإقامته في بداية فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1920م، إضافة لتصدره العناوين في عدة مقالات للصحف العالمية كونه واحداً من أجمل القصور في العمارة والحضارة الإسلامية على الإطلاق.