مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الروائي الذي نسي لغته

ذات يوم قررتُ أن أنسى لغتي!
بقيت لأكثر من عام وأنا لم أقرأ كتاباً عربياً واحداً، ولم أكتب كلمة عربية واحدة (هنا أقصد الكتابة بمعناها الأدبي). لقد كان ذلك في منتصف عام 2016 عندما غادرت مع أسرتي إلى دولة نيوزيلندا في تجربة دراسية. بدا هذا القرار تحدياً جديداً لأتعلّم لغة أخرى، أنا الذي أمضيت في هذا العالم نحو ثلاثة وثلاثين عاماً لا أجيد غير اللغة العربية، وبضع كلمات إنجليزية كنت أسمعها في الأفلام.
أجزم بأنها كانت تجربة قاسية. وصلتُ لتلك الدولة وأنا رجل أميّ لغويّاً، فالتحقت بعدة معاهد لتعليم اللغة الإنجليزية، واستمرّت قسوة تلك التجربة لأكثر من أربعة أشهر من الضجيج. كنت أعيش في عالم صوتي غريب. يمر اليوم بعد الآخر، وأنا في ملكوت لا متناه من الأصوات التي لا أميّزها، حتى جاء اليوم الذي انكسرت فيه تلك اللغة في أذنيّ، وبتّ أفهم ما يقال، لكنني رغم ذلك لم أكن قادراً على بناء جملة سليمة يمكن بها التعبير عن نفسي، وأنا أقصد: جملة سليمة، لأنني حين كنت أتحدث مع الآخرين كان حديثي مفهوماً، وسلامة اللغة أمر يختلف تماماً عن الفهم، فالفهم لا يحتاج إلى لغة سليمة على الدوام.
مرّت الأيام حتى جاء حدث فلكي كبير في المدينة، هو ظهور القمر الأحمر العملاق، لقد بدا في سماء المدينة واضحاً، بلون أحمر مدهش. كانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد قمراً بهذا الشكل، وبكل ذلك الوضوح، فقررت أن أكتب عنه. إنها كيمياء الممسوس بالكتابة.
كتبت قصة قصيرة جداً باللغة الإنجليزية عن ذلك القمر العملاق، وعندما أنهيتها، فرحتُ جداً، فهو إنجاز لا مثيل له بالنسبة لي في ذلك الوقت، لكنني لم أكن أعرف مدى سلامة لغتي المكتوبة، على الرغم من أنني استعنت بكل الوسائل التكنولوجية ليظهر ذلك النص سليماً في كل شيء.
إنه جبروت اللغة، بلا شك، فنحن الكتّاب مصابون بلوثة من الغرور إزاء ما نكتبه وننجزه، لكننا نحسّ في لحظة ما بصغرنا وتفاهتنا أمام اللغة، فهي أعظم منّا، لأنها عصية على الإمساك.
قررت أن أعرضها على معلمتي في معهد اللغة. قرأت القصة، وأخبرتني أن اللغة سليمة نحوياً وإملائياً، لكن ثمة عبارة في منتصفها غير مفهومة تماماً، فعدّلت عليها بقلمها الرصاص وفق ما تراه مناسباً، فقرأتها بدوري، فوجدتها تختلف عما كنت أفكر فيه، وما أريد قوله، فنصحتني أن أعرضها على معلمة أخرى، فركضت إلى المعلمة الأخرى بذات الورقة التي تم التعديل عليها بقلم الرصاص، فقرأتها تلك المعلمة، وأشارت إلى نفس ما أشارت إليه معلمتي السابقة، لكنني أحسست أن ثمة خللاً ما، وعندما أخبرتها أن ما كتبته المعلمة الأولى يختلف عما أفكر فيه، نصحتني أن أعرضها على أحد المعلمين الأكبر سناً، وكان اسمه «بيتر»، وهو رجل تجاوز الستين من عمره، يشبه كثيراً الممثل النيوزيلندي الشهير (راسل كرو).
عندما دخلت على «بيتر» مكتبه، استقبلني بحفاوة، أنا الذي قضيت في ذلك المعهد أكثر من خمسة أشهر، وصرت أقدم طالب مازال مستمراً في الدراسة، عرضت عليه القصة، وأخبرته أن التعديل المكتوب بقلم الرصاص على الورقة لا يمثّل ما أودّ التعبير عنه، فسألني عما أود إيصاله، وبعد نقاش قصير، قام بمسح كل الكلمات التي كتبتها معلمتي الأولى، وغيّر كلمة واحدة - فقط كلمة واحدة - فأصبح المعنى المكتوب على الورقة يتناسب مع ما أود التعبير عنه، وقال: (الآن بات النص إنجليزياً).
أخذت أناقشه بعد ذلك، وقال لي فكرة مازلت أذكرها إلى الآن، وهي أنني أكتب باللغة الإنجليزية، لكنني أفكر باللغة العربية، وهذا ما أوقعني في هذا الخطأ، فإن أردتُ أن أكتب باللغة الإنجليزية، فعليّ أن أفكر بالإنجليزية، فكل لغة لها تفكيرها الخاص.
هذه القصة تعيدني للقائي الأول بالشاب العربي الذي كان يعمل متعاوناً مع أحد معاهد اللغة الإنجليزية التي كنت أدرس فيها هناك، لقد كان فلسطيني الجنسية، وكان في نفس الوقت يشتغل على أطروحته للدكتوراه في إحدى الجامعات النيوزيلندية، تفاجأت يوماً باتصال منه، وطلب لقائي، ولأنه لم يكن لي عالم مكتمل في ذلك الوقت، فقد التقينا في نفس اليوم، شربنا القهوة سوياً، ثم عرض علي أن أكون إحدى عينات البحث التي سيجري عليها اختبار في أطروحته، كوني كاتباً، ولي تجارب عدة في النشر.
كانت أطروحته تُعنى بالصعوبات التي يواجهها الطلاب غير الناطقين بالإنجليزية أثناء تعلمهم للغة، ممن يملكون مستوى متقدماً جداً في لغتهم الأم، بعد ذلك حددنا موعداً آخر على الغداء، فالتقينا، وبدأ أسئلته.
في الواقع كان منصتاً لكل ما أقوله باهتمام بالغ، وكان يدوّن أغلب ما يسمعه، لقد وجدتُ أن أكبر المشكلات التي يواجهها من يملكون لغة عالية في لغتهم الأم أثناء تعلمهم لغة جديدة، هو الثراء اللغوي، فاللغات الجديدة تحتاج إلى السذاجة حينما نتعلمها، لكن كلما زاد ثراؤنا اللغوي، نجد أنفسنا أمام مأزق كبير في التعبير عما في نفوسنا، فنحن، وإن كنا نحمل أفكاراً بسيطة، إلا أننا نملك القدرة على التعبير عنها بشكل أفضل من أولئك الذين لا يملكون مخزوناً لغوياً مرتفعاً، على الرغم من أننا نتحدث نفس اللغة، فمدى فهمنا للغة يختلف من شخص إلى آخر، وكلما زاد فهمك للغتك، واستيعابك لها، وقدرتك على التحدث بها بشكل أكبر، ستزيد، بلا شك، مشكلاتك في تعلم لغة جديدة، لأنك ستبدأ فيها مثل الطفل الذي لا يحمل محصلة لغوية كبيرة، فيبدأ التصادم الكبير في ذهنك، بين قدرتك على التعبير الرفيع عن أفكارك بلغتك الأم، وبين محصلتك اللغوية الفقيرة في اللغة الجديدة، عندها يخرج الكلام مشوهاً مثل الأطفال الخدّج.
كل ذلك أثاره واستدعاه كتاب المترجم المصري محمد الفولي (النص الأصلي: عن الترجمة ومسارات الحياة) الصادر عن دار الكرمة، فعندما انتهيت من قراءة هذا الكتاب تراءت كل هذه المواقف في ذهني، لأن للغة أوجهاً عدة، وقد استطاع أن يجيب الفولي بشكل جزئي عن سؤالي حول لغة المؤلف ولغة العمل، والعمل المضني الذي يقوم به المترجمون ليظهر النص بأعلى جودة ممكنة.
في الأدب المترجم نحن عرفنا الكثير من النصوص العظيمة من خلال المترجمين، وارتبط بذاكرتنا كثير من المترجمين الذين قرأنا الأدب العالمي من خلالهم، لكنني دائماً ما كنت أسأل نفسي: عندما قرأنا رواية (قصة موت معلن) وأحببناها، فهل نحن في الواقع قرأنا لغة صالح علماني - رحمه الله - أم لغة ماركيز؟ وعندما قرأنا رواية (امرأتان في براغ) وأحببناها، فهل نحن قرأنا لغة مياس أم لغة أحمد عبداللطيف؟ وأيضاً، عندما قرأنا رواية (أخف من الهواء)، وأحببناها، فهل نحن قرأنا لغة فيديريكو جانمير أم لغة محمد الفولي؟ أم أن كل هؤلاء المترجمين قاموا بمثل ما قام به معلمي (بيتر)، لتغدو النصوص (عربية)؟
لطالما تساءلت أيضاً: هل وظيفة المترجم هي أن ينقل نصاً من لغة إلى لغة أخرى فقط؟ فرغم كل الصعوبات، والإشكاليات التي ذكرها الفولي في كتابه من خلال تجربته في الترجمة إلا أن الفصل الذي حمل عنوان: (قائمة صفراء)، كان دقيقاً جداً، ذلك الذي ذكر فيه الأطر الأساسية لمشروعه في البدايات، تلك التي تتلخص في ستة أشياء، أولها: ترجمة أعمال جيدة لكتّاب معاصرين.
إن هذا الإطار هو ما توافق مع رأيي الذي لطالما آمنت به، فليست وظيفة المترجم أن ينقل نصاً من لغة إلى أخرى فقط، بل له وظيفة أخرى مهمة وأساسية، وهي أن يكون كشّافاً. أن يغوص في النصوص، ويخرج لنا كتّاباً وأعمالاً جديدة لم يعرفها القارئ العربي من قبل، وهذا ما هم مدينون لنا به، فيما نحن مدينون لهم بكل الشكر والدعم إزاء كل الجهود التي يبذلونها لتجويد النصوص، وإطلاعنا على أعمال جديرة بالقراءة.
أتذكّر جيداً أنني أصبت بالدهشة عندما قرأت رواية (السنة المفقودة) للروائي الأرجنتيني بيدرو ميرال، أصبت بدهشة لفكرة النص الفريدة من نوعها أولاً، وجمال اكتشاف كاتب جديد لم أقرأ له من قبل، وأتذكّر أنني أرسلت شكراً كبيراً للناشر شوقي العنيزي، لأنه قام بنشر هذا النص، وأرسلت للمترجم أشرف القرقني شكري أيضاً.
الأدب مساحة مهولة جداً، وفي كل لغة هناك أعمال لم يحالفها الحظ في أن تنجح، لتدفع الناشرين لترجمتها، لكنها بكل تأكيد هي نصوص بديعة في الوقت ذاته، وأتصور أن وظيفة المترجم أن يبحث عن هذه النصوص ويقدّمها لنا، لأن الترجمة تعني في شكل من الأشكال تقديم الجمال.
هذا يعيدني لمشاركتي في معرض بوينس آيرس للكتاب عام 2024 في العاصمة الأرجنتينية، بدعوة من هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، فعندما كنت أتجوّل في أروقة المعرض، كنت أرى الطوابير ممتدة كل يوم على كاتب أو اثنين يريدون توقيعاً، كانت تلك الطوابير تمتد إلى مئات الأمتار، وأنا في الواقع لم أكن أعرف أولئك الكتاب، ولم تظهر صورهم أمامي من قبل إطلاقاً، فكنت أردد فيما بيني وبين نفسي، من المؤكد أن هناك أحداً من هؤلاء الكتّاب يكتب أشياء فاتنة، وجديرة بالقراءة، لكن أين المترجمون عنهم؟ ولكيلا أكون مجحفاً، فالمترجمون والمترجمات لا يستطيعون أن يحيطوا بكل ما ينتج في لغة ما، لكنني أعتقد أنه ينبغي عليهم أن يقرأوا للأسماء الجديدة التي لم يترجم لها من قبل.
إنني أعي جيداً أن الكتّاب والمترجمين يمرون بمشكلات عديدة في سوق النشر، فهذا السوق له أحكامه أيضاً، لكن من الجيد أن يخلق المترجم بينه وبين أحد الناشرين كيمياء حقيقية، تدفعه لأن يغوص في اللغة التي يترجم منها، ويأتي بنصوص لم تترجم من قبل لكتاب لا نعرفهم، وأن يؤمن بها الناشر، لأنه يثق في المترجم لا غير، ويقوم بطباعتها ونشرها.
على المترجم أن يثق بذائقته، وألا يكون أداة تحت الطلب، بحيث يكون رهن إشارة الناشرين فقط، بل عليه أن يقرأ كثيراً، أن يتعلم أن يقول (لا) عندما يتنافى النص مع ذائقته وحدسه، وأن يقاتل على أن ينشر تلك الأعمال التي آمن بها، لأن الكتابة تهبك الخلود، فما ننشره اليوم سيبقى في التاريخ، وما أسوأ أن تواجه نصاً لك بعد سنوات عديدة، فتقف أمامه بخجل، وقد انكسر شيء من روحك.
وعلى المترجم أيضاً أن يتذكر دائماً ما قاله الفولي عن المترجمين: (نحن قوم نلاحق أحلاماً لا أشخاصاً، نلاحق أنفسنا فحسب).

ذو صلة