مجلة شهرية - العدد (574)  | يوليو 2024 م- محرم 1446 هـ

بذور الذكريات(6)

من يهتدي إلى الطريق التي توصل إلى حب القراءة والتعود عليها لابد أنه قد عرف أن البداية كانت تسلية وتمرير وقت، ولكن عندما تمر به الأيام، ويختلط بأمثاله ومن سبقهم، وهم الذين أصبحوا في قراءاتهم يبحثون عما يفيدهم معرفياً في شؤون الحياة في دوائرها العديدة، المتمثلة في التنوع واختلاف الأذواق، تصبح لديه القناعة التامة أن مواصلة القراءة قد جعلت منه شخصاً يجري وراء الكتاب ويحتضنه ويكون رفيقه مع الرفاق الذين كانت بداياتهم معاً في القراءات الخفيفة، وكانت هذه الحالة والوصول إليها من نتاج البذرة التي كانت قد حصلت مما تكون من فهم عندي والزميلين عبدالله الناجم وإبراهم ماجد، حيث انتقلنا من قراءة سندباد/سمير، إلى المكتبة الخضراء، وكتب الكيلاني، ثم أرسين لوبين (اللص الظريف)، وصولاً فيما بعد إلى روايات إحسان عبدالقدوس، ويوسف السباعي، ومحمد عبدالحليم عبدالله، إضافة إلى المترجم من بعض الروايات والقصص العالمية للمشاهير (ديكنز/هوغو/بلزاك)، وهذه الحالة اصطلحنا على أن نسميها مرحلة الهوس القرائي بإرشادات من أساتذتنا: (عاشق الهذال، وعبدالعظيم الحلفاوي، وعبدالرؤوف اللمداني).
الحقيقة التي كانت تصاحبني وأنا لما أزل في المرحلة الابتدائية هي تنافس الغيرة بيننا نحن الذين كان توجهنا للقراءة وبخاصة الأدب، فقد قرأت رواية (البؤساء) للكاتب الشهير والأديب العظيم فيكتور هوغو وأنا في الصف الخامس، كانت عشرون صفحة تستغرق ساعات يومي، وأحياناً أتجاوز بعض الصفحات لأنتهي من هذا السفر الثقيل، ولكي أتباهى بأنني قرأت البؤساء التي لم أفهم منها إلا اليسير وأقل -قرأتها مرات بعد سنوات -.
لست أدري من أوحى لوالدي أن يعمل على إلحاقي في السلك العسكري، حيث كانت في الطائف المدرسة العسكرية الابتدائية، تقبل من الصف الرابع، ففي أحد الأيام منذ الصباح الباكر طُرِق باب البيت مع صوت ينادي مردداً (يا بو سعد) عدة مرات، كان المنادي فهد الخريجي، ومعه ابنه عبدالرحمن -عُرف عبدالرحمن بعد سنوات في كبره فناناً ممثلاً على الرغم من أنه كان برتبة عقيد- ذهبت وعبدالرحمن مع والدينا، وصورنا بطريقة بدائية كانت في ذلك الوقت تعتبر الأحدث (صورة مائية) الكاميرا عبارة عن أستوديو متكامل تلتقط الصورة وتحمضها وتنشفها، وتوجهنا إلى المدرسة العسكرية، وهي تقع خلف مستشفى الأمير منصور العسكري، الذي وجهنا إليه من مدير المدرسة للكشف الطبي في نفس اليوم، سحبت عينات من الدم ثم أصبحنا نراجع يومياً المستشفى من طبيب لآخر حسب الاختصاص، وكل يسجل نتيجة الفحص، تجاوزنا الفحوصات وكانت جيدة، وعند وصولي طبيب العيون، العين اليمين: (فوق - تحت - يسار يمين) تمام. العين اليسرى: لا فوق ولا تحت ولا أربعة أصابع من يد الدكتور. قلت: (واحد) ضحك وكتب بالأحمر (غير صالح) كيف؟! (يا بني دنت مبتشوفشي خالص بالعين دي). عدت إلى البيت وعبدالرحمن يشاركني التأثر على الرغم من قبوله، ولكن الوالدة حمدت الله وقالت: (خيرها في غيرها). رجعت للمدرسة الشرقية الصف الخامس لمواصلة التعليم مع زملائي ونفسي في العسكرية وخصوصاً عندما رأيت بعض من كان معي في المدرسة وهم يرتدون الزي العسكري، أذكر منهم سعيد مرزوق الحارثي، وحسن الحربي، وغيرهم.
لم تتوقف رغبة الوالد عن دفعه بأن ألتحق بالمدرسة العسكرية، ودائماً يذكرني بابن صديقه عبدالرحمن الذي يمر عليهم وهم جلوس كل عصر خميس في دكة أو (مركاز والده) الذي تحول إلى مقهى اشتهر في شارع عكاظ باسم (قهوة الخريجي)، فعندما يسلم عليه عبدالرحمن يقول له: (ليت أخوك سعد معك ولكن نصيب). وكان من ضمن رواد جلسة المقهى عبدالله خشيفاتي أبو مراد، وكان يعلق على كتفيه رتبة (رئيس/مقدم) ويعتمر الغترة والعقال على اللباس العسكري (ضابط كاتب) لأن عمله إداري بين الخطابات والحسابات، ولكون علاقته جيدة بأحد المسؤولين العسكريين في (وزارة الدفاع) وكان مقرها قصر شبرا الشهير، ولكن عمله في القشلة جنوب منزل الأمير فيصل، وقتذاك، عرف الخشيفاتي رغبة والدي وأخبره أن رغبته هو كذلك أن يكون مراد ابنه عسكرياً، وهو عازم على إلحاقه بالمدرسة العسكرية، وطلب منه أن يكتب معروضاً، واصطحبني مع ابنه للوزارة ومنها توجهنا للمدرسة ودارت عملية مراجعة المستشفى العسكري بطريق (الحوية) مثل سابقتها وكانت النتيجة إياها (مشكلة العين اليسرى). التحق مراد وأنا عدت لمدرستي أواصل دراستي وما يطلب من نشاط ومشاركات في الثقافة والرياضة منها، لم أكن متقدماً ولا متأخراً ولكن بين هذا وذاك، وصلت السادس بنفس الحماس وحث الوالد وحرصه الشديد على أن لا أفوت أي يوم من أيام الدراسة، بالترهيب والترغيب كان يعاملني، وجاء وقت امتحان الشهادة الابتدائية، وكانت لجنة الامتحان في نادي ضباط الجيش المحاذي للقشلة من الشمال، وكانت كل مدارس الطائف التي كانت أربعاً فقط: (السعودية، العزيزية، اليمانية، الشرقية)، ونحن من نحضر الأوراق (فرخ) الذي نثبتها بمقبضة أو (مساكة) بقطعة كرتون أو خشب ونجلس على الأرض. مضت أيام الامتحان ثم عقبتها الإجازة السنوية الكبرى ونحن ننتظر النتيجة، وذات يوم وأنا أستمع إلى برنامج (بابا عباس) برنامج الصغار الذي كان يشرف عليه ويقدمه الأستاذ عباس فائق غزاوي وماما أسماء، حكايات ودردشة وأناشيد ونصائح بأسلوب سهل سلس، وكان المنشد البارز ضياء عزيز ضياء، نجل الناقد الشهير الأستاذ عزيز ضياء، الذي أصبح فيما بعد من رواد الفن التشكيلي في المملكة، وكان النشيد الشهير الذي يردده كل يوم جمعة الوقت المحدد لبثه وهو من كلمات عزيز ضياء:
أنا بدي أصير طيار
وأهجم وأضرب بالنار
الجو بس اللي صديقي
مهما تكون الأخطار
أنا دمي وروحي هدية
لبلادي الغالية عليه
دي بلادي وفيها إخواني
وحياتي كلها هيّ
فجأة صمت المنشد وإذ بماما أسماء تبشر بأن أسماء الناجحين في الشهادة الابتدائية ستذاع قريباً، ثم استمر بث البرنامج وكان انتظاراً لم يطل، يصاحبه الدعاء بالتوفيق والنجاح، حيث بعد عدة أسابيع صارت الإذاعة في أوقات مختلفة تتنقل في بث أسماء الناجحين من مدن المملكة المختلفة، وتلحقها في اليوم التالي الجرائد في نشر الأسماء. وما أن جاء دور أسماء الناجحين من الطائف وكنا في البيت نصيخ أسماعنا وهي تتلى هجائياً: سعد.. سعد.. سعد الحميدين حتى خيمت الفرحة على الجميع بالزغاريد والدموع مبروووووك.

ذو صلة