مجلة شهرية - العدد (574)  | يوليو 2024 م- محرم 1446 هـ

عتبات النص ورؤوس الكتابة الثمانية

قديماً كانت البيوت تحكم فضاءها الداخلي بأبواب تصنع غالباً من الأخشاب الصلدة القوية المستدامة التي تعمر قروناً طويلة دون أن يدب الوهن في كينونتها ولا شكلها الخارجي، وكانت عادة مزينة بزخارف فنية راسخة الجمال، عميقة المحتوى، وكأنها تحمل رسالة للمارة وعابري السبيل تقول إن البيوت تستبطن أسراراً وقيماً متجذرة ومبادئ منحوتة لن يستطيع الزمن أن يحرفها، لذلك فإن لعتبات الدور حرمة خاصة وقدسية في نفوس الناس كون افتضاضها يفضي إلى افتضاض أسرار المنازل أو الاطلاع على مكنون المساكن، ومن هذا الفهم الأولي فإن عتبات النص بعد أن تذلل لنا تفضي إلى اكتناه أسرار المتن، وتكون بالضرورة جسراً لعبور القارئ إلى عوالم النص الداخلية وكشف معانيه ودلالاته الخبيئة.
ومن جانب آخر فإن عتبة الدار وإن كانت الموطئ الأول للولوج إلى الفناء الداخلي، إلّا أنها لا تفصح في أحيان كثيرة عن كل مكنون الأسرار، فقد تكون في هيئة لا تتناسب مع فخامة الدار لأسباب تتعلق بمجاراة الأعراف السائدة أو التوافق مع أشكال عتبات بيوت الحي أو المحلة، أو لأسباب عديدة يطول الحديث عنها، وعلى صعيد آخر فإن لأي دار أبواباً داخلية كثيرة تقف كالحراس الذين ينافحون من أجل عدم افتضاح جميع الأسرار دفعة واحدة، وبالتالي فإن هذا النوع من الأبواب تؤدي دورها المطلوب وهو ستر فضاءات الدار الأكثر خصوصية، وكلما تعددت الفضاءات الداخلية تعددت الأبواب، وبالتالي تعددت العتبات، وبما أن البناء النصي يشبه إلى حد كبير البناء المعماري، فإن عمل المؤلف يماثل عمل البنّاء كذلك، كونه يقوم بتوليف الأفكار ورصف لبنات اللغة من أجل تشييد النص شعراً كان أم سرداً، ناهيك عن أن عمل المؤلف لا يقف عند حدود التشييد الخارجي للبناء، بل تقع على عاتقه مسؤولية تأثيث فضاءات النص الداخلية وترتيب موجوداته كذلك، ومن هنا فإن العرب القدامى قد تنبهوا مبكراً إلى هذه العلاقة الجدلية بين تشييد المنازل وتشييد النصوص، فقاموا بتوظيف المداليل التي تتصل بالبناء والتشييد في نصوصهم ومؤلفاتهم، فاستخدموا مفردات مثل البيت والعمود والوتد والسبب ضمن أدوات كتابة الشعر واستخدموا مفردات الباب والفصل (ما يفصل بين حاجزين) والقسم والبناء أو البنية ضمن أدوات التأليف النثري والبحثي وهكذا.
غير أن غالبية النقاد الأدبيين والباحثين والمهتمين بحقول الأدب العربي والآداب الأخرى يتصورون أن مصطلح (عتبات النص) من المصطلحات التي سوقتها الثقافة الغربية الحديثة خصوصاً بعد صدور كتاب (عتبات) للناقد الفرنسي جيرار جانيت عام 1987م والذي يعتبره الكثيرون منعطفاً حاسماً وتأسيساً لمرحلة جديدة من مراحل قراءة النص ونقده بالاعتماد على نصوصه الموازية من أجل الكشف عن مكنوناته الحقيقية، في حين أن علماء العربية القدامى كانوا قد تلمسوا هذا المفهوم واشتغلوا عليه بوعي عميق لأهميته وحيويته، فكانت عند المتقدمين منهم على شكل إشارات ومن ثم أخذت بالتطور إلى أن أصبحت توجيهات ومن ثم تنظيرات، غير أنها متناثرة بين المؤلفات المختلفة، وقد تطورت بعد ذلك أكثر إلى أن تم إفراد كتب ومؤلفات مستقلة تعنى بها وتشخصها مثل كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة (ت 276هـ)، وكتاب (أدب الكتّاب) لأبي بكر الصولي (ت 335هـ)، وكذلك كتاب (الاقتضاب في شرح أدب الكتّاب) لعبدالله بن محمد البطليوسي (ت 521هـ) وغيرها، وقد وضعت هذه الكتب وسواها تفصيلاً منهجياً وقامت بصياغة قواعد ناضجة لكتابة النصوص وتحديد ضوابط خطاباتها، وبعد ذلك تبلورت هذه الأفكار وتعمقت رؤاها أكثر للحد الذي بانت معالم هذه الضوابط بارزة ومحددة كأسس ومرتكزات وقواعد اصطلحوا عليها بـ(الرؤوس الثمانية).
وشيئاً فشيئاً كما هو الحال في أي نظرية معرفية لابد أن تمر بأطوار النضوج والتكامل والتطور، فإن مصطلح (الرؤوس الثمانية) أصبح علماً في هذا المجال المعرفي، بحيث إن العلماء العرب بمختلف تخصصاتهم تحدثوا عن رؤوس الكتابة الثمانية كمفهوم قائم بحد ذاته، على سبيل المثال لا الحصر، فإن المؤرخ تقي الدين المقريزي (ت 845هـ) في الجزء الأول من كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) تحدث بشيء من التفصيل في باب خاص بعد مقدمة المؤلف مباشرة أسماه (ذكر الرؤوس الثمانية) وجاء فيه: (اعلم أن عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالرؤوس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب، وهي الغرض، والعنوان، والمنفعة، والمرتبة، وصحة الكتاب، ومن أي صناعة هو، وكم فيه من أجزاء، وأي أنحاء التعاليم المستعملة فيه)، ولم يقف عند حدود ذكرها وتعدادها بل توسع في توضيح أبعاد الكتاب ومراميه وفق تسلسلها المذكور، ومن هنا نكتشف أهميتها بالنسبة للمؤلف والمتلقي في آن معاً.
في حين أن الناقد الفرنسي جيرار جانيت في تناوله لعتبات النص، أو ما اصطلح عليه بالمناص ركز على بعض هذه الرؤوس الثمانية معتبراً إياها عتبات ومناصات، وقام بذكر عتبات أخرى خارج تشكيلتها، ومن تلك العتبات التي ذكرها، العنوان والمقدمة والأيقونة والاقتباس واسم المؤلف، وقد تم التركيز على عتبة العنوان من بين هذه العتبات للحد الذي أصبحت هذه العتبة تقف على أهمية بالغة عند غالبية النقاد الذين يتصدون بدراساتهم النقدية لنص معين سردياً كان أم شعرياً، وذلك كون العنوان هو الشاخص الأول الذي يتراءى لعين المتلقي وبالتالي فهو الجبهة الأمامية لأي كتاب أو نص سواء كان ديواناً شعرياً أو عملاً روائياً أو دراسة في أي مجال من مجالات المعرفة الإنسانية، لذلك فهو يهيئ القارئ لما يستبطنه النص ويعطيه الانطباع الأول عن مكنون الداخل، بل إنه يفرض سلطته على القارئ كونه أول أيقونة بصرية تثير في داخله شهية التأويل قبل أن يلج عوالم النص، لذلك نجد أن معظم القراء تسحرهم عناوين الكتب وينجذون إليها قبل أن يتعرفوا على محتوى متونها.
وعموماً فإن جميع عتبات النصوص ما هي إلّا منطلقات تساعد على بلورة أفكار أولية وتبعث لنا رسائل تحمل شفرات جسد النص فتؤثر وتتأثر به لأنها قائمة على عملية التلاقح بينها وبين ذات النصوص، من جانب آخر يمكن اعتبار العتبات (شبابيك) تسمح بإلقاء نظرة على ما خلف الجدران، وبالتالي تعطينا إضاءات كاشفة أو مقدمات تفضي بالحتم إلى نتائج مهمة وموثوقة، ومن هنا فإن كثيراً من النقاد يصطلح عليها بالنص الموازي ويعتبرونها نصوصاً تحفُّ بالنص الأدبي، أو أي مشروع كتابي آخر وتدخل معه في علاقة جدلية تسهم في إنتاج العديد من الدلالات الفنية والفكرية والجمالية التي تساعد في توسيع دائرة التلقي وتعزز حالة التفاعل الإيجابي بين النص والمتلقي وتزيد من فرص بلورة التأويلات وتكوين أفق التوقعات.
وقد شهد الخطاب الأدبي المعاصر بصورة خاصة وبقية الخطابات المعرفية الأخرى بدرجة أقل، منعطفاً مهماً في النصف الثاني من القرن العشرين وصفه الكثير من الباحثين والنقاد والدارسين بالثورة النصية التي أولت اهتماماً منقطع النظير بالتلقي والقراءة وإشكالية الاستجابة والتفاعل، فظهرت مفاهيم ومصطلحات جديدة تحيط بالمتن في التعامل النقدي في الحقل الأدبي من قبيل، عتبات النص، النص الموازي، خطاب المقدمات، المكملات، السياجات وما إلى ذلك، وهذا أدى بدوره إلى التعامل الجدي الذي يتميز بالعمق والدقة والشمولية في معاينة وتحليل الشعرية والتشكيل وجماليات التصوير والسرديات والخطاب.. إلخ، وهذا يحيلنا إلى توصل مهم وهو أن قيمة النص لا تكمن في متنه فقط وإنما بمقترباته وسياجاته كذلك.
ومن باب الأمانة والموضوعية لا يمكن التغاضي كذلك عن الإشارات والتنظيرات في الأدب الغربي ذاته التي سبقت كتاب (عتبات) الصادر عام 1987م للناقد الفرنسي جيرار جانيت، مثل كتاب (التشتيت) الصادر عام 1972م للناقد والفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، وكتاب (الميثاق السير ذاتي) الصادر عام 1975م للمنظر الأدبي الفرنسي فيليب لوجان وغيرهم من الذين سلطوا حزم الضوء الكاشفة على مفاهيم مثل عتبات النص أو المناصات وغيرها التي تعد مدخلاً رئيساً في دراسة وتحليل أي عمل أدبي.

ذو صلة