مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

(أوفيكيوس) نسف فكرة الأبراج والتنجيم

السماء هي السماء والنجوم هي النجوم، يرقبها ويرصدها هواة الفلك والمحترفون كما كان يرصدها الإنسان قديماً. غير أنه أصبح هناك فارق كبير ومفاهيم جديدة غيرت هذه النظرة عما كانت عليه. فعلاقة الإنسان بالسماء قديماً كانت الخوف والقلق بسبب عتمة الليل وعدم رؤية المخاطر التي تتربص به؛ إلى أن تطورت وتبدلت هذه النظرة شيئاً فشيئاً حتى تعود على منظر السماء وتكونت ألفة معها؛ بل وبات يربط بينها وبين متغيرات حياته اليومية وما يحدث فيها، فهذا النجم يظهر عندما تبدأ أوراق الشجر في السقوط، وتلك النجوم عندما تكون فوق رأسنا تأتي الرياح من هذا الجانب؛ وعندما تتبدل تلك المجموعة النجمية فهذا يعني قرب ميعاد المطر والبرد الشديد، وهكذا تكونت علاقة الأنس والفهم الأولي لحركة السماء وتغير النجوم فيها؛ بل وراح يسجل تلك الحالات من تغيّر شكل النجوم وتبديل أماكنها، فبدأ بوضع حجارة على الأرض يحدد بها اتجاه وتغير شكل النجوم ومواقعها حسب أوقاتها خلال السنة.

قد تتساءل عزيزي القارئ عن علاقة العنوان المبهم لهذه المقالة وافتتاحيتها، ومن أو ماذا تعني كلمة (أوفيكيوس)؟ سأجيبك حالاً ولكن كان لا بد من هذه الافتتاحية، بل وأستميحك عذراً وأطلب منك التروي والصبر قليلاً حتى أكمل ما بدأته من تمهيد. فـ(أوفيكيوس) هو اسم لمجموعة من مجموعات النجوم والتي بحركتها على مدار ألفين سنة نسفت فكرة الأبراج والتنجيم.
لقد وصل الإنسان لدرجة متقدمة من فهم (شكل) وتوزيعات النجوم في السماء حتى بات يسجلها بمواضع حجارة على الأرض؛ بل ومع تقدم الزمن والتطور الحضاري؛ راح الإنسان يعطي أسماء للنجوم، ويقسمها حسب المواسم فهذه نجوم شتوية وهذه صيفية وتلك لا تظهر إلا في الربيع أو الخريف وهكذا؛ ومع ظهور الكتابة والتدوين نجد الإنسان قد قسم السماء إلى خريطة نجوم تحتوي على 88 مجموعة نجمية ليست متساوية ولا توجد علاقة بين مجموعة نجمية وأخرى؛ وأطلق على هذه النجوم أسماء من واقع بيئته والمكان الذي يعيش فيه وأدواته التي كان يستعملها؛ فقد أطلق أسماء حيوانات وكائنات حية على بعض من هذه المجموعات فلا عجب أن ترى مجموعة نجوم اسمها الكلب الأكبر والكلب الأصغر والدب الأكبر والدب الأصغر والأسد والثور والجدي والثعبان وأيضاً الثعلب والدجاجة والأرنب؛ نعم كل هذه الحيوانات أسماء لنجوم في السماء وغيرها كثير. وعندما تجرأ الإنسان على البحر أطلق أسماء لبعض الكائنات البحرية على النجوم مثل: الحوت والدولفين والسرطان وثعبان البحر ومن الأدوات التي أطلقت على بعض المجموعات النجمية نجد القوس والمثلث والسهم والدلو والساعة والميزان. تشترك جميع الحضارات بشكل أو بآخر في هذه المسميات للمجموعات النجمية ونحن نجد كذلك أسماء مأخوذة من حضارات رومانية وأخرى يونانية أو مصرية، وكانت تلك الحضارات تطلق أسماء شخصيات أسطورية لها دور عظيم في حياتهم مثل أوريون الصياد والرامي وحامل رأس الغول والجاثي والتوأمان (الجوزاء) وأندروميدا وأمها كاثيوبيا وأباها قيفاوس وحبيبها برشاوس حسب الأسطورة اليونانية الشهيرة وأيضاً مجموعة نجوم حامل الثعبان أو الحواء واسمها العلمي (أوفيكيوس).
ها أنت -عزيزي القارئ- قد عرفت معنى كلمة (أوفيكيوس) هي اسم لمجموعة نجمية صيفية تظهر في فصل الصيف وتقع بين مجموعتي العقرب والقوس. وشكلها عبارة عن رجل يحمل ويتحكم بثعبان كبير؛ وهو رمز الشفاء ومنه اتخذ علماء الصيدلة صورة الثعبان والكأس؛ لأن (أوفيكيوس) كان يسافر كثيراً يشفي المرضى من ترياق الثعبان حسب الأسطورة. أما بخصوص علاقة (أوفيكيوس) بالأبراج والتنجيم؛ فهذا يتطلب منك ومني قدراً آخر وأخيراً من الصبر والتمهيد. فبعد أن علمت أن نجوم السماء قسمت إلى 88 مجموعة نجمية لكل منها اسم وميعاد ظهور محدد في السماء طوال السنة؛ بقي أن تعرف أنه ومنذ ما يزيد عن 2200 سنة اكتشف عالم فلكي قديماً اسمه (هيبارخوس) أن الشمس وهي تسير في السماء تخفي عنا مجموعة نجمية كل شهر؛ وكل شهر مجموعة نجمية أخرى غير الشهر الذي يليه أو الشهر السابق له. فمثلاً توصل (هيبارخوس) من خلال الأرصاد إلى أن الشمس يكون خلفها وتخفي عنا نجوم الحمل في الفترة من (21 مارس إلى 20 أبريل) وتخفي عنا نجوم الثور في الفترة من (21 أبريل حتى 20 مايو) ثم تخفي أو تغطي عنا نجوم الجوزاء في الفترة من (21 مايو حتى 21 يونيو) وهكذا؛ فتخفي عنا الشمس أثناء مسارها 12 مجموعة شمسية في كل شهر مجموعة؛ وهذه المجموعات هي ما تعارف الناس عليه مجازاً باسم الأبراج بالتواريخ التي كان قد وضعها (هيبارخوس). ولكن ما لا كان يعرفه (هيبارخوس)، ولا الإنسان القديم الذي كان يرصد السماء وينظر إليها مترقباً، ولا حتى كثير من الناس في يومنا هذا؛ أن النجوم والمجموعات النجمية على صفحة السماء غير ثابتة، لا حسب الخرائط القديمة ولا حتى حسب تقسيمات (هيبارخوس) للأبراج.
فقد تم اكتشاف ظاهرة فلكية تسمى (الترنح) أو Nutation وهي دون الدخول في تعقيدات ومصطلحات قد تبدو مبهمة؛ ظاهرة تحدث بسبب دوران الأرض حول محورها وحول الشمس لفترات طويلة تؤدي إلى حدوث زحزحة لمواقع النجوم بمقدار درجة قوسية واحدة في السماء كل 71 سنة؛ ما نتج عنه تغيّر تواريخ الأبراج؛ ليس هذا فقط، بل وزيادة عددها إلى 13 برجاً؛ نعم لا تندهش فقد أصبحت الأبراج المتعارف عليها شيئاً ماضياً وزاد عددها، والبرج الذي زاد عليها هو برج (الحواء) أو (أوفيكيوس).
إذن فكرة الأبراج وموضوع التنجيم الذي استند عليها وعلى تواريخها القديمة من أيام (هيبارخوس) قد تم نسفها بزيادة عدد الأبراج بدخول برج (أوفيكيوس) إليها فترتيب الأبراج بعد أن كان يبدأ ببرج الحمل وينتهي ببرج الحوت وعددهم كان 12 برجاً؛ أصبح العدد 13 برجاً بزيادة برج (أوفيكيوس) وترتيبها الجديد هو (الحمل - الثور - الجوزاء - السرطان - الأسد - العذراء - الميزان - العقرب - الحواء - القوس - الجدي - الدلو - الحوت). أما عن التواريخ فقد تبدلت تبديلاً جذرياً وكذلك مدة بقاء الشمس في كل برج أو فترة إخفائها عن سكان الأرض لكل برج. وإذا كنت من هواة التعرف على الأبراج فانظر إلى الجدول لتعرف التواريخ الجديدة للأبراج الثلاثة عشر والتي تسبب زحزحة برج (أوفيكيوس) في تغييرها.
والمقام لا يتسع لدحض حجة استناد ما يسمى بالتنجيم على ترتيب وفكرة الأبراج؛ وفي الختام يجدر القول إن الأبراج هي حقيقة ووجودها في السماء حقيقي وتوجد سورة قرآنية اسمها (البروج)، ولكن الاعتقاد بالأبراج وبأن لها تأثيراً على حياتنا هو الشيء غير المنطقي بعد أن اكتشف العلم الحديث تغيير وتبدل بدايات ونهايات الأبراج، وأنها ستتغير وتتبدل مرة أخرى جزئياً كل 71 سنة؛ وكلياً كل 2225 سنة، ولا ندري وقتها من سيكون غير (أوفيكيوس) هو السبب في التغيير.

ذو صلة