أضحى الوقت في الفكر التنموي الحديث أحد أهم مؤشرات تقدم الأمم، إذ تقاس كفاءة المجتمعات بقدرتها على تحويل الزمن إلى إنتاج ومعرفة وابتكار. غير أن هذا التصور ليس وليد العصر الحديث، فقد احتل الوقت مكانة محورية في الحضارة العربية الإسلامية، حيث ارتبط بالعمل والإتقان والاستخلاف في الأرض. ومن هنا تبرز إشكالية جوهرية: كيف انتقلت مجتمعات امتلكت تراثاً غنياً في تعظيم قيمة الوقت إلى واقع يشكو من ضعف الإنتاجية وتفشي التسويف؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي قراءة ثقافية تربط بين منظومة القيم والسلوك الإنتاجي.
يكشف التراث العربي الإسلامي عن وعي مبكر بقيمة الزمن، فقد ارتبط العمل بمفهوم المسؤولية والإتقان، وعدَّ الوقت رأسمال الإنسان الحقيقي. ويرى ابن خلدون أن ازدهار العمران لا يتحقق إلا بالعمل المنظم وتقسيم الوظائف، وهو ما يجعل الزمن أساساً في بناء الحضارة (ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر، تحقيق خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، ط1، 1981، ج1، ص54). كما أسهم انتظام العبادات والمؤسسات العلمية، مثل جامع القرويين، في ترسيخ ثقافة الانضباط واحترام المواعيد، وهو ما تؤكده الدراسات التي تناولت نظام التعليم التقليدي بالمغرب (عبدالهادي حميتو، حياة الكتاتيب وأدبيات المحضرة، ج2 ، ص575).
غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة أفرزت فجوة بين هذا الإرث الحضاري والممارسة اليومية؛ إذ أصبحت مظاهر التأخر عن المواعيد، وضعف التخطيط، والتسويف، من العوامل التي تؤثر في الإنتاجية. ويؤكد مالك بن نبي أن مشكلة النهضة ليست في نقص الإمكانات، بل في كيفية توظيف الإنسان للوقت والأفكار والأشياء داخل مشروع حضاري متكامل (مالك بن نبي، شروط النهضـــة، دار الفكــــر، دمشــــــق، 1986، ص139 - 140). ومن ثم فإن أزمة الإنتاجية في عدد من المجتمعات العربية هي، في جوهرها، أزمة ثقافة قبل أن تكون أزمة موارد.
وتؤكد الخبرات الإدارية الحديثة أن حسن إدارة الوقت يمثل مدخلاً أساسياً لرفع كفاءة الأداء. وفي هذا السياق، يشير مارك ماكجينيس إلى أن وضع حدود زمنية واضحة للمهام يمنع هدر الوقت ويزيد من فعالية الإنجاز (مارك ماكجينيس، أدر مهامك اليومية، مكتبة جرير، 2016، ص15). كما يذهب ستيفن آر كوفي إلى أن ترتيب الأولويات والالتزام بها يمثل جوهر الإدارة الفاعلة للوقت، ويقود إلى تحسين الأداء الفردي والمؤسسي (ستيفن آر كوفي، العادات السبع للناس الأكثر فعالية، مكتبة جرير، 2009، ص176).
ولا يمكن ترسيخ ثقافة الوقت إلا من خلال تكامل أدوار الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومؤسسات العمل، بما يجعل احترام المواعيد والإتقان والمحاسبة قيماً يومية لا شعارات نظرية. كما أن توظيف الرقمنة، وتطوير الإدارة، وربط الكفاءة بالاستحقاق، من شأنه أن يسهم في بناء بيئة إنتاجية قادرة على مواجهة تحديات التنمية.
وختاماً، يمكن القول إن استعادة ثقافة الوقت والعمل في المجتمعات العربية لا تعني استحضار الماضي على سبيل الحنين، بل تعني استلهام قيمه الحضارية وتفعيلها في واقع معاصر يقوم على المعرفة والانضباط والإبداع. فحين يتحول احترام الوقت إلى ثقافة مجتمعية راسخة، يصبح العمل قيمة حضارية، وتغدو الإنتاجية أساساً لبناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة.