عندما كان يدخل علينا أستاذنا القامة الشيخ عبدالرحمن، أستاذ البلاغة العربية، ونحن في المرحلة الثانوية، يأتي في وقته بدقة شديدة، ويلقي علينا التحية باحترام وأدب نادرين. وكان عادة ما يكتب في محل التاريخ عبارات مقتبسة مثل (مطالع الزمن الآتي)، ثم في اليوم الذي يليه يكتب مثلاً: (إن الذين يؤرخون حياتهم بمطالع الأفلاك لا يحيون)، وفي درس الخميس يكتب: (الزمن إحساس داخلي)، وأيضاً: (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)، وعبارات أخرى كثيرة جسدت تعبيراً واضحاً عن قيمة الوقت والزمن والعمل. لذلك فقد ترسخت بالنسبة لنا قيمة الوقت والعمل، ليس كسلوك فقط، وإنما كمنظومة متكاملة تحمل في طياتها القيم الإنسانية النبيلة والاجتماعية والاقتصادية. فالوقت والعمل ليسا مجرد عقارب ساعة تتحرك، أو ربح يُكتسب، بل هما يعكسان رؤية المجتمع إلى الحياة والنجاح.
وبالنظر إلى قيمة الوقت والعمل في المجتمعات العربية، ينظر إليها البعض بنظرة من التشاؤم واليأس، ويصدرون أحكاماً سريعة عليها، ناسين أن المجتمعات العربية هي من أسست جانباً كبيراً من هذه القيم النبيلة المرتبطة بالوقت والعمل، بما تمتلكه من إرث حضاري غني في تقدير العمل والإتقان. فلم ينفصل العمل عن قيم الأمانة والإحسان وتحمل المسؤولية، فكوّنت هذه المجتمعات عمقاً حضارياً متوارثاً، خاصة في مجتمعات التجارة والأعمال، مستفيدة من مخزون علمي قديم قدم العلماء العرب في مختلف ضروب المعرفة، الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية منها. وكانت قيمة العمل مرتبطة تماماً بالتفاني والصدق.
ومن خلال تجربتي الشخصية في التدريب ونقل المعرفة في مجال التنمية البشرية وإدارة الوقت، لمجموعة من المؤسسات والأفراد في أفريقيا والخليج العربي، لاحظت أن الدورات التدريبية أثرت في سلوك وقيم المشاركين بصورة واضحة، خصوصاً بعد قياس أثر التدريب. وقد انعكس ذلك على الأداء وتعظيم قيمة الوقت والعمل معاً. فالورش والدورات التدريبية التي تتناول هذه المواضيع يجب أن تربط بصورة مباشرة بين قيمة الوقت والإنتاجية، وهما أمران لا ينفصلان، فهناك موظفون لا تبارح طريقتهم في العمل الحضور والانصراف وملء ساعات العمل دون قيمة حقيقية تستفيد منها جهة العمل التي تواجه المخاطر الأعلى في هذه الحالات.
ومن هنا جاءت أهمية الجوانب العملية، بالإضافة إلى المهارات في استخدام الأدوات، خاصة التكنولوجية منها، التي تساعد على تقليل الجهد والزمن. وتأتي قاعدة باريتو، التي تشير إلى (أن نسبة كبيرة من النتائج يمكن تحقيقها من خلال نسبة أقل من الجهد أو الوقت)، كأحد المفاهيم المهمة التي ينبغي الأخذ بها، لما فيها من تقنيات تساعد على إحداث تناغم بين قيم الوقت والعمل.
وقد تسهم مثل هذه المفاهيم في تغيير ثقافات بعض المؤسسات التي عانت ضياع الزمن في ترتيب أولوياتها، من خلال استخدام المصفوفات الحديثة وتحديد الأولويات، واختصار الوقت الذي يهدره الموظف في الاجتهاد والافتراضات والتخمين غير المجدي، دون المساس بحقوقه في الإبداع والابتكار.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة الأعمال، أصبح التعامل معه ضرورة ملحة، تسهم بقوة في اختصار الزمن والجهد، ولكن دون الاعتماد عليه بصورة كبيرة تفقد الإنسان دوره في التفكير واتخاذ القرار.
كما أن العمل عن بُعد أصبح يختصر أوقاتاً كانت تضيع في قطع المسافات بين المنزل ومكان العمل. وهذه ثقافة جديدة ظهرت في بيئة الأعمال، ورغم مقاومتها ظاهرياً في بعض المجتمعات العربية، إلا أنها بدأت تجد قبولاً متزايداً في بعض المؤسسات التي واكبت هذا التغيير في عدد من الدول.
إن ثقافة الوقت والعمل ليست مجرد التزام بساعات الحضور والانصراف، وإنما هي ثقافة متكاملة ترتبط بالإنتاجية والمسؤولية والإبداع واحترام الإنسان لوقته ووقت الآخرين. وربما يكون التحدي الحقيقي أمام مؤسساتنا اليوم هو كيف نحول الوقت من مجرد ساعات نقضيها في العمل إلى قيمة حقيقية نضيفها إلى العمل والمجتمع.