يصنف سعيد يقطين بوصفه أحد النقاد العرب البارزين الذين لا يمكن الاستغناء عن دراساتهم وأعمالهم في مقاربة السرد بشقّيْه القديم والحديث. فقد كان سباقاً إلى استنبات النظرية البنيوية في التربة العربية، منذ أواخر السبعينات، وظل ملتزماً بهذا التوجه إلى اليوم. فما الذي جعل من يقطين بنيوياً أصيلاً؟ الحق أن اهتمام يقطين بالبنيوية لم يكن وليد صدفة أو اتباع موضة برزت في الستينات والسبعينات؛ إنما نابع من وعي علمي ونقدي راسخ، لأن البنيوية في تصوره ليست مجرد قوالب أو أشكال يتم صب الإبداع داخلها، بقدر ما هي علم متكامل.
بدأ التأسيس لهذا العلم مع الشكلانيين الروس الذين نقلوا الاهتمام من الأدب إلى الأدبية، عبر دراسة العناصر التي تجعل من الأدب أدباً، ثم استُكمل المسار مع رواد البنيوية، خلال الستينات، مع كل من جيرار جنيت ورولان بارت وتودوروف.. وغيرهم. تمثلت القيمة الكبرى للبنيوية في تحديد الاختصاص الأدبي الذي اقتصر على النص، فلا يوجد شيء خارجه، ولا حاجة بالنسبة إلى الدارس للبحث في حياة الكاتب ومحيطه.
دافَع يقطين في كل كتبه -بقوة ودون ملل- عن الرؤية العلمية. حيث يرى في كتابه الفكر الأدبي العربي أنه: (ما لم نؤسس فكرنا الأدبي على خلفية معرفية علمية وفلسفية وتقنية، فإنه سيظل ناقصاً وغير قادر على التطور). إن عدم تأسيس فهمنا وقراءتنا للأدب على أرضية علمية لا يمكن أن يؤدي إلى الارتقاء بالأدب وتطوير جامعاتنا ومدارسنا. فلا بد من تضافر وتساوي الأدب والعلم لتشكيل فضاء ثقافي على أساس دعامتين لأجل الوصول لأي تحول منشود أو تطور مقصود. من هنا يشدد في مؤلفه السرديات والتحليل السردي على أن: (المدخل الطبيعي لاستنبات السرديات في التربة العربية هو الإقرار بـ(علمية) هذا الاختصاص على مستوى الوعي والممارسة). في هذا السياق، تأسست البنيوية على أساس العلم الذي شيدته اللسانيات، فظهر خلال الحقبة البنيوية ميلاد علمين للأدب: السرديات بقيادة جيرار جنيت، والسيميائيات برئاسة جوليان غريماس. أسس العلم الأول لمفهوم الأدبية من خلال البحث في الخطاب حصراً، وفق مقولات محددة. أما العلم الثاني فانفتح على مختلف العلامات اللغوية وغير اللغوية (الأدب، الصورة، الإشهار، الموضة..).
عمل يقطين على محاورة آراء النقاد الغربيين أمثال جنيت وجوليا كريستيفا وبارت وميك بال وجاب لينتفلت.. وآخرين، بوعي معرفي ونضج علمي، جعله يتجاوز الآراء السائدة ليجترح مصطلحات ومفاهيم وتصورات تصلح للسرد العربي قديمه وحديثه. بهذا المعنى سعى يقطين على مدار عقود إلى تجديد الفكر الأدبي والسردي، ذلك أنه لم ينزوِ في منطقة منهجية معزولة، ولم يظل يدور في حلقة مفرغة. كان التجديد دوماً هدفه، لكن دون أن ينسى الأصول. لعل هذا ما لخصه الناقد حسن بحراوي بقوله: (الارتباط بالجذور، والتطلع إلى الآفاق). تتعلق النقطة الأولى بالتفكير في السرد من زاوية علمية، والثانية في البحث عن توسيع الأدب، خصوصاً مع ظهور الوسيط الرقمي. أصدر هنا كتابين (من النص إلى النص المترابط) (2005)، (النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية) (2008).
يذهب يقطين إلى أن المنظور البنيوي ليس ضد الحياة، بل هو على صلة دائمة بها (بربطه إياه باللغة وبطريقة إنتاج الفن والجمال، وكذلك بفهم بنياته وطبيعته)، كما ورد في كتاب الفكر الأدبي العربي. من جهة أخرى، فإن البنيوية لم تنتهِ مع بروز توجه ما بعد بنيوي أواسط الثمانينات، باعتبار هذه المرحلة امتداداً لسابقتها، فليس هناك أي قطيعة عكس ما يذهب إليه بعض الدارسين. (هذه الصيرورة تبرز بجلاء أن ما بعد البنيوية ليس سوى تطوير للمرحلة السابقة؛ لأن البنيوية، في المجال الأدبي بصورة أخص؛ مشروع علمي، ولا يمكن للمشروع أن ينتهي لأنه أبداً مفتوح على المستقبل، وقابل للتطور باستمرار). ذلك أن البنيوية -في نظره- لا يمكنها أن تموت أو تنتهي، لأنها مشروع علمي طموح. كما أن ما بعد البنيوية لا يعني نقيضها، وإنما توسيع للاختصاص لا إلغاء وتجاوز له.
يدافع يقطين عن العالم الأدبي المرتبط بالاختصاص، فالناقد غير المختص الذي يدعي توظيف نوع من التكامل المنهجي، دون الاستناد على التخصص أولاً؛ هو بتعبير يقطين (متحذلق). لأن الباحث عليه أن ينتمي إلى مرجعية علمية محددة، وبعدها إن أراد توسيع مجال اشتغاله فله ذلك. وهذا ما قام به يقطين ذاته، فرغم اشتغاله بالبنيوية في كتابه تحليل الخطاب الروائي إلا أنه دافع عن ضرورة دراسة الأدب من زاوية سوسيولوجيا النص الأدبي. تمثل هذا في كتابه انفتاح النص الروائي الذي اهتم فيه بالسرديات الاجتماعية كما هي عند بيير زيما، لكنه مع ذلك ظل وفياً لتصوره البنيوي القائم على البنية.
لا ينظر يقطين إلى البنيوية على أساس أنها مقاربة شكلية فقط، بل يدعو إلى استحضار طابعها العلمي والمنهجي في دراسة الأدب، ومختلف الخطابات الأخرى، والابتعاد عن النقد الانطباعي.
لهذا، نعتبر أن سعيد يقطين كان وما يزال بنيوياً أصيلاً وفيّاً لمبادئ البحث العلمي القائم على تصور منهجي واضح، وخلفية نظرية صلبة، وأفق حضاري غني. لم يكن يقطين -في أي يوم من الأيام- منغلقاً على نفسه، بل إن الانفتاح على العصر بثقافاته المختلفة ظل شعاره الدائم. من هنا جاء مشروعه السردي والثقافي شديد التكامل يشدّ بعضه بعضاً كالبنيان المرصوص.