تمثل الحركة الشعرية في المملكة العربية السعودية اليوم امتداداً مركّباً لتاريخ طويل من القصيدة العربية الكلاسيكية، لكنها في الوقت نفسه تشهد نهضة شعريّة تتسم بالأصالة في الحفاظ على الموروث، وبالتنوّع في الأشكال الشعريّة، بين مسارات ثلاثة:
أولاً: القصيدة العمودية الأصيلة
رغم التحولات التي شهدتها الساحة الشعرية في المملكة، ظل الشعر العمودي حاضراً، لكنه لم يعد هو التيار المهيمن كما كان في جيل الرواد مثل عبدالله بن خميس وطاهر زمخشري وحسن عبدالله القرشي، الذين رسخوا بتجاربهم القصيدة العمودية، وأبرزوا من خلالها موضوعات الوطن والوجدان والقضايا العربية.
وفي الجيل المعاصر، برزت أصوات شعرية يمكن اعتبارها استمراراً لجيل الريادة، جعلت من العمود خياراً جمالياً واعياً وليس مجرد تقليد، أذكر منهم، جاسم الصحيح، أحمد قران الزهراني، إياد أبو شملة الحكمي، حسن الزهراني، محمد أبو شرارة، تهاني الصبيح، صالح الهنيدي..، وهؤلاء الشعراء قد لا ينتمون إلى مدرسة واحدة، لكنهم حافظوا على هوية القصيدة الكلاسيكيّة، ومن دون أدنى شك، فإن كل شاعر من الشعراء المذكورين له خصوصيته من حيث الأسلوب والبنية للجملة الشعرية، ولو كانت المساحة تتسع، لذكرت لكل شاعر مثالاً شعرياً يوضح ذلك.
ثانياً: العمود المتحوّل (بين الكلاسيكية والحداثة)
وهنا يظهر الشعراء الذين لا يقطعون مع العمود، لكنهم يعيدون تشكيله من الداخل، عبر الصورة المكثفة واللغة الحديثة. ولعلّ من أبرزهم: محمد إبراهيم يعقوب، حسن السبع، عبدالله الصيخان، إبراهيم طالع الألمعي، مستورة العرابي، عبدالعزيز الأزوري، عبدالله إبراهيم المفتاح، ناجي حرابة، حوراء الهميلي، محسن علي السهيمي..، وإن كانوا يكتبون القصيدة الكلاسيكيّة، فإن الصورة الشعريّة لديهم تتسم بالتجديد، وبالكثافة الدلالية، وفي تقديري أن هذا التيار الشعري يشكل جسراً بين التراث والحداثة. ومع أن هذا التصنيف لا يخلو من مغامرة في إطلاق الحكم من دون إنشاء نقدي عليه، فبعض الشعراء قد ينتمون إلى النمط الأول وبعض شعراء النمط الأول قد ينتمون إلى هذا النمط، والبعض قد ينتمي إلى النمطين معاً، بالإضافة إلى وجود أسماء لم نذكرها، لكن المهم هنا أن عمود الشعر نفسه قد شهد تحوّلاً بنيويّاً وإن حافظت القصيدة على شكلها، وهذا أمر شديد الأهميّة، إذ إن الشكل لم يقف حائلاً بين الأصالة والنزوع إلى الحداثة، فالحداثة أصلاً تكون في المضمون قبل الشكل. وإن كان يفضل بعض النقاد الحداثويين إعطاء الأهميّة والأولويّة للشكل، حتى إن كثيراً من الشعراء الكلاسيكيين أصبحوا يفضلون كتابة البيت الشعري الواحد على شكل مقطعات وشطرات في سطور متعدّدة غافلين أو متغافلين عن الرصانة والتوازن الشكلي للقصيدة الكلاسيكية.
ثالثاً: تراجع المركزية وتحول المشهد إلى تعددية
على الرغم من الحضور الذي ما زال راجحاً للقصيدة العمودية، لا بد من ملاحظة أنها قد فقدت مركزيتها، وبقيت متجاورة مع قصيدتي التفعيلة والنثر، خاصة بعد انتشار قصيدة النثر في
الأوساط الشبابيّة والإعلاميّة. ويمكن أن نذكر في هذا السياق من كتاب قصيدة النثر في المملكة فوزيّة أبو خالد، إبراهيم الحسين، محمد الحرز، أحمد الملا، غسان الخنيزي، أحمد الصحيح، مهدي محسن، صالح زامان، عبد الرحمن المحسني، عبد المحسن يوسف... وفي تقديري مهما تغيرت أساليب التجريب في القصيدة العربيّة، تبقى القصيدة الكلاسيكيّة موروثاً حيّاً، وتعبيراً صادقاً عن أصالة الأمة وخصوصيّة ثقافتها وفكرها وإبداعها، والشاعر الذي لم يستطع الإقناع بهذا النمط من الشعر، سيكون من الصعب عليه الإقناع بغيره. وتبقى الساحة الشعريّة في المملكة قادرة على احتواء الجميع، والتجربة هي التي تفرض نفسها، والزمن شاهد محايد بالوصول.