مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

غزل الفقهاء

كانت وما زالت الصورة النمطية عن الفقهاء أو ما يسمون اليوم (بالشيوخ) لا تخرج عن نمط واحد لا يتغير، وإن تبدلت الأيام والسنون. فهو شيخ قابع في محرابه، أو محكمته أو معتكف في مسجده، منصرف عن الدنيا، وبعيد عن كل ما يغرق في نعيمها، ولكني كنت أقول باستمرار، هذا ليس حال المؤمن فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
فساعة لربك، وساعة لقلبك، كما يقال، وهذا هو القانون الطبيعي للحياة المبنية على الاعتدال، والإمام الشافعي -يرحمه الله- الإمام الحجة، وصاحب المذهب المعروف، يكتب أبياتاً لا يمكن أن تخرج إلا ممن خبر دروب الحياة، وهي في غاية الرقة والعذوبة، ومن السهولة أن تُغنى، وقد غناها فنانون كثر، وأعتقد أن هذه الأبيات وردت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، حيث يقول يرحمه الله:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ
وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا
فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ
وَلا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَد صَفا
إِذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً
فَلا خَيرَ في وِدٍّ يَجيءُ تَكَلُّفا
وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ
وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا
وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ
وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا
سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها
صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا
وقد جمع غازي القصيبي -يرحمه الله- غزل الفقهاء في كتابه الشهير الإلمام بغزل الفقهاء، وأورد لواحد وأربعين فقيهاً غزلاً صريحاً.
فهل مثل هذا الشعر قد أسقط هيبتهم؟ ونال من منزلتهم؟
إنَّ الفقهاء مثل سائر البشر، يفرحون ويعشقون ويحزنون، ويهيمون، ولكن كل هذا دون هتك سر، ولا فضح أمر، ولا إتيان معصية، فهذا عمر بن أبي ربيعة وهو ليس فقيهاً، ولكنه شاعر جُل شعره غزل صريح، يقسم أنه لم يحل إزاره لمعصية قط.
وهكذا الشعر فأعذبه أكذبه، وعلينا أن ننظر إليه كذلك!
وأبيات الشافعي الجميلة خير من غناها الفنان جميل محمود في دانة حجازية معروفة.

ذو صلة