قبل آلاف السنين ضحك إنسان في بلاد الرافدين من نكتة لم يكن يدري أنها ستصل إلى عالم بعيد عنه بأربعة آلاف عام، مات الراوي، وضاعت أسماء من سمعوه، وبقيت الضحكة تمضي من جيل إلى جيل، كأنها تقول إن ما يتغير في حياة البشر أقل مما يبقى منها.
يحفظ المؤرخ أسماء الملوك، وقادة الجيوش، وتواريخ الوقائع الكبرى، أما النكتة فتحفظ ما دار في صدور الناس وهم يشهدون تلك الوقائع، وتلتقط ما يتركه الزمن في النفوس بعد أن تغادره السجلات، ولذلك بقيت جزءاً من الذاكرة اليومية، تتناقلها المجالس كما تتناقل أخبارها وأمثالها.
وفي الثقافة العربية وجدت النكتة مكانها بين الشعر والحكمة والخبر، وصارت جزءاً من أدب المجالس، يأنس بها الحاضرون، ويستعيد بها الحوار حركته، ويحفظ بها المجلس شيئاً من دفئه، ولهذا امتلأت كتب التراث بالنوادر والملح، لأنها كانت صورة من صور المعرفة بالحياة، ووجهاً من وجوه البلاغة، وعلامة على حضور الذهن وسعة التجربة.
ويظهر الجاحظ في مقدمة من فهموا هذا المعنى، فالبخلاء لا يقدم شخصيات تثير الضحك وحدها، وإنما يكشف طرائق البشر في الدفاع عن رغباتهم، ويصور اللغة وهي تصنع الأعذار وتعيد ترتيب المعاني، حتى يتحول الحرص إلى فضيلة، ويغدو التبرير جزءاً من الحكاية، فيبتسم القارئ، ثم يلمح في الحكاية طبائع بشر ما زالت تطل من وجوه جديدة كلما تبدل الزمن.
ويمضي أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة فيجعل الطرفة رفيقة للفكر، ويمنح المجلس مساحة يتجاور فيها التأمل والحكاية، بينما يقدم ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين مشاهد تكشف قيمة العقل من خلال غيابه، فتغدو النادرة وسيلة لرؤية الإنسان وهو يقترب من نفسه من غير تكلف، ولذلك بقيت النوادر ترافق كتبهم، شاهدة على أن الحكاية الخفيفة تحفظ من طبائع البشر ما يغيب عن كثير من الخطب والمواعظ.
ولهذا حملت النكتة صورة المجتمع في عباراتها القليلة، فلكل جماعة صورها التي تعكس نظرتها إلى نفسها وإلى محيطها، وتكشف ما يثير خوفها أو دهشتها أو سخطها، فيتحول الضحك إلى لغة تتداولها الجماعة لتقول ما يضيق عنه الكلام المباشر.
وكلما ازدادت الحياة قسوة اتسعت مساحة النكتة، فالناس يحملون أثقالهم بطرق شتى، ويجدون في العبارة الخفيفة عزاء عابراً يخفف وطأة الواقع، لذلك تنتشر النوادر في أوقات الأزمات، وتنتقل بسرعة بين المجالس، لأن الضحكة تترك في القلب فسحة يتراجع فيها ثقل الأيام قليلاً.
ومن هنا ارتبطت النكتة بصورة السلطة في الوعي الشعبي، فالهيبة التي تبنيها الخطابات الطويلة قد تهتز أمام طرفة قصيرة، والصورة الرسمية التي تبدو مكتملة في الوثائق يعيد الناس رسمها في حكاية تتناقلها المجالس، فتخرج الشخصية العامة من إطارها الجامد إلى صورة أقرب إلى الحياة، وتغدو النكتة مرآة للمسافة بين ما يُقال للناس وما يشعرون به.
ومن يقرأ النوادر القديمة يقرأ معها حياة المدن، وأصوات الأسواق، ولهجات المجالس، وطرائق العيش، ولذلك تبدو النكتة سجلاً صغيراً للحياة اليومية، تحفظ تفاصيل قد تمر من غير أن يلتفت إليها أحد، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة لرؤية المجتمع من داخله، كما عاشه أهله، لا كما وصفته الكتب.
ومع العصر الرقمي تبدل الوعاء، وانتقلت الطرفة من المجلس إلى الشاشة، وحلت الصورة مكان الراوي، وصار التعليق المختصر يقوم بالدور الذي كانت تؤديه الحكاية، غير أن الحاجة بقيت على حالها، فالإنسان ما زال يبحث عن المفارقة التي تخفف وطأة الواقع، وعن عبارة قصيرة تمنحه فرصة للنظر إلى العالم من زاوية أكثر رحابة.
وحملت الميم الروح القديمة نفسها في ثوب جديد، فتداولها الناس كما تداولوا النوادر في الأزمنة الماضية، وأضاف كل جيل إليها من لغته وخبرته وإشاراته، وبقيت تؤدي دورها في جمع الناس حول ضحكة مشتركة، فتتبدل الشاشات والوجوه واللغات، وتبقى الضحكة تجد طريقها إلى الناس.
وربما تمضي أسماء كثيرة مع الزمن، وتبقى نكتة خرجت من مجلس عابر، يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، لأن الضحكة تحفظ ما يتساقط من الطريق، بينما يمضي التاريخ منشغلاً بخطواته الكبرى، ولهذا يضيق الكلام فيبتكر الإنسان ضحكة، ثم تمضي في الطريق أطول عمراً من أصحابها.