مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الافتتاحية

عنوان غلاف المجلة العربية لهذا العدد يحمل جملة (الجيل المضطرب) التي هي في الأصل عنوان كتاب عالم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت، ونصه: (الجيل المضطرب.. وتأثير شبكات التواصل على أعصابه وتصرفاته وكيف تتم المعالجة؟)وعلى ضوئه تشكَّل ملف العدد الذي حظي بمشاركات معمقة كما ستقرؤون.‎
مضامين الكتاب وفق ما استند إليه من دراسات وإحصاءات وتفسيرات تُنبئ عن كارثة تهدد مستقبل البشرية لسبب جوهري، وهو أن الخطر يتركز حول أثمن ما تنتجه البشرية وهو النسل أو (طفولة البشرية)، كما ورد في الكتاب، فأيُّ مستقبل نتحدث عنه ونحن نرى الموت يزحف نحو بُناة المستقبل ثم لا نتحرك لإيقافه، فالمسألة -دون أدنى مبالغة- حياة أو موت.
يحدث هذا بطبيعة الحال جراء تغلغل الحضارة الرقمية في حياة الناس، وتحديداً شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الاتصال الشخصي، إلا أن خطرها يتعاظم ويتركز على الأجيال الناشئة، بالنظر إلى عدم اكتمال نضجهم التكويني والنفسي والعصبي، ما يجعلهم يتعرضون لانهيارات من الصعب علاجها، لهذا يركز الكتاب على تقديم المقترحات الوقائية قبل العلاجية، وأحد أهمها إصدار قوانين وتشريعات صارمة وإلزامية لحماية (طفولة البشرية) لمن هم ضمن مراحل التعليم العام ما قبل الجامعة، فالخطر الأهم يتركز في الزمن الذي يقضيه المستخدم / النشء داخل هذه العوالم الرقمية، وهو ما يجب تقنينه وفرضه بسلطة النظام.
على المستوى الشخصي ثمة تحدٍ كبير لانتشال النشء الغارق حالياً في لجة الإدمان الرقمي، فالكل يتحدث عن معاناته مع من حوله من أطفال، من قبيل عدم القدرة على التركيز، وتشتت الذهن، وتفضيل الظلام أو الضوء الخافت، وفقدان الصبر، والميل إلى النمط السريع في كل شيء، والعزلة، وضعف مهارات التواصل والذكاء الاجتماعي المباشر.. وغيرها الكثير.
ومع التسليم بصعوبة الحد من هذا الخطر الرقمي الذي يُهدد النوع البشري عبر استهداف نسل الإنسان وأجياله المقبلة؛ إلا أن ثمة تجارب على مستوى مؤسسي مدني أخذت على عاتقها مهام التوعية والتحذير والمطالبة القانونية عبر المحاكم، مثل ما يحصل في عدد من الدول الأوروبية، وعلى مستوى حكومي رسمي في سنّ القوانين وإقرار التشريعات. وعلى هذا النحو يجب أن يأتي التحرك الجاد والسريع لدى المجتمعات العربية مدنياً ورسمياً، ولعل في مضامين ما طرحته (المجلة العربية) في ملف هذا العدد ما يقود إلى رؤية تطبيقية، فأهلاً بكم إلى ملف حماية (طفولة البشرية).

ذو صلة